لماذا لا تملك السعودية سوى خيارات سيئة في اليمن؟

السعودية تواجه ثلاثة خيارات في اليمن: التصعيد العسكري، أو ضبط النفس، أو الانسحاب، ولكل منها مخاطر كبيرة. بحسب مقال نشره موقع ناشيونال انترست وترجمه موقع الخنادق الإلكتروني.
ويؤكد أن التفوق العسكري السعودي لم ينجح في إخضاع أنصار الله، وأن مواصلة الحرب تهدد أمن المملكة ورؤية 2030 الاقتصادية. ويدعو إلى وقف العمليات الهجومية والتفاوض على تسوية تضمن أمن السعودية والملاحة، بدلاً من محاولة فرض مستقبل اليمن بالقوة.
يجدر التنويه إلى أن الكاتب يعتبر الحرب الحالية هي حرب يمنية _ يمنية والسعودية تتدخل فيها لصالح الطرف اليمني المعادي لأنصار الله (أي حرب أهلية) بينما هي حرب يمنية _ سعودية جراء استمرار العدوان على اليمن وعدم رفع الحصار…
النص المترجم:
أجبر الهجوم الصاروخي الذي شنّه الحوثيون على مطار الملك خالد في الرياض في 10 تشرين الأول/أكتوبر، وأسفر عن مقتل 13 شخصاً، السعودية على مواجهة مأزقها في اليمن بكل ما يحمله من تداعيات مدمرة. واستمرت الهجمات المتبادلة على مطارات الطرفين في 11 تشرين الأول/أكتوبر، متسببة في سقوط مزيد من الضحايا. وتؤكد التقارير عن القتلى والجرحى مدى هشاشة مملكة تتجاوز نفقاتها العسكرية وترسانتها المتطورة بكثير ما يمتلكه خصمها.
وعقب الدعم السعودي لعمليات جديدة نفذها حلفاؤها اليمنيون، واجهت الهجمات التي استهدفت البنية التحتية المدنية والأهداف العسكرية السعودية ولي العهد محمد بن سلمان بثلاثة خيارات: التصعيد وصولاً إلى حرب شاملة، أو ضبط النفس، أو الانسحاب من الصراع في اليمن. ولا يخلو أي من هذه الخيارات من مخاطر كبيرة.
يتمثل الإغراء المباشر في الرد بقوة مفرطة لإظهار حزم الدولة. لكن السؤال الاستراتيجي هو ما إذا كان التحرك العسكري السعودي قادراً على تحقيق نتيجة سياسية تجعل المملكة أكثر أمناً. فمعاقبة الحوثيين، وحماية المواطنين السعوديين، وإعادة الحكم الموالي للرياض في اليمن، أهداف مختلفة تماماً. والخلط بينها قد يحوّل استراتيجية الردع إلى تدخل آخر مفتوح المدة.
يأتي التصعيد الحالي في أعقاب مساعٍ مدعومة سعودياً لعكس المكاسب التي حققها الحوثيون وحماية الوصول إلى البحر الأحمر. وقد قدّم الحوثيون هجماتهم باعتبارها رداً على الضربات السعودية التي استهدفت صنعاء ومناطق أخرى خاضعة لسيطرتهم. وفي 5 تشرين الأول/أكتوبر، أعلنوا تنفيذ عمليات ضد مطارات سعودية ومصفاة نفط ومواقع عسكرية. ثم أعلن التحالف الذي تقوده السعودية شنّ ضربات على عشرات الأهداف العسكرية والمدنية التابعة للحوثيين. وتستدعي هذه الروايات المتعارضة التدقيق، لكن نمط التصعيد واضح: بات دعم الرياض لحلفائها اليمنيين يترتب عليه الآن ثمن مباشر داخل السعودية نفسها.
لقد أثبت الحوثيون مراراً أن السعوديين لا يستطيعون هزيمتهم بمجرد شراء أسلحة أكثر تطوراً ونشرها. فالسعودية مضطرة إلى حماية المطارات والمصافي والموانئ والمراكز السكانية والمنشآت العسكرية. أما الحوثيون، فيكفيهم اختراق هذه الدفاعات من حين إلى آخر لإيقاع خسائر بشرية، وتعطيل صادرات النفط، وزيادة قلق المستثمرين الأجانب. ولا تلغي قابلية الحوثيين، الذين اكتسبوا خبرة طويلة في الحرب، للتعرض للضربات الجوية قدرتهم على إلحاق أضرار اقتصادية ونفسية بالسعودية تفوق حجم الموارد التي يوظفونها.
أول الخيارات هو التصعيد، الذي يوفر إشباعاً سياسياً فورياً. فالحملة المستمرة ضد منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة وشبكات القيادة وطرق الإمداد قد تقلّص قدرات الحوثيين. كما أن دعم تقدم القوات المناهضة لهم قد يحرم الحركة من الأراضي التي تستخدمها “لتهديد الملاحة”. ومن شأن الرد الحازم أن يطمئن المواطنين السعوديين، وأن يبعث برسالة إلى الشركاء اليمنيين مفادها أن الرياض لن تتخلى عنهم تحت الضغط.
