صحافة

سوريا ما بعد الأسد.. رصيد الثورة يتآكل تحت ضغط الأزمة الاقتصادية

تواجه سوريا ما بعد الأسد اختباراً مزدوجاً يتمثل في احتواء الأزمة المعيشية وتحويل الانفتاح والاستثمارات الدولية إلى تحسن ملموس في حياة المواطنين. ورغم رفع العقوبات وتدفق الاستثمارات والعلاقات الدولية الواسعة، لا تزال معظم المشاريع في مراحلها الأولى، بينما يتراجع صبر السوريين مع ارتفاع الأسعار وبطء النتائج، بحسب مقال نشره موقع CNN وترجمه موقع الخنادق الإلكتروني.
وتحذّر تقديرات وردت في المقال من أن استمرار الضغوط الاقتصادية قد يؤدي إلى تآكل ما يسميه المقال «الرصيد السياسي الثوري» لحكومة الشرع، مع تراجع قدرة السلطة على الاعتماد على شرعيتها المستمدة من إسقاط النظام السابق لشراء مزيد من الوقت.
وتبقى الاعتداءات الإسرائيلية والاحتلال في الجنوب السوري عاملاً إضافياً يهدد الاستقرار ويثير مخاوف المستثمرين، بالتوازي مع مساعي دمشق لتثبيت علاقاتها الإقليمية والدولية.

النص المترجم 

في شرق سوريا، يلتفت رجل يشكو من الارتفاع الحاد في أسعار الوقود إلى الحشد الذي يصوّره بهواتفه، ويوجّه كلامه إلى الرئيس الانتقالي في البلاد.
ويصرخ: «وقفنا إلى جانبك، فقف إلى جانبنا. أقسم بالله، إذا لم تتغير الأمور بين الآن ورأس السنة، فستتحول الأوضاع إلى شيء لا نريده. كفى!».
ويقف عناصر الأمن إلى جانبه بينما ينتقد الحكومة علناً. ما يحدث بعد ذلك لافت: لا شيء.
في وقت سابق من هذا الشهر، خرج آلاف السوريين إلى الشوارع في أوسع احتجاجات تشهدها البلاد منذ سقوط بشار الأسد قبل نحو عامين.  كما بثت وسائل الإعلام الرسمية الاحتجاجات على نطاق واسع.
تواجه سوريا اليوم فجوة بين “الحرية السياسية” الجديدة والتعافي الاقتصادي الذي لا يزال بعيد المنال ومحبِطاً بالنسبة إلى المواطنين العاديين، الذين بدأ صبر كثير منهم ينفد.
اندلعت الاحتجاجات الأخيرة بسبب قرار الحكومة المفاجئ رفع أسعار الوقود بما يصل إلى 40%، وهو ما عزته الحكومة إلى أزمة الطاقة العالمية الناجمة عن الحرب مع إيران. ومع تصاعد الغضب، تراجعت الحكومة عن بعض الزيادات، واستدعت وزير الطاقة إلى البرلمان في خطوة لإظهار قدر من المساءلة.
وأشاد محللون باستجابة الحكومة لأكبر اختبار اقتصادي تواجهه حتى الآن، لكنهم حذّروا من أن ذلك لن يغيّر أساسيات أزمة غلاء المعيشة في البلاد. ويقدّر البنك الدولي أن ثلثي السوريين يعيشون تحت خط الفقر للدول ذات الدخل المتوسط الأدنى، أي بأقل من 3.65 دولارات يومياً.
وقال إبراهيم الأسيل، مدير مختبر سوريا في مرحلة الانتقال في كلية كينيدي بجامعة هارفارد، لشبكة CNN: «سنشهد هذه الاحتجاجات تتكرر مراراً. من المستحيل تقريباً التغلب على هذه التحديات الاقتصادية الحادة التي يعاني منها السوريون. وستصبح الأمور أكثر صعوبة تدريجياً».
ويتسبب هذا الضغط الاقتصادي في اتساع الفجوة بين توقعات السوريين من حكومتهم الجديدة وواقعهم.
وقال تشارلز ليستر، مدير مبادرة سوريا في معهد الشرق الأوسط في واشنطن: «كان من المحتم أن تنتهي فترة شهر العسل. كانت توقعات الناس سترتفع، وكان صبرهم سينفد إذا لم تُلبَّ تلك التوقعات. وهذا هو الوضع الذي وصلنا إليه أساساً».
يسابق الرئيس الانتقالي أحمد الشرع الزمن لإعادة بناء سوريا، في مهمة تُقدَّر كلفتها بنحو 216 مليار دولار، قبل أن ينفد صبر السكان. ويعمل لوضع سوريا في الساحة الدولية، وهو يحاول الآن تحويل هذا الزخم الدولي إلى مكاسب اقتصادية ملموسة.
وقال الشرع في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم الأربعاء: «لقد استعادت سوريا مكانتها في المجتمع الدولي. وكانت معبراً للعالم. كما بنينا جسوراً دبلوماسية وأثبتنا للعالم أن أمن المنطقة يجب أن يبدأ من دمشق».
ولعل أبرز تجسيد للانفتاح العالمي على الشرع هو علاقته الدافئة بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي التقاه أربع مرات منذ أيار/مايو الماضي. وأسفرت هذه العلاقة عن رفع الولايات المتحدة جميع عقوباتها عن سوريا، وهو ما يشكل مفتاحاً لفتح الباب أمام الاستثمارات الأجنبية.
وكانت تركيا وقطر والسعودية والإمارات المحركات الرئيسية لمعظم الاستثمارات الأجنبية حتى الآن، والتي قدّرت سوريا قيمتها العام الماضي بنحو 28 مليار دولار. كما تعهد الاتحاد الأوروبي بتقديم 2.7 مليار دولار دعماً، ووقّع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته إلى دمشق في تموز/يوليو عدة اتفاقيات اقتصادية جديدة في مجالات النقل والبنية التحتية.
وبحسب أحد خبراء الشأن السوري، عقدت الحكومة الجديدة لقاءات مع ممثلين عن نحو 100 دولة منذ توليها السلطة. وفي إظهار للبراغماتية، يحافظ الشرع على علاقاته مع كل من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الحليف الرئيسي للنظام السابق، والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.
الموقع الاستراتيجي لسوريا
يعكس اتساع نطاق هذه الاتصالات الموقع الاستراتيجي لسوريا. ففي وقت يشهد انقسامات دولية، أصبح دعم مستقبل سوريا من النقاط النادرة التي تحظى بتوافق دولي، والسبب يعود إلى حد كبير إلى الجغرافيا. فسوريا تقع في قلب الشرق الأوسط، وتربط آسيا وأوروبا عبر موانئها على البحر المتوسط.
