إحباط ترامب يبلغ ذروته مع تلاحق الخسائر
تلاحقت خلال أسبوع واحد انتكاسات لترامب في المحكمة العليا، والاحتياطي الفيدرالي، والكونغرس، ومركز كينيدي، بالتزامن مع تراجع دعم بعض الجمهوريين لحرب إيران. بحسب مقال نشره موقع “CNN” وترجمه موقع الخنادق الإلكتروني.
ويرى أن هذه التطورات تكشف حدود قدرة ترامب على فرض إرادته على المؤسسات الأميركية والحفاظ على الانضباط الكامل داخل الحزب الجمهوري.
وخارجيًا، تشير تحركات كندا تجاه الاتحاد الأوروبي واستمرار الحرب مع إيران إلى تحديات أمام تصور ترامب لقوة أميركية قادرة على فرض إرادتها بلا قيود.
النص المترجم
يغلي الرئيس دونالد ترامب غضبًا وإحباطًا بعد سلسلة من الضربات السياسية التي أضعفت افتراض تمتعه بالهيمنة في واشنطن وخارجها.
إنها واحدة من تلك الأسابيع الصعبة التي يمر بها الرؤساء أحيانًا، حين يبدو أن أولويات متعددة تتفكك في الوقت نفسه.
قرار المحكمة العليا بمنع خطة ترامب لتقييد التصويت عبر البريد قبل انتخابات التجديد النصفي تركه غاضبًا من القضاة الذين عيّنهم خلال ولايته الأولى في المحكمة العليا، وهاجمهم واصفًا المحكمة بأنها أصبحت «قشرة» مما كانت عليه سابقًا.
ومرة أخرى، أحبطت محكمة أدنى مسعى ترامب لإعادة تشكيل مركز كينيدي. وتُعدّ هذه الأزمة الأكثر ضررًا له لأنها تكشف جانبًا غير محبّذ من شخصيته. فالجميع يعلم أن القضية تتعلق في الحقيقة بمحاولته فرض اسمه على النصب التذكاري الحي لرئيس اغتيل.
وتلقت سلطة الرئيس ضربة أخرى الثلاثاء، عندما صوّت مجلس النواب الذي يقوده الجمهوريون لصالح إلزامه بإنهاء حربه مع إيران، مع انضمام ثلاثة جمهوريين آخرين إلى قائمة المتمردين داخل الحزب، ليرتفع عددهم إلى سبعة.
وفي الوقت نفسه، يبدو أن عرض ترامب الكبير لانتخابات التجديد النصفي، والمتمثل في منح شيك بقيمة 5 آلاف دولار لكل أميركي إذا فاز الجمهوريون في نوفمبر/تشرين الثاني، قد مات في مهده، بعدما نأى الجمهوريون في الكونغرس بأنفسهم عن الفكرة. واختار رئيس مجلس النواب مايك جونسون، وهو حليف مقرب من ترامب، إرسال أعضاء المجلس إلى منازلهم الأربعاء، قبل يوم من الموعد المقرر، لتجنب تصويت محرج محتمل على مسألة عزل وزير الدفاع بيت هيغسيث.
وجاء الأربعاء أيضًا مع توبيخ ضمني آخر لترامب، عندما رفع الاحتياطي الفيدرالي، في ظل رئيسه الجديد كيفن وورش الذي اختاره ترامب بنفسه، أسعار الفائدة للمرة الأولى منذ يوليو/تموز 2023، في إشارة إلى استقلالية البنك المركزي. وكان ترامب قد أمضى أشهرًا يطالب بخفض كبير في تكاليف الاقتراض، متجاهلًا شبح ارتفاع التضخم الذي فاقمته سياساته التجارية والحربية.
وردّ الرئيس على قرار الاحتياطي الفيدرالي بانفجار جديد من الإحباط على منصته «تروث سوشال». وطرح تقييمه الاقتصادي الخاص، الذي يرى أن البلاد تشهد ازدهارًا، وبالتالي ينبغي أن تكون أسعار الفائدة الأميركية عند 1%، بدلًا من النطاق المستهدف الجديد البالغ بين 3.75% و4%.
رؤية ترامب للنفوذ الأميركي بلا حدود تتعرض للضرب
كما أن رؤية ترامب للنفوذ الأميركي غير المتحدَّد في الخارج تتعرض للتقويض.
ففي تطور مذهل، عُرض للتو على كندا، وهي تمثل ثلث كتلة أمريكا الشمالية التجارية القوية، الحصول على عضوية شريكة في مجموعة أخرى، هي الاتحاد الأوروبي، في وقت تبحث فيه عن أصدقاء جدد بعد تهديدات ترامب لسيادتها وهجماته الجمركية.
كما أن تذبذب ترامب بشأن موعد انتهاء الحرب مع إيران لا يستطيع إخفاء تدهور الوضع. فقد سيطر الحوثيون المدعومون من طهران للتو على أراضٍ في مضيق باب المندب وحوله، ما قد يمنحهم نفوذًا على طريق آخر حيوي لتصدير النفط، بينما لا تزال الولايات المتحدة تكافح لإعادة فتح مضيق هرمز بالكامل.
رهانات كبرى تسير في الاتجاه الخاطئ
تشير سلسلة الانتكاسات التي مني بها الرئيس هذا الأسبوع، مجتمعة، إلى أكثر من مجرد الضربات السياسية المعتادة التي يتعرض لها رؤساء الولايات المتحدة في ولايتهم الثانية.
فكل واحدة منها جاءت نتيجة رهان كبير ومحفوف بالمخاطر أقدم عليه ترامب، وتقييم يبدو مفرطًا في التفاؤل بشأن حجم قوته الشخصية والسياسية.
وقد وبّخ ترامب بشدة القضاة بريت كافانو ونيل غورساتش وإيمي كوني باريت، بعدما بدا أنهم كانوا ضمن الأغلبية التي منعت مسعاه لإثارة الفوضى بشأن بطاقات الاقتراع عبر البريد قبل انتخابات التجديد النصفي.
وكتب ترامب على «تروث سوشال»: «هؤلاء ليسوا الأشخاص الذين قابلتهم لشغل منصب في المحكمة العليا».
وتكشف انتقاداته الكثير، لأنها تُظهر اعتقادًا بأن القضاة الذين عيّنهم كان عليهم أن يفسروا القانون بطريقة تردّ له دينًا شخصيًا تجاه الرئيس.
وينتقد الديمقراطيون المحكمة العليا التي غالبًا ما شاركت ترامب رؤيته بشأن توسيع السلطة التنفيذية. لكن هؤلاء القضاة الثلاثة قيّدوا أيضًا سلطة ترامب في بعض الأحيان. وفي هذه الأوقات المضطربة، لا ينبغي أن يكون من المفاجئ أن يتمسك قضاة المحكمة العليا بالدستور، الذي يمنح الولايات سلطة إدارة الانتخابات. كما أن ولايتهم مدى الحياة تعني أنهم سيصنعون إرثهم الخاص بعد فترة طويلة من مغادرة ترامب منصبه.
لم يكن خلاف ترامب مع الاحتياطي الفيدرالي بشأن رفع أسعار الفائدة مفاجئًا. لكنه يمثل علامة أخرى على أن سلطته محدودة. فقد أمضى أشهرًا في الضغط على سلف وورش، جيروم باول، بسبب فشله في خفض أسعار الفائدة. والآن، فإن الرجل الذي اختاره ترامب خلفًا له أشرف على رفعها.
وربما فعل ترامب أكثر من أي رئيس آخر لتقويض القيود التي يفرضها الدستور والتقاليد على السلطة التنفيذية. وقد حقق نجاحًا خاصًا، على سبيل المثال، في إضعاف أجزاء من الحكومة الفيدرالية، من خلال التحرك بسرعة وصدامية تفوق قدرة المحاكم على التحرك في البداية.
لكن فوضى مركز كينيدي، وقرار التصويت عبر البريد، واستقلالية الاحتياطي الفيدرالي، كلها مؤشرات مهمة. فهي تُظهر أنه حتى في مواجهة رئيس لا يتوقف عن الضغط، ما تزال بعض مؤسسات الحكومة متمسكة بمواقفها.
لقد هيمن ترامب على الحزب الجمهوري طوال عقد من الزمن. لكن عدم قدرته على الحفاظ على دعم كامل لحرب موضع تشكيك دستوري، وفشله في الضغط على مجلس الشيوخ لتمرير مشروع قانون تسجيل الناخبين، وبرود المشرعين تجاه فكرة توزيع 5 آلاف دولار، كلها تشير إلى ظهور تصدعات في قاعدة قوته.
تحدي قوة عظمى
تمثل انفتاحات كندا على الاتحاد الأوروبي صدمة جيوسياسية استثنائية. فقد جعلت إدارة ترامب الثانية من الهيمنة الأميركية على نصف الكرة الغربي مبدأً أساسيًا في سياستها. لكن أقرب حلفاء الولايات المتحدة جغرافيًا وثقافيًا يبحث الآن عن انفصال رمزي عن جاره الذي يتبنى شعار «أميركا أولًا»، في إشارة إلى أنه بات يشعر بتوافق سياسي وأخلاقي أكبر مع أوروبا.
وقال ترامب الأربعاء إن الولايات المتحدة يمكن أن تفرض «رسومًا جمركية كبيرة» على الاتحاد الأوروبي إذا سمح لكندا بأن تصبح «عضوًا شريكًا»، وإذا اعتبر ذلك «عملًا عدائيًا».
وقال للصحفيين: «إذا كانت النية حسنة، فلا بأس. وإذا كانت النية سيئة، فسوف نفرض رسومًا جمركية كبيرة جدًا على أوروبا، وهذا احتمال قائم».
ولا يزال من غير الواضح ما الذي تعنيه العضوية الشريكة في الاتحاد الأوروبي وكيف ستؤثر في العلاقة التجارية الضخمة بين كندا والولايات المتحدة إذا انتهت الحرب الجمركية الحالية. لكن من الواضح أن تهديدات ترامب بجعل كندا «الولاية الحادية والخمسين» دفعت أوتاوا إلى استنتاج مفاده أنها لا تستطيع الاعتماد على واشنطن حتى بعد مغادرة ترامب منصبه.
وفي نهاية المطاف، ستؤدي علاقة تجارية أضعف في أمريكا الشمالية ونظام تحالفات أكثر انقسامًا إلى إضعاف قدرة واشنطن على إبراز قوة غربية موحدة.
وبالمثل، فإن الصراع مع إيران يقوض تصور الإدارة بأن الولايات المتحدة قوية إلى درجة تمكنها من فعل ما تشاء.
ولا يستطيع الرئيس تحديد ما إذا كانت الحرب ستنتهي قبل انتخابات التجديد النصفي أم بعدها. وقد تكون القوات المسلحة الإيرانية قد تعرضت لضربات قاسية، وقد يكون الاقتصاد الإيراني في حالة انهيار. لكن النظام الثوري في طهران ما زال راسخًا كما كان، بعد نحو ثمانية أشهر من حرب تحدّى خلالها قوة عظمى.
أجواء قاتمة قبل انتخابات التجديد النصفي
فكيف سيؤثر أسبوع ترامب المليء بالتراجعات الكبيرة في موقعه السياسي، وكيف سينعكس على انتخابات التجديد النصفي، وكيف سيحدد ملامح أي توازن جديد للسلطة في واشنطن بعد الانتخابات؟
أحد الاستنتاجات الواضحة هو أن الجاذبية السياسية المعتادة ربما بدأت تستعيد تأثيرها. فحالات التمرد على حرب إيران تظهر أن ترامب ليس محصنًا أمام القاعدة السياسية التقليدية التي تدفع المشرعين المهددين إلى الابتعاد عن رئيس غير شعبي.
وقال النائب الجمهوري عن ولاية آيوا، زاك نَن، الذي صوّت الثلاثاء لصالح إنهاء الحرب، لشبكة CNN: «حيث نتفق مع الرئيس، سنقاتل معه. وحيث نختلف معه في أمور مثل لحوم الأبقار، والرسوم الجمركية، والوضع الحالي لكيفية سير العمليات في إيران، فسوف ننتقده ونجري معه نقاشًا حول ذلك».
وهذه إشارة سيئة بالنسبة إلى انتخابات التجديد النصفي. فمن الواضح أن نَن يتفاعل مع مزاج الناخبين في ولاية مؤيدة لترامب بقوة. ويشير وضعه إلى أن القاعدة الجمهورية تضعف.
وتكتسب قابلية ترامب للتأثر بالقوى السياسية التقليدية أهمية كبيرة، لأن الانطباع في العام الماضي كان أنه يكاد يكون غير قابل للإيقاف؛ وأنه حطم جميع الحواجز، وتمكن من إجبار مكاتب المحاماة الكبرى، والمديرين التنفيذيين للشركات، ورؤساء الجامعات على الخضوع له.
وهذا لا يعني أن ترامب أصبح قوة منهكة. فقد تحدى منذ فترة طويلة الخبراء الذين توقعوا نهايته السياسية، ونجح قبل أقل من عامين في تحقيق أكبر عودة سياسية في التاريخ الأميركي.
وإذا استعاد الديمقراطيون السيطرة على مجلس النواب أو مجلس الشيوخ في انتخابات التجديد النصفي، فقد يجد ترامب، على نحو مفارق، تعريفًا سياسيًا جديدًا لدوره. فأي تجاوز ديمقراطي خلال موجة التحقيقات التي وعدوا بها ضد البيت الأبيض، أو أي انحراف أيديولوجي نحو اليسار، قد يمنح فرصة لمقاتل سياسي مثل ترامب، الذي يكون أكثر فاعلية عندما يملك خصمًا في مواجهته.
لكن لا يمكن تجاهل أسبوع تراجعت فيه سلطة رئيس، تشير استطلاعات الرأي إلى أن نسبة تأييده تقع في الثلاثينيات، بصورة ملموسة.
فعندما تتلاشى هالة عدم القابلية للهزيمة، يمكن للسلطة السياسية أن تتآكل بسرعة.
المصدر الأصلي: alkhanadeq.com