لكن استمرار الردود المتبادلة قد يقود تدريجياً إلى حرب شاملة. فالتدخل السعودي الذي بدأ عام 2015 لم يتمكن من إخراج الحوثيين من صنعاء. ولذلك فإن تكرار التجربة نفسها يستلزم تفسيراً مقنعاً لسبب اختلاف النتيجة هذه المرة. فالتفوق الجوي وحده لا يستطيع إقامة حكومة يمنية موالية للسعودية، أو تأمين المناطق الجبلية، أو تسوية الخلافات بين حلفاء المملكة المحليين. وحتى التقدم الميداني سيظل بحاجة إلى تسوية سياسية قابلة للاستمرار.
وقد يؤدي التصعيد أيضاً إلى تقوية الخصم الذي يستهدف إضعافه. فالخسائر المدنية والأضرار التي تلحق بالخدمات الأساسية ستساعد الحوثيين على تقديم أنفسهم بوصفهم مدافعين عن السيادة اليمنية في مواجهة العدوان الخارجي. وقد تعمّق الحرب المتجددة اعتمادهم على إيران، فيما تزيد حافز طهران إلى مواصلة دعم قدراتهم العسكرية.
بالنسبة إلى محمد بن سلمان، فإن الكلفة الداخلية المحتملة مرتفعة بصورة خاصة. فمشروعه المحوري للتحديث، «رؤية 2030»، يعتمد على الثقة باستقرار السعودية وعلى توافر الموارد اللازمة للتحول الاقتصادي. وتؤدي الإغلاقات المتكررة للمطارات والتهديدات التي تطال البنية التحتية للطاقة إلى تقويض الأمرين معاً. وحتى الحملة الناجحة عسكرياً قد تتحول إلى هزيمة استراتيجية إذا أطالت أمد انعدام الأمن، واستنزفت الإيرادات، وأثنت المستثمرين عن ضخ أموالهم. فالحرب التي تُشنّ لاستعادة الهيبة قد تضعف الأسس التي تقوم عليها النفوذ السعودي.
أما الخيار الثاني فهو ضبط النفس. ولا يعني ذلك تقبّل الهجمات بصورة سلبية، إذ يمكن للرياض إعطاء الأولوية للدفاع الجوي، وحماية البنية التحتية، والتعاون الاستخباري، “وتنفيذ ضربات محدودة بدقة ضد التهديدات الوشيكة”، مع تعليق الدعم الهجومي الذي يهدف إلى تغيير موازين السيطرة على الأراضي اليمنية. والغاية من ذلك هي كسر دائرة التصعيد وإعادة فتح باب المفاوضات، بما في ذلك عبر سلطنة عُمان والأمم المتحدة.
وتكمن ميزة هذا المسار في أنه يجعل الأهداف السعودية أكثر وضوحاً وأسهل في الدفاع عنها. فحماية المملكة مهمة واقعية يمكن للشركاء الخارجيين التعاون بشأنها، بينما تُعد هزيمة الحوثيين وإعادة بناء النظام السياسي اليمني مهمتين أشد صعوبة. كما تتيح الاستراتيجيات الدفاعية للرياض طلب المساعدة من دون افتراض أن شركاءها، مثل تركيا وباكستان والولايات المتحدة، مستعدون للانضمام إليها في حرب يمنية جديدة.
لكن ضبط النفس ينطوي بدوره على مخاطر حقيقية. فقد يفسّر قادة الحوثيين التوقف المؤقت على أنه دليل على أن هجماتهم نجحت في كسر الإرادة السعودية. وأي سياسة تكتفي بامتصاص الضربات وانتظار اعتدال الطرف الآخر ستفتقر إلى المصداقية وإلى آلية واضحة لفرض الالتزام بها.
ولكي ينجح هذا المسار، ينبغي أن يستند ضبط النفس إلى شروط متبادلة ومفاوضات جدية مع الحوثيين، وربما مع إيران أيضاً. فتعليق السعودية عملياتها الهجومية وفرضها قيوداً على حلفائها اليمنيين يجب أن يقابله وقف الهجمات على الأراضي السعودية والملاحة البحرية، مع وضع ترتيبات لمراقبة الانتهاكات والتحقيق فيها. ويمكن أن يشكّل الوصول إلى المطارات، والقيود المفروضة على الموانئ، والتدابير الاقتصادية، وتبادل الأسرى، أوراقاً تفاوضية. وينبغي أن “يترافق الإغاثة الإنسانية للمناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين مع المفاوضات”، بدلاً من التعامل معها باعتبارها مكافأة يمكن منحها أو حجبها وفقاً للمزاج السياسي. كذلك يتعين على الرياض ضبط حلفائها بما يكفي لمنعهم من إفشال وقف إطلاق نار آخذ في التشكل.