ويعكس ذلك الاعتقاد بأن الحرب الأهلية السورية، كما امتدت تداعياتها إلى ما وراء الحدود، وأطلقت أزمة هجرة ومكّنت تنظيم داعش من الصعود، فإن سوريا مستقرة ومزدهرة يمكن أن تعزز الاستقرار الإقليمي، وتشجع عودة اللاجئين، وتحد من التطرف.
وفي خضم الحرب مع إيران، وظّف الشرع الموقع الجغرافي لسوريا لطرحها باعتبارها «طريق حرير» حديثاً ومركزاً تجارياً يمكن أن يشكل بديلاً برياً لمضيقي هرمز وباب المندب.
لكن بالنسبة إلى السوريين العاديين، لم تُظهر الخطط الطموحة للحكومة نتائج ملموسة حتى الآن.
ويقول ليستر إن المجتمع الدولي يرى فرصة حقيقية في إعادة بناء مستقبل سوريا، لكن الأمر سيستغرق وقتاً.
وقال: «في الواقع، معظم هذه المشاريع هي مشاريع استراتيجية تمتد لعشر سنوات. ولن تؤدي إلى خفض سعر الخبز، أو إدخال مزيد من الوقود فوراً، أو خفض تكلفة الوقود في سوريا».
وأضاف أن رفع العقوبات الأميركية أدى إلى تدفق عدد كبير من مشاريع الاستثمار الصغيرة والمتوسطة التي يمكن أن توفر فرص عمل بوتيرة أسرع.
وقال: «هذه الأنواع من المشاريع هي التي توفر فرصة أكبر بكثير للبدء بزرع البذور التي تؤدي إلى تخفيف التحديات التي يواجهها السوريون العاديون. لكن ذلك لن يعني أن هذه الأمور ستُحل الأسبوع المقبل. ومن المرجح أن يستغرق الأمر عاماً أو عامين آخرين».
نفاد الرصيد السياسي لـ«الثورة»
ويقدّر كرم شعار، وهو اقتصادي سياسي سوري يدير شركة استشارية، أن 5% فقط من الصفقات المعلنة حققت تقدماً ملموساً. ومن أبرز المشاريع المرئية أعمال تجديد البنية التحتية للكهرباء ومطار دمشق، التي تنفذها شركة UCC القابضة بقيادة الأخوين السوريين-القطريين الخياط، وهما من الشخصيات النافذة.
وقال لشبكة CNN: «لا شك في أن الاقتصاد يتعافى. لكن هذا ليس السؤال بالنسبة إلى الشخص العادي. ما يهمه هو ما إذا كانت ظروف معيشته تتحسن».
كما اشتكى متظاهر سوري، يدعى بسام العلي، لوكالة رويترز من أن الحكومة تركز على الصفقات الكبيرة بدلاً من تحسين تكاليف المعيشة.
وقال مخاطباً الشرع: «لا نريد دوارات. كل يوم يبنون دواراً جديداً يكلف مليون ألف دولار، ومراكز تجارية، ولا أعرف ماذا أيضاً. دعوا شعبكم يعيش. شعبكم كان معكم، وما زال معكم الآن، وسيبقى معكم، لكن هذا سيجعل الأمور تنفجر».
وحذّر الأسيل من أن تراكم المظالم الاقتصادية قد يؤدي إلى تراجع «الشرعية الثورية» التي اكتسبتها حكومة الشرع.
وقال: «شراء صبر الناس يتطلب السماح لهم بالمشاركة، وجعلهم يشعرون بأن أصواتهم مسموعة».
العامل الإسرائيلي
حتى إذا تمكنت الحكومة من سد الفجوة بين الاستثمارات الدولية والتحسن الاقتصادي اليومي، فإنها تواجه عقبة أخرى تقع إلى حد كبير خارج سيطرتها، وهي عقبة أشار إليها الشرع مباشرة في خطابه أمام الأمم المتحدة الأربعاء.
وقال: «العالم مسرور بعودتنا. لكن إسرائيل تشن هجمات على سوريا. وهذا يتعارض مع التوجه الذي نراه على المستوى العالمي».
وقدّر أن “إسرائيل” نفذت نحو 500 غارة على سوريا منذ توليه السلطة. كما تحتل “إسرائيل” أجزاء واسعة من جنوب سوريا، وقال مسؤولون إسرائيليون إن الجيش يعتزم البقاء هناك إلى أجل غير مسمى.
وتقول “إسرائيل” إنها لا تثق بالشرع وتحتاج إلى منطقة عازلة أمنية لمنع وقوع هجمات إرهابية على أراضيها. أما سوريا، المنهكة من الحرب، فتقول إنها لا تريد الدخول في صراع مع “جارتها”.
وبدأ الطرفان محادثات مباشرة منذ آب/أغسطس من العام الماضي.
وقال الشرع الثلاثاء، خلال جلسة في «المجلس الأطلسي» في نيويورك، إن المفاوضات «وصلت إلى 90% من الاتفاقات» قبل أن تنسحب إسرائيل «لأسباب مختلفة».
ويقول ليستر إن حالة عدم الاستقرار الناجمة عن التحركات الإسرائيلية تشكل مصدر قلق رئيسياً لدى المستثمرين الذين يسألونه عن فرص الاستثمار في سوريا.
وقال: «إذا استمر الإسرائيليون في نهجهم الحالي بعد انتخاباتهم في تشرين الأول/أكتوبر، فإن المزيد من الاستثمارات الخارجية في سوريا سيصبح أقل احتمالاً، لأنهم يلوّحون بهذه المطرقة الضخمة فوق رأس دمشق».
وأضاف: «هذه المسألة تحديداً لا تقل مركزية عن الأسئلة المتعلقة بالتعافي الاقتصادي والعقوبات وآفاق الاستثمار والشركات الصغيرة والمتوسطة. إسرائيل لا تقل أهمية عن ذلك».


المصدر الأصلي: alkhanadeq.com

wakalanews.com — متابعة الخبر
المصدر:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى