صحافة

مركز السياسة الدولية: الحرب غيّرت طهران.. وعلى واشنطن أن تأخذ ذلك في الحسبان

يستخلص الباحث في العلاقات الدولية سينا طوسي في هذا المقال الذي نشره مركز السياسة الدولية CIP وترجمه موقع الخنادق الالكتروني، أن ترامب ومخططي الحرب الأمريكيين أساءوا قراءة نظرة الجمهورية الإسلامية في إيران إلى الحرب. فإيران ليست على وشك الانهيار، بل على العكس، بات قادتها ملتزمين بمواجهة التصعيد بالتصعيد، إلى حين التوصل إلى تسوية تفاوضية تقوم على تنازلات متبادلة. ويعتبر طوسي أن القادة الإيرانيين يعتقدون بصورة متزايدة أن ضبط النفس الذي أبدوه سابقاً لم يردع الهجمات، بل شجّع على شن المزيد منها، وأن تحمّل مزيد من الضربات من دون الرد بقوة لن يؤدي إلا إلى تشجيع المزيد من العدوان.

النص المترجم:

تستمر الحرب بين الولايات المتحدة وإيران في حالة جمود استراتيجي خطير. ففي حين تواصل واشنطن فرض حصار اقتصادي وبحري خانق، تواصل طهران تقييد المرور عبر مضيق هرمز، فارضةً تكاليف متزايدة على الولايات المتحدة وحلفائها والاقتصاد العالمي. ولا يبدو أن أياً من الطرفين مستعد لتقديم تنازلات.

يرسل البنتاغون مجموعة قتالية ثالثة لحاملة طائرات إلى المنطقة، فيما تفيد التقارير بأن إدارة ترامب تدرس شن ضربات على البنية التحتية النووية وقطاع الطاقة في إيران، مع احتمال استخدام القنبلة “جي بي يو-43/بي(GBU-43/B)”، المعروفة باسم “أم القنابل“. وتعزز الخطوتان احتمال لجوء الولايات المتحدة إلى القوة لكسر حالة الجمود هذه. في المقابل، كثّفت إيران خلال الأسابيع الأخيرة هجماتها على السفن التجارية التي تحاول عبور مضيق هرمز خارج المسار الذي حددته، وأصبحت هذه الضربات أكثر تواتراً وتدميراً.

يبدو أن واشنطن تواصل إساءة قراءة طبيعة إيران التي تواجهها. فقد سرّعت حربا عامي 2025 و2026 تحولاً جوهرياً في التفكير الاستراتيجي الإيراني، مبتعدةً بطهران عن سنوات من ضبط النفس النسبي، ودافعةً إياها نحو الإصرار على فرض تكاليف مستدامة على الولايات المتحدة وحلفائها. ويعتقد القادة الإيرانيون بصورة متزايدة أن ضبط النفس الذي أبدوه سابقاً لم يردع الهجمات، بل شجّع على شن المزيد منها، وأن تحمّل مزيد من الضربات من دون الرد بقوة لن يؤدي إلا إلى تشجيع المزيد من العدوان.

إن الإخفاق في فهم هذا التحول في الموقف الإيراني يجعل أي جولة جديدة من الضربات الأمريكية أو الإسرائيلية خطيرة على نحو خاص؛ فبدلاً من إجبار إيران على الاستسلام، من المرجح أن تؤدي إلى رد إيراني أشد تدميراً. ولا يعني استعداد طهران المتزايد للتصعيد أنها تخلّت عن الدبلوماسية. وتكمن المعضلة أمام ترامب في أن إيران التي تخرج من هذه الحرب أصبحت أقل استعداداً للخضوع للإكراه، لكنها لا تزال منفتحة على تسوية تقوم على تنازلات متبادلة ذات مغزى.

خيارات واشنطن.. وحدودها

يتمثل السؤال المحوري فيما إذا كانت واشنطن تستعد لكسر الجمود عسكرياً. لكن، كما جادل كارل فون كلاوزفيتز في مقولته الشهيرة، فإن الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى. ولذلك، فإن قرار ترامب التصعيد يتوقف على تقييمه للأهداف السياسية المطروحة، وعلى ما إذا كان استخدام مزيد من القوة العسكرية قادراً على تحقيقها. ولا يكشف حشد القوات الأمريكية، بحد ذاته، الكثير عن طبيعة هذا الحساب، ولا سيما بعد أشهر من الحرب والإكراه الاقتصادي التي فشلت في إجبار طهران على الرضوخ.