أما الخيار الثالث فهو الانسحاب، وهو الأكثر تأثيراً في مسار الصراع. فمن شأن إنهاء المشاركة السعودية في “الحرب الداخلية” اليمنية أن يقلل مسؤولية المملكة عن المصير العسكري لحلفائها، وأن يزيل أحد المبررات الرئيسية التي يستند إليها الحوثيون في مهاجمتها. وقد اتخذت الإمارات هذه الخطوة منذ فترة طويلة. كما سيعني ذلك إقراراً بأن أمن السعودية لا يتطلب منها تحديد الجهة التي تحكم كل جزء من اليمن. ويمكن تحويل الموارد إلى حماية الحدود والأمن البحري والأولويات الداخلية.
لكن الانسحاب لن يضمن السلام تلقائياً. فقد يعلن قادة الحوثيين انتصارهم ويحتفظون بصواريخهم وطائراتهم المسيّرة لاستخدامها أدواتٍ للدفاع والإكراه مستقبلاً. وقد تتفكك القوات المدعومة سعودياً أو تفقد أراضيها، ما يخلق مزيداً من الاضطراب على طول الحدود الجنوبية للمملكة. كما أن الحلفاء الذين تتخلى عنهم الرياض لن ينسوا قرارها، الأمر الذي قد يضعف مصداقيتها في أماكن أخرى. وقد يؤدي الانسحاب المتسرع إلى مواجهة الرياض خصماً أقوى، في وقت تمتلك فيه أوراق ضغط أقل.
لذلك، من الضروري التمييز بين الانسحاب الأحادي وفك الارتباط عبر التفاوض. ينبغي للسعودية السعي إلى اتفاق ينهي دورها الهجومي، مع الإبقاء على قدراتها الدفاعية ودعمها غير العسكري لمسار سياسي يمني شامل. وينبغي أن يترافق فك الارتباط مع “تعهدات بعدم الاعتداء”، وترتيبات حدودية، وضمانات لحركة الملاحة البحرية.
ويتعين على الرياض أن تنسى فكرة جعل السلام مشروطاً بقطع الحوثيين جميع صلاتهم بإيران، لأن هذا المطلب سيجعل التوصل إلى اتفاق أمراً مستحيلاً. والاختبار العملي الأكثر واقعية هو السلوك: هل تتوقف الحركة عن مهاجمة الأراضي السعودية وتهديد الملاحة، وهل تستخدم المفاوضات للتحضير لهجوم جديد؟ ويمكن الضغط على طهران لدعم خفض التصعيد، لكن لا يمكن لإيران أن تحل محل التفاوض مع الحوثيين أنفسهم، الذين يمتلكون أهدافاً لا تتطابق بالضرورة مع حسابات إيران.
كذلك ينبغي للرياض أن تتعلم درساً أخيراً. فقد كُسر وقف إطلاق النار الأخير، الذي كان قد صمد أربع سنوات، على يد قوات التحالف الذي تقوده السعودية، عندما هاجمت مطار صنعاء في 13 تموز/يوليو، بذريعة منع طائرة إيرانية من الهبوط فيه. وألقى الحوثيون باللوم على السعودية في هذه الخطوة، وبدأوا حملة انتقامية تصاعدت حتى تحولت إلى مواجهة واسعة. ويجب على الرياض ألا تسمح بتكرار ذلك، وألا تمنح الحوثيين ذريعة لاستئناف هجماتهم على المنشآت الحيوية داخل المملكة.
إن المسار الأقوى يجمع بين ضبط النفس العسكري الفوري وفك الارتباط عبر التفاوض. وينبغي للسعودية الاحتفاظ بالقدرة على صد الهجمات وفرض كلفة متناسبة عليها، مع التخلي عن الاعتقاد بأن حملة عسكرية واسعة جديدة ستنتج يمنًا خاضعاً لإرادتها. فالحرب الشاملة تنطوي على خطر تكرار فشل مكلف، بينما قد يكافئ الانسحاب غير المشروط استخدام القوة والإكراه.
سيتراجع المأزق السعودي عندما تتناسب التزامات المملكة مع ما تستطيع تحقيقه فعلياً. فالدفاع عن السعودية أمر أساسي، لكن ربط مستقبل اليمن السياسي بالقوة العسكرية السعودية أثبت أنه خيار أقل استدامة بكثير.
ومن مصلحة الولايات المتحدة أيضاً تشجيع النظام السعودي على فعل ذلك. فقد تترتب على تصعيد الحرب السعودية ـ الحوثية عواقب غير مقصودة، من بينها جرّ واشنطن إلى حرب أخرى مفتوحة الأمد في الشرق الأوسط، بما يزيد الضغط على مواردها العسكرية والمالية، ويهدد تدفق النفط والسلع الأساسية الأخرى عبر مضيق باب المندب بصورة مستمرة.
تنويه من موقع “wakalanews”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.





