دعموش يعلن برنامج الإيواء ويحمّل الدولة مسؤولية الإعمار

أعلن رئيس المجلس التنفيذي في حزب الله، الشيخ علي دعموش، في مؤتمر صحافي عقده في 13 تشرين الأول 2026، إطلاق برنامج لإيواء المتضررين من العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان. ويكتسب الإعلان أهميته من توقيته، إذ يأتي في ظل تقديرات داخلية وخارجية رجّحت أن الحزب فقد القدرة على الاضطلاع بالتزاماته الاجتماعية تجاه قاعدته، تحت وطأة الخسائر العسكرية والحصار المالي.
حدّد دعموش الإطار المرجعي للبرنامج بالتأكيد أن إعادة الإعمار وإيواء النازحين مسؤولية الدولة، وأن إخضاع هذا الملف للحسابات السياسية يوسّع الفجوة بين الدولة ومواطنيها، مشيراً إلى أن الحكومة لم تضعه حتى الآن على مسار المعالجة. وقدّم مبادرة الحزب بوصفها التزاماً تجاه المتضررين لا بديلاً من دور الدولة، نافياً أن تكون مدفوعة بحسابات سياسية أو شعبية.
يستهدف البرنامج من هُجّر من مسكنه الفعلي ولا يملك مسكناً بديلاً، ويغطي بدل الإيجار وشراء الأثاث، على النحو الذي اعتُمد عام 2024. ويشمل ثلاث فئات: أصحاب الوحدات السكنية المهدّمة كلياً أو جزئياً، وأصحاب الوحدات الواقعة في أبنية تقرّر هدمها استناداً إلى الدراسات الهندسية، ونازحي البلدات الحدودية المحتلة أو المحاذية لها بصرف النظر عن حال منازلهم. وحُدّد المبلغ بأربعة عشر ألف دولار للوحدة في بيروت والضاحية الجنوبية، واثني عشر ألفاً في سائر المناطق. أما آلية التنفيذ فتقوم على لجان مسح ميدانية تعتمد استمارة موحّدة أعدّتها شركة معمار، التي تتولى بدورها إصدار الجداول الاسمية للمستحقين.
وأكد دعموش أن المساعدات ستُصرف في جميع المناطق التي تعرّضت للعدوان من دون تمييز طائفي أو سياسي، ونبّه إلى عدم جواز رفع بدلات الإيجار استغلالاً للبرنامج. وفي الشق السياسي، جدّد التمسك بخيار المقاومة ما دام الاحتلال قائماً، وحمّل السلطة مسؤولية الإخفاق في حماية السيادة منذ 27 تشرين الثاني 2024، معتبراً أنها لا تملك تبعاً لذلك أن تمنع اللبنانيين من ممارسة حقهم في الدفاع، ودعاها إلى وقف التنازلات المجانية والكفّ عن الرهان على الخارج.
لا يمكن فصل هذا الإعلان عن الصراع القائم على البيئة الحاضنة للحزب، التي تمثّل أحد مرتكزات قوته. فقد سعت أطراف عدة خلال المرحلة الماضية إلى إحداث شرخ بين الحزب وجمهوره عبر الحملات الإعلامية والضغط النفسي. واكتسب هذا المسعى زخماً إضافياً بعد اغتيال السيد حسن نصرالله، والضربات التي تلقّاها الحزب، وتحميله مسؤولية حربي 2024 و2026، إذ ساد افتراض بأن رصيده الشعبي داخل الطائفة الشيعية آخذ في التراجع، وأن الظروف باتت مؤاتية لدفع جمهوره إلى الابتعاد عنه.
وجاء تشديد العقوبات الأميركية على الحزب ومؤسساته ليعزّز هذا التقدير لدى واشنطن، التي بنت حساباتها على أن تجفيف موارده سيُضعف قدرته على تقديم الخدمات، وسيؤدي تالياً إلى انفضاض المستفيدين منها. غير أن هذا التقدير أغفل أن علاقة الحزب بقسم واسع من جمهوره تقوم أساساً على روابط عقائدية وثقافية، لا على الخدمات وحدها. وحين أُعلن البرنامج، ردّت وزارة الخارجية الأميركية باتهام الحزب بترويج روايات غير صحيحة، مؤكدة أن إيران تعاني انهياراً اقتصادياً وأن الأموال المعلنة غير متوافرة. إلا أن إعلان الأمين العام الشيخ نعيم قاسم عن البرنامج في خطابه الأخير، ثم عرض دعموش لتفاصيله التنفيذية، يرجّحان أن التمويل كان قد تأمّن فعلاً قبل الإعلان.
يترتب على البرنامج عدد من النتائج. أولاها أنه يثبت قدرة الحزب على الوفاء بالتزاماته تجاه جمهوره رغم الضغوط، بما يحول دون نشوء ثغرة في جبهته الداخلية. وثانيتها أنه يعزّز ثقة قاعدته به في مرحلة تتصاعد فيها الضغوط لنزع سلاحه، خصوصاً أن الجهات الرسمية والدولية لم تقدّم للمتضررين ما يُعتدّ به. وثالثتها أنه يضع واشنطن أمام سؤال عن جدوى نظام العقوبات الذي تفرضه على إيران والحزب، وهو سؤال سيُطرح في دوائرها وفي أوساط حلفائها اللبنانيين على السواء. ويُرجَّح في المقابل أن تتجه الإدارة الأميركية إلى مزيد من التشدد في ملاحقة القنوات المالية المرتبطة بالحزب.
أما الحكومة اللبنانية فتواجه معادلة صعبة. فهي تسعى إلى حصر الأدوار التي يؤديها الحزب خارج مؤسسات الدولة، ومنها الدور المالي والاجتماعي، لكنها لا تملك الموارد اللازمة لتوفير بدائل، في ظل غياب قرار دولي بتقديم دعم جدي قبل معالجة ملف السلاح. وكان في وسعها، بالتنسيق مع شركائها الإقليميين والدوليين، أن تبادر إلى تأمين الإيواء والتعويضات بنفسها، فتُثبت للمتضررين أن الدولة قادرة على تلبية حاجاتهم. ولمّا لم يحدث ذلك، تعزّزت سردية الحزب لدى جمهوره وربما خارجه. وفي هذا السياق، يمكن قراءة اجتماع رئيس الحكومة نواف سلام مع وفد من كتلتي الوفاء للمقاومة والتنمية والتحرير، وإعلانه عن مشاريع بقيمة سبعين مليون دولار تقريباً ستُطرح للتلزيم قبل نهاية العام، بوصفهما محاولة لتدارك التأخر، وإن ظلّت دون حجم الحاجة الفعلية.
تتجاوز دلالات برنامج الإيواء بعده الإنساني المباشر، لتطال موازين الصراع الداخلي والخارجي حول موقع حزب الله ودوره. فقد أظهر البرنامج أن الرهان على إضعاف الحزب عبر تجفيف موارده وفصله عن قاعدته لم يحقق النتائج المتوقعة، وأن الفراغ الذي تتركه الدولة في ملف الإعمار لا يبقى شاغراً. وفي المقابل، لا يُتوقع أن يمرّ هذا التطور من دون ردّ، إذ يُرجَّح أن تتجه واشنطن إلى تشديد إجراءاتها المالية، وأن تتزايد الضغوط على الحكومة اللبنانية لتسريع خطوات تقييد أدوار الحزب. ويبقى العامل الحاسم في المرحلة المقبلة مدى قدرة الدولة على الاضطلاع بمسؤولياتها في الإعمار والإيواء بصورة فعلية، لا بمبادرات محدودة تأتي في إطار الاستدراك. فما لم تُقدِم السلطة على ذلك، ستظل مطالبتها بحصر الأدوار في مؤسساتها فاقدة لأساسها العملي، وستبقى المعادلة القائمة على حالها: دولة تطالب بالحصرية من دون أن تملك أدواتها، وحزب يملأ الفراغ ويعزّز موقعه.
المصدر الأصلي: alkhanadeq.com