ستحدد نظرة واشنطن إلى الحرب ما تعتقد أنه بإمكانها فعله لكسر حالة الجمود الراهنة. فإذا رأت أن استمرار المعاناة الاقتصادية سيجبر طهران في نهاية المطاف على قبول مطالبها، فقد تواصل الحصار وحرب الاستنزاف. أما إذا شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً كبيراً جديداً، فسيشير ذلك إلى أن واحدة منهما على الأقل لم تعد تعتقد أن ميزان الضغط الحالي يصب في مصلحتها، أو أنها قادرة على تحمّل الانتظار إلى أن ترضخ إيران.

ومن المفترض أن يسعى مثل هذا التصعيد إلى تغيير ميزان القوى من خلال إلحاق أضرار إضافية كافية لإجبار إيران على تقديم تنازلات، ولا سيما في الملف النووي، حيث قاومت طهران المطالب الداعية إلى التخلي مسبقاً عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، وكذلك فيما يتعلق بمستقبل مضيق هرمز، حيث تسعى إيران إلى إرساء ترتيبات جديدة تحافظ على نفوذها في حركة الملاحة البحرية.

ومن المرجح أن تأتي الهجمات الإضافية بنتائج عكسية، ولا سيما في ظل تنامي قناعة طهران بأن ضبط النفس لم يؤدِّ إلا إلى استدعاء مزيد من العدوان. وتمتلك إيران هامشاً واسعاً لتكثيف ضغوطها من خلال مضيق هرمز وشن ضربات على البنية التحتية للطاقة في المنطقة، ما قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط أكثر، وتعميق اضطراب الأسواق العالمية، وزيادة كلفة استمرار الحرب على واشنطن.

وقد تصعّد طهران من تلقاء نفسها أيضاً، إذا خلصت إلى أن مستوى الاضطراب الحالي غير كافٍ لإجبار الولايات المتحدة على تقديم تنازلات. وفي كلتا الحالتين، قد تؤدي جولة جديدة من التصعيد إلى تغيير ميزان الضغوط بصورة أكبر ضد واشنطن، ما يضع ترامب في موقف أكثر صعوبة، رغم إلحاقه دماراً أكبر بإيران.

يمثل الإخفاق في فهم الحسابات السياسية الخاصة بطهران مشكلة مستمرة في واشنطن، وغالباً ما يكون في صلب المحاولات الرامية إلى فرض تغيير في السلوك من خلال الإكراه أو القوة، انطلاقاً من مطالب قصوى. وإذا قررت إدارة ترامب اللجوء إلى القوة رغم التحول في الموقف الإيراني، فستكرر إخفاقاً وقعت فيه إدارات رئاسية أمريكية عديدة قبلها.

أما الخيارات المتبقية، فهي سياسية. إذ يستطيع ترامب تخفيف الحصار أو إنهاءه من جانب واحد، والتخلي عملياً عن مسعى إجبار إيران على الاستسلام، وإن كان ذلك يبدو مستبعداً في الظروف الراهنة.

وثمة احتمال آخر مشابه، وفقاً لشبكة “سي إن إن”، يتمثل في شن ضربة عسكرية أخيرة واستعراضية، قد تتضمن استخدام “أم القنابل”، بهدف منح ترامب “انتصاراً” رمزياً يستطيع إعلانه قبل الانسحاب. وتشير التقارير إلى أن بعض المخططين العسكريين ناقشوا ما يشبه “عرضاً للألعاب النارية”، حتى لو أخفقت الضربات في تحقيق الأهداف المعلنة لواشنطن.

لكن الانسحاب بهذه الطريقة سيظل رهناً برد إيران؛ إذ قد تختار طهران بدلاً من ذلك الرد بهجمات إضافية على الملاحة البحرية والبنية التحتية للطاقة في المنطقة، ما سيجعل إعلان ترامب انتهاء الحرب أكثر صعوبة.

والأكثر واقعية أن تتفاوض واشنطن على تسوية توافقية لإنهاء المواجهة، مع الإقرار بأن أي اتفاق دائم سيتطلب تنازلات ذات مغزى من كلا الطرفين، بما في ذلك اتخاذ خطوات متبادلة بشأن العقوبات ومضيق هرمز والملف النووي.

ومع ذلك، لا تزال الهوة واسعة بين الطرفين بشأن طبيعة التسوية التفاوضية المحتملة. فما زالت طهران تتمسك بسبعة شروط لإنهاء الحرب، من بينها رفع الحصار والعقوبات، وقدّمت إلى الوسطاء مقترحاً خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر.

وبحسب التقارير، يستند المقترح إلى مذكرة التفاهم التي جرى التوصل إليها في إسلام آباد في حزيران/يونيو، لكنه يغيّر ترتيب تنفيذ التنازلات؛ إذ يتعين على واشنطن أولاً الوفاء بالشروط الإيرانية، بما في ذلك رفع الحصار والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، قبل أن تخفف طهران القيود المفروضة على مضيق هرمز وتدخل في مفاوضات نووية جوهرية.

يعكس ذلك انعدام الثقة العميق لدى طهران بواشنطن، وهو انعدام ثقة يستند إلى ما تعتبره إيران إخفاقاً أمريكياً في الوفاء بالتزاماتها بموجب مذكرة التفاهم الموقعة في حزيران/يونيو، فضلاً عن استئناف الأعمال العدائية واسعة النطاق لمدة 13 يوماً في تموز/يوليو. في المقابل، تضغط واشنطن من أجل الحصول على تنازلات نووية فورية، تشمل استئناف عمليات التفتيش وإخراج اليورانيوم المخصب من إيران، مقابل تقديم تخفيف اقتصادي محدود والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة.

وعليه، لا يقتصر جوهر المأزق على شروط الاتفاق المحتمل، بل يتعلق أيضاً بالطرف الذي يتعين عليه تقديم التنازلات أولاً. فبالنسبة إلى طهران، عززت تجربة الحرب قناعتها بأن التخلي عن أوراق الضغط قبل الحصول على تنازلات أمريكية ملموسة سيجعلها عرضة لممارسة ضغوط وهجمات جديدة.

في ظل هذه الظروف، تحولت المعركة حول مضيق هرمز إلى مواجهة متزايدة الكلفة، تتسم بمحاولات التكيف والتكيف المضاد، وتُظهر إصرار طهران على فرض تكاليف اقتصادية بدلاً من الاكتفاء بتحمل الضغوط الأمريكية. وقد طورت الولايات المتحدة وشركاؤها في الخليج الفارسي نظاماً معقداً لنقل النفط من سفينة إلى أخرى، إذ تنقل ناقلات صغيرة مخصصة للرحلات القصيرة النفط عبر المضيق، بمحاذاة الساحل العُماني، غالباً تحت الحماية العسكرية الأمريكية، مع إيقاف تشغيل أنظمة التتبع الخاصة بها، قبل نقل حمولاتها إلى سفن أكبر في خليج عُمان. وتجري عمليات عبور كثيرة ليلاً، رغم استمرار تعرض السفن للنيران الإيرانية.

ومع ذلك، ساعد هذا النظام، إلى جانب خط أنابيب النفط السعودي “شرق-غرب” المؤدي إلى البحر الأحمر، على استعادة حجم كبير من صادرات النفط رغم القيود الإيرانية، وإن كان ذلك بأسعار أعلى. وردت طهران بتصعيد حاد لهجماتها على السفن التي تستخدم هذه المسارات، بما فيها الناقلات المشاركة في عمليات النقل من سفينة إلى أخرى.

وامتد الصراع أيضاً إلى البحر الأحمر، حيث هاجم الحوثيون المتحالفون مع إيران السفن السعودية والبنية التحتية للطاقة، وفرضوا قيوداً على المرور عبر مضيق باب المندب، في حين أدى هجوم منفصل بطائرة مسيّرة انطلق من العراق إلى إغلاق خط أنابيب النفط السعودي “شرق-غرب” مؤقتاً.

وقد أبقت هذه الحلول البديلة والتدابير المضادة الطرفين منخرطين في المواجهة، لكن بكلفة اقتصادية متصاعدة. إذ يقترب نظام نقل النفط من سفينة إلى أخرى من بلوغ حدوده القصوى، وارتفعت تكاليف الشحن والتأمين بصورة كبيرة، ولا يزال سعر خام برنت أعلى بكثير من 100 دولار للبرميل، فيما قفزت أسعار البنزين والديزل في الولايات المتحدة إلى مستويات قياسية. وتؤدي الضغوط التضخمية الناجمة عن ذلك إلى ارتفاع تكاليف الاقتراض في مختلف قطاعات الاقتصاد الأمريكي.

مسارات واقعية لإنهاء الحرب

تُظهر الحملة الإيرانية المتزايدة الحدة حول مضيق هرمز مدى عمق التحول الذي أحدثته الحرب في نهج طهران تجاه الردع. وكما جادلتُ في تقرير حديث صادر عن معهد كوينسي، فقد سرّعت حربا عامي 2025 و2026 انتقال طهران من الصبر الاستراتيجي إلى نهج يقوم على التصعيد المضاد المستمر.

وبات القادة الإيرانيون ينطلقون من افتراض مفاده أن ضبط النفس الذي أبدوه سابقاً شجّع على شن هجمات إضافية بدلاً من ردعها. وقد ظهر هذا التحول في استعداد طهران لاستخدام مضيق هرمز أداةً للضغط والتهديد، وتعريض الاقتصاد الإقليمي الأوسع للخطر، رغم الأضرار الهائلة التي تكبدتها إيران نفسها.

ولذلك، من غير المرجح أن تؤدي أي ضربة أمريكية أو إسرائيلية كبيرة جديدة إلى إعادة إيران إلى نمط ضبط النفس السابق. بل قد تعزز قناعة طهران بأن الضغط المستمر على المصالح الأمريكية ومصالح حلفائها هو السبيل الوحيد لردع الهجمات الإضافية وإجبار واشنطن على تقديم تنازلات.

لكن إيران الأكثر تصادمية ليست بالضرورة إيران الرافضة للتفاوض. وكما جادلتُ في تقرير منفصل صادر عن مركز السياسات الدولية، فقد قللت السياسة الأمريكية مراراً من تقدير قدرة طهران على انتهاج البراغماتية، في حين بالغت في تقدير احتمال أن تؤدي الضغوط المتزايدة إلى استسلامها.

ولدى إيران تاريخ طويل من استثمار الفرص الدبلوماسية عندما يرى قادتها وجود إمكانية حقيقية لتعزيز المصالح الوطنية، بدءاً من عهدي الرئيسين هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي، وصولاً إلى المفاوضات التي أفضت إلى الاتفاق النووي عام 2015.

وحتى في خضم الحرب الراهنة، تواصل طهران طرح مقترحات للتوصل إلى تسوية تفاوضية. لكن ما تغير هو تقييمها للمخاطر الناجمة عن تقديم التنازلات من دون ضمانات موثوقة بالتزام الولايات المتحدة بالمثل. فما زالت طهران مستعدة للتفاوض، لكنها أصبحت أقل استعداداً بكثير للتخلي عن أوراق ضغطها استناداً إلى تطمينات أمريكية لا تجد أسباباً كافية للوثوق بها.

ومن الحكمة أن يدرك ترامب هاتين الحقيقتين معاً. فمذكرة التفاهم الموقعة في إسلام آباد في حزيران/يونيو، إلى جانب المقترح الإيراني الذي قُدّم لاحقاً خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، توفر نقطة انطلاق لاستئناف الدبلوماسية.

وقد نص التفاهم الذي جرى التوصل إليه في حزيران/يونيو على اتخاذ خطوات متبادلة، بحيث تخفف واشنطن حصارها وقيودها الاقتصادية، فيما تخفف طهران قبضتها على مضيق هرمز، وتتناول في نهاية المطاف مسألة مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب عبر مفاوضات نووية جديدة.

غير أن إحياء هذا الإطار سيتطلب اتفاق الطرفين على تسلسل موثوق وقابل للتحقق لتنفيذ التنازلات، ولا سيما في ضوء الانهيار الأخير للثقة عقب استئناف القتال في تموز/يوليو.

ولن يحصل أي من الطرفين على كل ما يريده، لكن اتفاقاً على هذا الأساس سيمنح ترامب أمراً عجز التصعيد العسكري على مدى أشهر عن تحقيقه: مخرجاً لإنهاء الحرب من دون التسبب بجولة أخرى من الرد الإيراني، الذي قد تكون عواقبه كارثية على المنطقة.

ولا تزال الولايات المتحدة تتمتع بتفوق عسكري تقليدي ساحق، لكن أشهر الحرب أظهرت حدود السعي إلى تحقيق أهداف قصوى، سواء تعلق الأمر بإجبار إيران على الاستسلام غير المشروط أو بإسقاط حكومتها.

والسؤال المطروح الآن هو ما إذا كان ترامب سيواصل السعي إلى إخضاع إيران عبر الضغط العسكري، أم سيدرك أن الحرب جعلت طهران أكثر إصراراً على مقاومة الإكراه، مع بقائها منفتحة على تسوية تفاوضية تقوم على التوافق.



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: alkhanadeq.com

تاريخ النشر:

الكاتب:

تنويه من موقع “wakalanews”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

wakalanews.com — متابعة الخبر
المصدر:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى