تفخيخ العفو العام لصناعة ميليشيا الفوضى!
تتزامن الذكرى السادسة والعشرون لعيد المقاومة والتحرير مع سقوط سياسي مدوٍّ خطّته السرايا الحكومية في المذكرة الرسمية رقم 2026/11؛ وهي الوثيقة التي صيغت بوعي ارتهاني كامل لتستكمل السردية الإسرائيلية بحذافيرها. فبينما يتلوى بيان حكومة نواف سلام هرباً من ذِكر الفاعل الحقيقي الذي صنع النصر، مستعيضاً عنه بعبارات “تضامن” إنشائية باردة مع النازحين وعائلات الشهداء؛ يتناسى البيان عمداً أنه يتضامن مع ضحايا قراراته هو، وتحديداً شهداء “الأربعاء الأسود” الذين ارتقوا بدم بارد نتيجة توقيع هذه الحكومة طوعاً وبإرادة واعية على إذن استباحة الدماء وسحق السيادة عبر الذهاب إلى تفاوض مباشر وشروط أمنية مذلة مع العدو.
يتحدث البيان بنفاق فج عن دعم “صمود” أهل الجنوب والقرى الأمامية؛ وهو صمود جُرّد من سلاحه وعنفوانه في غرف القرار الرسمي، بل وأُهين حين تحوّل إلى غطاء لتلقي مساعدات مسمومة، في وقت عجزت فيه هذه السلطة لوجستياً عن ترميم قسطل مياه في مرجعيون إلا بإذن صريح من المحتل. هذا الانبطاح الميداني والسياسي يُمثّل البيئة الخلفية الخبيثة التي يجري فيها اليوم تهريب صفقة تشريعية باسم “قانون العفو العام” المعدل في اللجان النيابية المشتركة، كأداة مكملة لتعويض انكسار المشغّل الخارجي عسكرياً عبر تفجير السلم الأهلي من الداخل.
وأمام هذا المنزلق الخطير، يقف الوجود اللبناني بكل أطيافه أمام تساؤل مصيري: كيف يُفخخ تشريع قانوني باسم الإنسانية ليصبح غطاءً رسمياً لتأسيس ميليشيا فوضى هجينة، تدمج سلالة العملاء الفارين بالنواة التكفيرية، بهدف تعويض انكسار المشغّل الخارجي في الميدان وإعادة إنتاج الوصاية والانتداب الفعلي؟
هنا يتصدر ملف العملاء من أصل لبناني الذين فروا وغادروا طوعاً إلى كيان الاحتلال في 25 أيار من عام 2000 هذا المخطط الميليشياوي، عبر تمرير فقرة مبطنة في المادة الثانية تعفي مشمولي القانون رقم 194/2011 وتمنحهم صك براءة جماعي. وتنخرط بذلك السلطة التنفيذية ومعها بعض نواب الصدفة طوعاً وبإرادة واعية في هذا المسار خدمة للمشروع الأمريكي من خلال تواطؤهم العمدي بتحويل طبيعة المشهد إلى تهديد أمني؛ فالخطورة الكامنة في الفقرة المذكورة تكفل العبور الآمن للجيلين الثاني والثالث من أبناء الفارين العملاء، كونهم سلالة ولدت ونشأت وتدربت وخدمت عسكرياً في جيش العدو، وتشرّبت العقيدة الصهيونية وتتحدث “العبرية” بطلاقة كإسرائيلية الهوى والانتماء.
يمثل فتح أبواب العبور التشريعي لهؤلاء فرصة استراتيجية يريدها العدو ويستثمر فيها الموساد لإنشاء “لواء إسرائيل الشمالي كبديل عن ما يسمى بجيش لبنان الجنوبي البائد”، ليعمل كذراع ميدانية لضرب المقاومة من الخلف وسحق الاستقرار المجتمعي، في ذات اللحظة التي يمارس فيها المحتل حرب إبادة حضارية تهدف إلى محو الذاكرة المكانية والحضرية لقرى الجنوب عبر سحق معالمها العمرانية وتاريخها البصري لمنع عودة الحياة إليها.
يفرض الوعي الوطني إسقاط مقولة “العفو” أو التسوية عن هذه الفئة من أساسها؛ فهؤلاء سقط عنهم حق العودة والوجود طوعاً بارتباطهم العضوي والدموي بجيش العدو، وتتحول محاولات قوننة رجوعهم إلى شرعنة صريحة للاختراق وخيانة موصوفة لدماء الشهداء، حتى وإن حاولت بعض الدوائر التغطية بشروط شكلية (لم تُذكر أصلاً في المسوّدة)؛ كالتنازل العلني عن الجنسية الإسرائيلية، والتنازل الشامل عن مقتنيات الداخل المحتل، وحظر انخراطهم في الأسلاك العسكرية اللبنانية، وتجميد الإجراء ربطاً بالمآلات النهائية للصراع. إن سقوط الحق في المواطنة والعودة لهؤلاء مسألة مبدئية قطعية تجعل من الشروط – إن وُجدت – مجرد الالتفاف وتبرير ساقط لشرعنة وجود العملاء.
تكتمل ركائز الميليشيا الهجينة المطلوبة عبر إعادة تحريك ملف الموقوفين بجرائم الإرهاب، وتحديداً المحكوم أحمد الأسير وشبكات التفجير والسيارات المفخخة. حيث تقف خلف توقيت تسريب الأسماء وإعادة فتح هذه الملفات غرف سوداء تابعة لمنظومة “السيادة المتطرفة”، مدعومة ببوق بروباغندا إعلامي مبرمج تقوده قنوات الفتنة والتحريض لتسعير الشحن المذهبي وابتزاز بيئة المقاومة طائفياً. يتحرك نواب الصدفة ومعهم الطامحين في الكرسي الثاني وأزلام أمريكا في لبنان كرأس حربة في هذا المسار، مستخدمين لغة التهديد بمعادلة “الشارع مقابل الشارع”. وتسعى هذه القوى لعقد “صفقة بندولية” خبيثة تقتضي مقايضة ملف الموقوفين بجرائم التفجير والقتل عمداً بتمرير العفو عن سلالة عملاء لحد، لإرضاء الشارع الطائفي لكل مكون، وتسييل إنجازات الميدان العسكري طوعاً في غرف المساومات السياسية المذلة.
يفضي هذا الدمج الكارثي في المختبر الاستخباراتي المشترك إلى التقاء العقيدة العسكرية الصهيونية لجيل المبعدين المستجد، مع الخبرة العملياتية الدموية لشبكات التفجير والإرهاب، في بيئة محقونة مذهبياً ومجهزة محلياً بفعل آلات الضخ الإعلامي. تسعى الدوائر الأمنية الأمريكية والإسرائيلية من خلال هذا الخليط البشري الفتاك إلى تأسيس “فيلق لحدي إسلامي منقح”؛ بنية عسكرية هجينة غير متجانسة طائفياً لكنها موحدة وظيفياً لتأدية دور الأداة التنفيذية لضرب الجبهة الخلفية للمقاومة وإشعال الفوضى البديلة، لتعويض انكسار المشغّل الخارجي عسكرياً على جبهات الجنوب. يتأسس هذا الانصياع الصارخ لإملاءات الخارج أيضاً في البند الذي إلغى عقوبة الإعدام حماية لهؤلاء القتلة والعملاء، واستبدلها بثمانية وعشرين عاماً سجنية حكماً تلبية لشروط الصناديق الدولية والمانحين الغربيين للحصول على قروض مالية ريعية مائتة، مما أدى إلى تفريغ العقاب من مفعوله الزجري والردعي وتدمير هيبة قضاء الدولة اللبنانية الحامي للمجتمع.
يفضي هذا التميع التشريعي المريب إلى وضع أدعياء السيادة اللفظية وتجار بازار المحاصصة أمام رسالة وجودية حاسمة تصفع زيفهم الحركي؛ إذ يستميتون اليوم لترجمة سيناريو تفخيخي يجعل الساحة الخلفية مكشوفة أمنياً، ليتلاقى مشروعهم التشريعي مع غايات الموساد في إيجاد تصدعات داخلية بديلة لعجزه الميداني. يتطلب هذا المنزلق الخطير من كل مؤمن بمشروع المقاومة، ومن النخبة الوطنية الواعية شحذ اليقظة المطلقة الفورية لخوض معركة وعي دستورية وشعبية تمنع تمرير هذا الفخ الدموي، وتصون في المقابل الشق الإنساني الحقيقي لمن هم خلف القضبان ممن وقع عليهم ظلم التحقيق والمماطلة ويستحقون الحرية وفرصة جديدة للمواطنة، وفق ضوابط صارمة تقطع الطريق على تبرئة القتلة والعملاء.
إن العبور التاريخي نحو “الدولة المقتدرة” المحصنة بالدستور والقضاء المستقل يضع الشارع أمام خيارات صفرية فاصلة: فإما الاستسلام لمهزلة المقايضات الطائفية التي تشرعن العمالة والإرهاب عند كل منعطف تلبية لأجندات الوصاية، وإما انتزاع المبادرة الوطنية لحماية دماء التضحيات الجارية على الجبهات، وصناعة عدالة سيادية حقيقية تلفظ الخونة وتصون كرامة الإنسان والوطن.
تنويه من موقع “wakalanews”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.




