عاجل عاجل | مسلسل «ليل» الحلقة 90 والأخيرة.. نجم يفاجئ ورد أمام الجميع ومصالحات كبرى ونهاية سعيدة
ثقافة

عاجل | فرانز فانون وتفكيك استعمار العقول

🚨 عاجل
📌 ملخص الخبر:
عاجل | فرانز فانون وتفكيك استعمار العقول
إنّ إعادة قراءة نتاج المفكّر والطبيب النفسي المارتينيكي فرانز فانون، الذي التحق بعد ممارسته الطبّ النفسيّ في مستشفيات الاحتلال الفرنسيّ في الجزائر بالثورة الجزائريّة، مفيدة لنا اليوم. لقد لاحظ فانون أنّ الاستعمار لا يكتفي بالقوّة العسكريّة لاحتلال أرض وفرض سلطة وقوانين استعماريّة. فمنطقيّاً، ما من شعب، أو فرد، سيقبل للأبد بأن يُحكم ويُسرق ويُقمَعَ، لذلك يحتاج المستعمِر إمّا إلى إبادة الشعوب المستعمَرة وهو أمر مكلف جدّاً وغير ممكن مادّياً، وإمّا إلى نزع قدرة الشعوب المُستَعمَرَة على مقاومة الاستعمار، ما يوفّر على المستعمِر خوض الحروب وتكاليف الاستعمار. لذلك يسعى المستعمِر إلى ابتكار وسائل لاحتلال الإنسان من الداخل، من خلال السيطرة على وعيه، ولغته، وذاكرته، وإحساسه بقيمته، وحتّى تشكيل صورته عن نفسه. وسائل سيطرة المستعمِر على وعي المستعمَر متعدّدة وتشمل تشويه صورة المستعمَر لذاته، تمجيد المستعمِر، فرض لغة المستعمِر كلغة «أرقى»، والتحكّم بالتعليم وكتابة التاريخ، كما وصناعة نُخَب تابعة للمستعمِر تمجّده، وبالتأكيد زرع الدونية والخوف من المستعمِر بتصويره لا يُهزَم (من يراجع تاريخنا يرى أنّ الاستعمار الصهيونيّ استعمل ويستعمل الوسائل نفسها). يفكّك فانون الخطاب الاستعماريّ، باعتباره بنية ثقافيّة تُثبِّت الهيمنة العسكريّة وتحميها بأن تنزع من المستعمَر قدرته على المقاومة، بل فكرة المقاومة نفسها. هذه البنية الثقافيّة تحتلّ الوعي وتتسرّب إلى نفسيّة المستعمَر لتعيد إنتاج الهيمنة حتى بعد رحيل المستعمِر. من هنا فإنّنا يجب أن نقرأ كثرة المدارس الأجنبيّة في لبنان منذ القرن التاسع عشر من زاوية تثبيت هيمنة ثقافية للمستعمِرين الأوروبيّين، وليس فقط من زاوية تطوّع البعثات الدينيّة الأجنبيّة للعلم، أو من زاوية النفع العلميّ الذي أدّت إليه. في كتابه الشهير «بشرة سوداء، أقنعة بيضاء»، يشرح فانون كيف يدفع المستعمِر الأوروبيّ الأبيض، الإنسانَ المستعمَر الأسمر أو الأسود البشرة عادة، إلى ارتداء قناع أبيض، أي إلى التشبّه بالمستعمِر في لغته وسلوكه وأسلوب عيشه وطريقة تفكيره. طبعاً، الإنسان سيبقى يظنّ أنّه يفعل ذلك بحرّية، لكنّ الواقع أنّ هذا التشبّه هو وليد النظام الاستعماريّ الذي يزرع في الإنسان المستعمَر شعوراً بأن ثقافته الأصليّة، ولغته الأمّ، وتاريخه، هي علامات نقص أو «تخلّف»، وأن الاقتراب من ثقافة المستعمِر والتشبّه به هو السبيل الوحيد الحقيقيّ إلى الاعتراف الاجتماعي به من المستعمِر ومن المستعمَرين الآخرين الراضخين، وإلى الاعتراف به كإنسان مساوٍ في الكرامة. وهذا نتيجة منطقيّة لنظام استعماريّ يقول بكلّ وسائله إنّ حياة المستعمَرين لا تساوي حياة المستعمِرين. نتذكّر جميعاً كيف عمّت وسائل التواصل الاجتماعيّ بصرخات اللبنانيّات واللبنانيّين: «أنا شارلي»، لمقتل رسّامين كاريكاتوريّين في جريدة «شارلي إيبدو» الفرنسيّة، بينما لم نرَ الهتافات نفسها من الأشخاص أنفسهم عند إبادة شعب بأكمله عبر قتل الاستعمار الصهيونيّ المنهجيّ لعشرات الآلاف من الفلسطينيّين في غزّة، إذ حتّى اليوم لم نرَ أحداً منهم يصرخ على وسائل التواصل: أنا فلسطيني، بل حتّى لم نلاحظ موجة شبيهة تقول: «أنا لبنانيّ» عند إبادة قرى كاملة في جنوب لبنان، ومع اختبار القتل المنهجيّ للمدنيّين والطواقم الصحّية، ولا حتّى في الأربعاء الإجراميّ عندما شنّت القوى الاستعماريّة الصهيونيّة مئات الغارات في دقائق معدودة لتقتل أكثر من 350 مدنيّاً، وتجرح أكثر من ألف. كلّ مَن تعاطف مع رسّامي الكاريكاتور في «شارلي إيبدو» ولم يتعاطف بالطريقة نفسها مع أهل غزّة ولبنان هو مُستعمَر داخليّاً حتّى النخاع، فحياة عشرات الآلاف من مواطنيه وبني منطقته لا تساوي عنده قيمة بضعة فرنسيّين. عندما يتمّ ارتداء القناع الأبيض شعوراً بدونيّة وطمعاً بقبول المستعمِر به، لا يعود الاستعمار بحاجة إلى السلاح، لأنه يكون قد نجح في جعل المستعمَر يرى نفسه بعين من أراد إخضاعه؛ ولا يغدو جلّ مسعى المستعمَر إلّا أن يقبل المستعمِر به، وكلّ تصرّفاته تقول: أنا لست منهم أنا منكم. أفعل ما تريد منّي، فقط اقبلني منك، اجعل قيمة لي في عينيك فلا قيمة خارجك. من هنا الاستماتة في بلادنا على التكلّم باللغات الأجنبيّة والإحجام عن العربيّة. تحتلّ اللغة مكانة مركزية في تحليل فانون. فاللغة ليست مجرد وسيلة تواصل بريئة، بل حاملة لعالم كامل من القيم والرموز وعلاقات القوة. حين تتحوّل لغة المستعمِر إلى المعيار الوحيد للعلم والرقي والنجاح، تُهمّش اللغات المحلية وتُربط بالدونيّة. لا يعني ذلك رفض تعلم اللغات الأجنبية أو الانغلاق على الذات، بل رفض العلاقة غير المتكافئة التي تجعل لغةً وثقافةً بعينهما مقياساً أعلى للإنسانية. ولعل هذا ما يفسّر استمرار آثار الاستعمار في مجتمعات كثيرة نالت استقلالها السياسي، لكنها ما زالت تُعلي من شأن كل ما هو أجنبي وتزدري بكلّ ما هو محلّي. معايير الوجاهة الاجتماعية في لبنان كانت الفرنسيّة، واليوم هي الإنكليزيّة، بحيث إنّه لا تكاد تخلو جملة في الحياة اليوميّة من كلمة إنكليزيّة. إنّ الانزياح الشعبيّ من الفرنسيّة إلى الإنكليزيّة في لبنان (ودول المنطقة) أبرز دليل على أنّ الموضوع يتعلّق بالهيمنة، فمع اختلاف الجهة المهيمنة، اختلفت اللغة المرغوبة. كما أنّه علينا أن نقرأ تحريم التكلّم باللغة العربيّة في بعض مدارس الإرساليّات من الزاوية نفسها، فرض هيمنة لغة على أخرى، وتشكيل نفسيّ لرؤية اللغة الأصليّة أدنى. هل يستأهل تعلّم لغة أجنبيّة كلّ هذا الاغتراب عن الذات؟ في «معذبو الأرض»، ذهب فانون أبعد من ذلك مفكّكاً الثنائيات التي بنى عليها الخطاب الاستعماريّ شرعيته: الأبيض والأسود، المتحضّر والمتوحّش، العقل في المستعمِر والغريزة والعنف (أو حتّى العاطفة برأيي) في المستعمَر، الغرب وبقية العالم. هذه الثنائيات وهميّة، فالجهة التي تقمع وتبيد تصف نفسها بالتحضّر، ثمّ تقنع الجهة المقموعة والمُبادة بأنّها غير متحضّرة! ما هذه الثنائيّات إلّا أدوات لتبرير السيطرة والعنف، إذ تجعل الاستعمار يبدو وكأنّه في مهمّة حضارية ليخطّ طريقاً نحو الأفضل للجميع، كما أنّها تجعل مقاومة المستعمَر تبدو وكأنها فوضى أو همجيّة أو عنف مجانيّ غير عقلانيّ، أو حتّى عمالة لبلد أجنبيّ كما يقول اليوم لأبطالنا في الجنوب أولئك الذين استبطنوا الاستعمار في عقولهم ونفوسهم حتّى النخاع. من هنا فإنّ الاستعمار الذي تأسّس أصلاً على ممارسة العنف على الأرض والجسد والذاكرة، والذي يستمرّ بهذا العنف، يروّج بأنّ العنف ضدّه حول عنف انتقاميّ، غير عقلانيّ، أو أسخف من ذلك هو عنف تدميريّ ودعوة إلى الفوضى، أو أسخف أيضا هو عنفٌ عميل (اللبنانيّون المستعمَرون في عقولهم مبدعون حتّى في ابتكار الأسخف). الهدف، بالطبع، هو أن ينزع المستعمِر أيّ صفة شرعيّة عن مقاومة المستعمَر لبطشه، وكلّ قدرة. لكن بصيرة فانون لم تتوقف عند لحظة رحيل الجيوش الأجنبية. فقد حذّر باكراً، وهو بهذا سبّاق، من أن تتحوّل النخب الوطنية بعد الاستقلال إلى نسخة محلّية من المستعمِر القديم. قد ترفع هذه النخب شعارات التحرّر والوطنيّة، لكنّها تعيد إنتاج آليات القمع والامتيازات والتبعيّة نفسها. عندها يختصر الاستقلال بعلم يُرفع ونشيد يُعزف، دون أن يمتدّ ليتجسّد تغييراً عميقاً في بنية المجتمع أو في علاقة الإنسان بذاته وتاريخه. لا يكون التحرّر بجلاء عسكريّ فقط، أو باستبدال نخبة بأخرى. علّمنا فانون، ذاك الطبيب النفسيّ الآتي من جزر المارتينيك والمنخرط في جبهة التحرير الوطنيّ الجزائريّة، أنّ التحرّر الحقيقي يبدأ حين يستعيد الإنسان وعيه بحقّه في تعريف ذاته، وكتابة تاريخه، والتفكير بلغته، فيتحرّر من عقدة الدونيّة. استعمار الأرض قد ينتهي باتفاق سياسيّ، أمّا استعمار العقول فلا ينتهي إلا حين يكفّ الإنسان عن رؤية نفسه بعيني من أراد إخضاعه. التحرّر، عمل دائم ومتعدّد المستويات. كاتب وأستاذ جامعي خريستو المر 2 حزيران 2026 المصدر: الاخبار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى