ثقافة
عاجل | المقاومة وصناعة السيادة

🚨 عاجل
📌 ملخص الخبر:
عاجل | المقاومة وصناعة السيادة
لا شك أن السيادة إحدى مقوّمات الدولة وبنائها، ولا شك أن أي نقص في هذه السيادة، سيكون عائقاً أمام الدولة في تحقّق معناها وواقعها، لكن هذا شيء، والعمل على الترويج لسردية سيادة مضلّلة، تنسجم مع أهداف العدو الإسرائيلي، وتطلّعات بعض المُبتلين بالطائفية والتبعية للخارج في لبنان شيء آخر.
من هنا كان السؤال في العلاقة ما بين المقاومة وسيادة الدولة، فهل هي علاقة تهافت، أم المقاومة هي عامل ضروري لاستعادة الدولة سيادتها في زمن الاحتلال والعدوان؟
إن هذا السؤال يستدعي سؤالاً آخر، مفاده: ما هو العائق الأساس أمام السيادة وتجلّياتها في الواقع اللبناني؟
والجواب، إذا كانت السيادة هي قدرة الدولة على فرض إرادتها ضمن حدودها الجغرافية السياسية، فإن العائق الأساس أمام هذه السيادة هو الاحتلال الأجنبي -وهنا الإسرائيلي- لأنه هو الذي يحول دون تلك الإرادة، سواء في البر، أو البحر، أو الجو - والشواهد على هذا الأمر كثيرة. ولذا كان من واجب السلطة في لبنان أن تمتلك القوة والقدرات اللازمة -وقبل ذلك الإرادة- لمدافعة الاحتلال، وردعه عن المساس بالسيادة اللبنانية. لكنّ الذي حصل، منذ أكثر من 70 عاماً وإلى الآن، أن هذه السلطة تخلّت عن واجبها، وأهملت مسؤولياتها، وتقاعست عن صناعة سيادتها، ما أدّى إلى هذا الانتقاص المُزمن، والمُخِلّ، والمُذِلّ، في حفظ السيادة.
والأعجب من ذلك، عندما تتباكى هذه السلطة على السيادة. والأشدّ عجباً، عندما تلقي باللائمة على من أعاد لها بعضاً من سيادتها، وهو هنا المقاومة. وهو ما يأخذنا إلى سؤال المأوضحة: عندما حصل الاحتلال، وتخلّت السلطة في لبنان عن دورها في الذود عن الوطن؛ كانت المقاومة هي التي واجهت، وضحّت، وحرّرت، وعندما تفعل ذلك، فإنما تضعف النقيض الأساس للسيادة، وهو هنا: الاحتلال والعدوان الإسرائيليان.
وعليه، وبمنطق الأمور: بما أنّ العدو الإسرائيلي هو نقيض السيادة، وبما أنّ المقاومة هي التي تواجه هذا العدو، وتدافعه، وتعمل على صناعة الردع في مقابله؛ كانت المقاومة هي العامل الأساس في استعادة السيادة وتعزيزها وحضورها.
هذا على المستوى النظري، أمّا على المستوى العملي والتاريخي، فأليس هذا الذي حصل في التاريخ القريب، عندما احتل العدو الإسرائيلي العاصمة بيروت، وما يقرب من نصف لبنان؟ ألم ينتزع باحتلاله هذا السيادة من الدولة اللبنانية؟ ثم ما الذي حصل بعدها؟ أليست المقاومة، بتحريرها للأرض، كانت تزيل من أمام الدولة العائق الأساس، الذي كان يحول دون سيادتها، وبسطها؟ ألم تنظّف المقاومة أرض الوطن من الاحتلال، ما أمكن للدولة أن تبسط سيادتها على مجمل الأراضي اللبنانية، بفضل المقاومة وتضحياتها؟ أليس هذا الذي حصل في عام 2000، عام التحرير والانتصار؟
وهذا، لا يقتصر على التجربة اللبنانية فقط، بل عندما نقرأ مجمل التجارب التاريخية، عندما يكون هناك احتلال وعدوان وتغوّل خارجي، وتعجز السلطات الرسمية عن الدفاع، أو تقصّر فيه، وتتخلّى عنه؛ فإن الذي كان يعيد للدولة سيادتها، إنما هو المقاومة، فالمقاومة في التاريخ، في ظرف الاحتلال الخارجي، والعجز الرسمي، أو الإهمال، هي صانع السيادة الحق، ومبدعها، والمحافظ عليها.
لكن، رغم هذا الوضوح، في قضية السيادة عامة، وفي الواقع اللبناني بشكل خاص، نجد بعض أهل الإرجاف، يروّج لسردية، تفتعل التناقض بين المقاومة وسيادة الدولة. وهنا لا بد من البوح بهذه المعادلة، إن أي فعل، يراد به إضعاف المقاومة، هو فعل غير سيادي على الإطلاق، لأنه يهدم السيادة، أو يضعفها، من حيث كونه فعل إعانة -ولو بشكل غير مباشر- للعدو الإسرائيلي، الذي هو نقيض السيادة واكتمالها؛ فكيف يمكن أن يكون صادقاً في ادّعاء السيادة، والتباكي عليها، من يعمل على إضعاف العامل الأساس الذي يحقّق السيادة، ليقوّي بذلك نقيض السيادة وهادمها؟ وكيف يكون سيادياً من يعين عدوّه -عن قصد أم غباء- على الانتقاص من سيادته؟
وبالعودة إلى سردية التناقض بين المقاومة والسيادة تلك، وتحديداً في من يسعى إلى افتعالها وترويجها، فهل يهدف بهذا إلى تبرئة الاحتلال من نقض السيادة، أو التخفيف منه، عندما يلقي باللائمة على المقاومة، أو يحمّلها جزءاً من المسؤولية؟
ما ينبغي قوله هو أن عوائق السيادة، لا تقف عند الاحتلال الخارجي، فهناك أيضاً أمور أخرى ذاتية، تلعب دوراً جوهرياً في جعل مجتمع ما، أو بلدٍ ما، قابلاً للاستلاب السيادي، أو الاستعمار السيادي، ومن أخطرها الطائفية في بعدها العنصري، وخصوصاً عندما تصل إلى مدى، ترى فيه شريك الوطن عدواً، ليصبح العدوّ الخارجي حليفاً موضوعياً، تُرتجى غلبتُه في مواجهة أبناء الوطن وأهله؛ ومنها تسمّم الوعي السيادي، الذي يفضي إلى أكثر من عمى سيادي، وما يؤدّي إليه ذلك، من انقلاب في الوعي، ووهن في الإرادة، وتبعية للخارج، وضعف في الكرامة الوطنية، والقيم ذات الصلة.
وعندما تعاين مجمل خطاب بعض مسؤولي الدولة في لبنان، بناءً على ما سلف، تصل إلى هذا الاستنتاج، أن العائق الأساس أمام السيادة وصناعتها في لبنان، يعود إلى النهج الخاطئ الذي تمارسه السلطة، ما يؤشر إلى وجود خلل بنيوي لدى أهل السلطة في لبنان، والذي قد يكون تعبيراً عن خلل أعمق لدى العديد من النخب ذات الصلة، وهو عبارة عن وجود عطب بنيوي في الوعي السيادي والقيم السيادية، ما ينتج رؤى قاصرة، ومقاربات خاطئة، في سياسة السلطة وأدائها.
إنّ ما ينبغي قوله، هو أن صناعة السيادة يجب أن تكون، بذاتها، فعلاً سيادياً، أي إن المدخل إلى السيادة، في أدواته وآلياته، يجب أن يتماهى مع السيادة، فإذا كانت الغاية بناء السيادة، فيجب أن تكون الوسيلة سيادية بامتياز، وإلا لن نحصل على السيادة بوسائل غير سيادية. وهذا يعني أن الوصول إلى السيادة يجب أن يرتكز على عوامل قوة ذاتية، ومن أهم عوامل القوة -إضافة إلى الوحدة الوطنية وغيرها- المقاومة، باعتبارها فعل تحرّر وتحرير، أمّا صناعة السيادة من خلال سياسة الاستجداء والتباكي، أو تقديم التنازلات المجانية، أو التفريط في عوامل القوى السيادية، أو التبعية للخارج والضعف أمامه، أو البناء على حسابات غير عقلانية أقرب إلى الوهم، فكلّ هذا، لن يوصل إلى بناء السيادة، بل سيؤدي إلى التفريط فيها.
إن من يعاين خطاب العديد من نخب السلطة، يدرك مدى القصور -إن لم نقل الغباء- في الوعي السيادي لدى هؤلاء، حيث يمكن أن نلحظ جملة من آفات السيادة: العمى السيادي، والكسل السيادي، والانتقائية السيادية، عندما تجد من تثور ثائرته لكلمة من جهة، لكنه يتغافل عن كثير من العبث الممنهج في السيادة اللبنانية من أطراف عديدة، ما يجعلنا نعي أنه، ما لم نصلح هذا الوعي السيادي، لدى مجمل تلك النخب، ومسؤولي السلطة، وحواشي السلطان، لن نصل إلى سيادة حقّة.
إن افتعال التناقض بين السيادة والمقاومة، هو فعل تضليل وإرجاف، بل هو خيانة للسيادة وتشويه لوعيها، لأن المقاومة هي أسمى تجلّيات السيادة في هذا الوطن، وإن من يجب أن يُسأل ويُحاسب، هو هذه السلطة، على تقصيرها المُزمن في صون السيادة وحمايتها، في مقابل الاحتلال والعدوان. والدليل أنه خلال ما يربو على السبعين عاماً، لم تقم السلطة بواجبها في بناء السيادة وحفظها، ذلك أن هذا الخلل في سياسات السلطة سيادياً، إنما يعود إلى خلل أبعد وأعمق، في مقدّماتها ومرتكزاتها، فعدا الوعي السيادي وقيمه، لا بد أن نطرح أكثر من سؤال حول واقع السيادة في لبنان، فهل توجد لدينا سيادة في صناعة السلطة في لبنان؟ وهل توجد لدينا سيادة في صناعة القرار، وممارسة السلطة، في لبنان؟ وهل تحصل هذه الصناعة في بعديها -السلطة والقرار- دون تدخّل أجنبي، أو استلاب، أو وصاية، أو تبعية…؟
لا داعيَ لأفاد الكثير من الأمثلة والشواهد في هذا السياق، يكفي أن أشير إلى قضية «أبو عمر»، والتي تُعدّ فضيحة مُخجِلة ومُعيبة، إذ تكشف عن مدى الضحالة في الوعي السيادي وخوائه، ومستوى الانحدار الذي وصلنا إليه في هذا الوعي وقيمه.
إن ما ينبغي أن يكون واضحاً، هو أنه إن لم تكن لدينا سيادة في صناعة السلطة في لبنان، وكان بعض المسؤولين يأتون إلى مواقعهم من خلال تدخّل خارجي (غير سيادي)، كيف يمكن عندها أن تكون ممارسة السلطة سيادية؟ وكيف يمكن أن تكون صناعة القرار سيادية؟
لكن، ما ينبغي أن يعلمه جميع هؤلاء، أنه يوجد لدينا في لبنان فرقان بين السيادة وعدمها، وبين السيادي وفاقدها، هذان الفرقان يتجسّدان في المقاومة ونهجها، أمّا هذه السلطة، فيُحكم على سيادتها بحسب موقفها من المقاومة، وهو ما قد اقترب موعد اختباره الأخطر.
أستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية محمد شقير
2 حزيران 2026
المصدر: الاخبار
عاجل | المقاومة وصناعة السيادة




