سيطرة صنعاء على المخا: مستوى جديد من المواجهة يتجاوز الجغرافية اليمنية
خلال أيام قليلة حدث ما لم يكن متوقعاً قبل شهر من اليوم على أقل تقدير. فصنعاء التي كانت مكبّلة بالديبلوماسية واتفاق لم ينفذ منه شيئاً، أخرجت نفسها من قيد التزام التهدئة بعدما استمر الطرف المقابل بنكث التزاماته. لكن هذه المرة، وفي ظل الظروف الاقليمية، أصبحت المحاور الميدانية في اليمن، محط اهتمام دولي. فحين أُخلي معسكر “خالد بن الوليد” من آلياته ومعداته، وسقط مفرق المخا وتقدمت قوات صنعاء في الوازعية باتجاه المخا وذوباب، تبدلت وظيفة هذه الجبهة داخل الحرب اليمنية. فالمسألة هنا تتصل بموقع جغرافي يتحكم في الوصول إلى البحر الأحمر وباب المندب، وبقوات تحاول نقل ثقل المواجهة من عمق الجغرافيا اليمنية إلى الشريط الساحلي الذي يحظى باهتمام عالمي.
خلال السنوات الماضية، امتلكت صنعاء أدوات ضغط على حركة الملاحة من خلال الصواريخ والطائرات المسيرة والقدرة على تنفيذ هجمات من مسافات بعيدة. اليوم مع التقدم في الساحل الغربي أصبح الحضور على الأرض أمراً واقعاً لا يمكن تجاهله في حسابات الدوائر السياسية في مختلف الدول وعلى رأسهم الولايات المتحدة. اذ ان الوصول إلى المخا والاقتراب من ذوباب يضع قوات صنعاء في موقع جغرافي أكثر اتصالاً بالممر البحري، ويمنح السيطرة الميدانية وزناً يوازي أهمية أدوات الردع التي استخدمت عن بُعد.
السؤال الأهم في هذه المرحلة يتعلق بقدرة الفصائل المنتشرة على الساحل على الحفاظ على خطوطها الدفاعية. فسقوط معسكر “خالد بن الوليد” لا يُقرأ بمعزل عن سقوط مفرق المخا والوازعية؛ اذ ان هذه المواقع شكلت عقداً مترابطة في شبكة الانتشار والإمداد. ومع انهيارها، أصبح الطريق الرابط بين تعز والحديدة والمخا تحت تأثير مباشر لقوات صنعاء، فيما اضطرت تشكيلات طارق صالح المدعومة من التحالف إلى التراجع جنوباً.
امتد الضغط امتد إلى جبهات أخرى كحيس والجراحي جنوبي الحديدة، حيث برزت مخاوف لدى الفصائل السلفية من فقدان خط الإمداد الساحلي الممتد من عدن ولحج نحو الساحل الغربي، وهو الأمر الذي دفع مجموعات منها إلى الانسحاب جنوباً. وفي الجوف، أحبطت القوات المسلحة اليمنية محاولة تسلل إلى سوق اليتمة في مديرية خب والشعف، وسيطرت على السوق ودمرت عشرات الآليات العسكرية، بينما بقيت المواجهات مستمرة في محيط معسكر الحنجر ومناطق اللبنات. وفي البيضاء، استعادت قوات صنعاء نقاطاً في الزاهر، وخاضت مواجهات في ذي ناعم، وأفشلت محاولات تصعيد في محاور اخرى.
تزامن هذا التحرك البري مع حملة جوية سعودية كثيفة. 54 غارة خلال 12 ساعة، نفذتها مقاتلات F-15SA وTyphoon من قاعدتي الملك خالد والملك فهد، عكست حجم محاولة وقف التقدم. غير أن كثافة القصف لم تنتج تغييراً مماثلاً في خطوط السيطرة وبقيت القوات المتقدمة قادرة على مواصلة تحركها، فيما واصلت الفصائل المدعومة من التحالف التراجع من مواقعها مع محاولة القوة الجوية التأثير على مجريات المعركة، لكنها تحتاج إلى قوة برية قادرة على استثمار أثر القصف وإعادة تثبيت خطوط الدفاع. اذ ان تراجع الوحدات الموجودة على الأرض يجعل من استثمار المشهد العسكري صعباً ويصبح التفوق الجوي أقل قدرة على احداث فارق يذكر.
في حين يأتي إعلان إسقاط طائرة الاستطلاع السعودية المسلحة من طراز كاريال فوق أجواء حجة ليعكس محاولة القوات المسلحة اليمنية، بالتوازي مع تحركها البري، تقليص هامش الحركة الجوية والاستطلاعية للخصم.
أما المخا وذوباب، فتمنحان التطورات بعدها الإقليمي. فالموقع القريب من باب المندب يجعل أي تغير في السيطرة على الساحل مرتبطاً مباشرة بأمن الممر البحري لأن الجغرافيا الساحلية تتيح لصنعاء بناء نفوذ أقرب إلى نقطة العبور البحرية، في وقت تتعامل فيه القوى الإقليمية والدولية مع باب المندب باعتباره جزءاً من منظومة أمن البحر الأحمر.
بالتالي، تحاول صنعاء تثبيت هذا الواقع سياسياً بالتوازي مع تثبيته عسكرياً. حيث أعلنت وزارة خارجيتها أن اليمن لا يشكل تهديداً لأحد، وأبدت استعدادها للمشاركة في حماية الملاحة والأمن الإقليمي بالشراكة مع الدول المشاطئة.
والواقع، ان ما تريده صنعاء هو امتلاك موقع ميداني مؤثر قرب الممر البحري يمكن أن يتحول إلى ورقة تفاوض حول شكل الأمن الإقليمي.
كما يمكن فهم الموقف الأميركي أيضاً مع اتهام سفارة واشنطن لدى اليمن صنعاء بتمثيل الأجندة الإيرانية وتقويض أمن المنطقة، وتحميلها مسؤولية التصعيد. ويكشف هذا الموقف أن التقدم بات يمس حسابات تتجاوز الداخل اليمني، خصوصاً مع انتقال المعركة نحو منطقة تتصل مباشرة بالملاحة الدولية.
التحول الذي تفرضه معركة الساحل الغربي يرتبط في جوهره بموقع القوة على الخريطة. فكلما تقدمت قوات صنعاء نحو المخا وذوباب، أصبحت السيطرة على البحر والموانئ والممرات جزءاً من الصراع على الأرض نفسها. وإذا تمكنت من تثبيت هذا التقدم، فإن أي ترتيبات سياسية أو أمنية مقبلة ستجد أمامها واقعاً ميدانياً جديداً وهو وجود قوات تمتلك حضوراً متقدماً عند إحدى أهم بوابات البحر الأحمر، وفصائل تعاني من تراجع خطوطها الدفاعية، وقوى خارجية مضطرة إلى التعامل مع طرف أصبح موقعه الجغرافي جزءاً من معادلة أمن الملاحة.




