الانسحاب الشكلي من العراق: مغادرة القوات وبقاء النفوذ

الانسحاب الشكلي
أعلن البنتاغون في 30 أيلول/ سبتمبر اكتمال انسحاب القوات الأميركية من العراق، منهياً بذلك المهمة العسكرية التي بدأت بعد الغزو الأميركي للبلاد عام 2003، وتواصلت لاحقاً بذرائع مختلفة، آخرها مهمة “التحالف الدولي” لمحاربة تنظيم “داعش” الإرهابي. وقدمت واشنطن وبغداد الخطوة بوصفها انتقالاً إلى مرحلة جديدة يتولى فيها العراق مسؤولية أمنه، فيما احتُفل بها في بغداد باعتبارها محطة على طريق استعادة السيادة.
لكن قراءة الانسحاب باعتباره نهاية للوجود الأميركي في العراق تتوقف عند الجانب العسكري من العلاقة، ولا تفسر ما بقي من أدوات النفوذ الأميركي داخل البلاد.
فالولايات المتحدة لم تغادر العراق بالمعنى السياسي والاستراتيجي. فالذي انتهى هو الوجود العسكري المرتبط بمهمة “التحالف”، أما شبكة العلاقات والأدوات التي بنتها واشنطن خلال أكثر من عقدين فتستمر بأشكال أخرى، وفي مقدمتها السفارة الأميركية في بغداد، والعلاقات الأمنية والاقتصادية، والنفوذ المالي المرتبط بحركة الدولار وعائدات النفط العراقي.
تكتسب السفارة الأميركية أهمية خاصة في هذا السياق. فمجمع السفارة في بغداد يمتد على نحو 104 أفدنة، أي قرابة 42 هكتاراً، وهو من أكبر المجمعات الدبلوماسية الأميركية في العالم. ولا تعكس هذه المساحة وحدها حجم البعثة، وإنما تعكس أيضاً طبيعة المكان الذي أرادت واشنطن أن يكون مركزاً دائماً لإدارة علاقاتها مع العراق.
كما أن دور السفارة لا يمكن اختزاله بالعمل الدبلوماسي التقليدي. فالبعثة الأميركية تعمل ضمن شبكة واسعة تشمل الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية برز في محطات مختلفة من تاريخ العراق لا سيما في حراك تشرين وأجنداته التي مولت من الخارج، ولهذا بدأت داخل العراق مطالبات بتقليص حجم السفارة، وحصر مهماتها بالإطار الدبلوماسي، واعتماد مبدأ المعاملة بالمثل في حجم البعثات.
ولا تنحصر أشكال النفوذ الأميركي بالسفارة فحسب. فمنذ الاحتلال الأميركي، ارتبطت عائدات النفط العراقي بالنظام المالي الذي تدور من خلاله الدولارات الناتجة عن مبيعات النفط. وما زالت عائدات النفط العراقية تُدار عبر حسابات في الاحتياطي الفدرالي الأميركي في نيويورك، فيما يخضع وصول العراق إلى النظام المالي بالدولار لإجراءات وضوابط تمنح واشنطن قدرة مؤثرة على حركة الأموال العراقية. هذه الأداة تختلف عن العقوبات التقليدية التي تمنع دولة من بيع نفطها. فالعراق يستطيع بيع النفط، لكن حركة عائداته بالدولار تمر عبر منظومة مالية تستطيع الولايات المتحدة التأثير في قواعدها وآلياتها. وهذا يمنح واشنطن وسيلة ضغط لا تحتاج إلى وجود آلاف الجنود على الأرض لاستخدامها.
وقد ظهرت أهمية هذه الورقة في السنوات الماضية، عندما أصبح الوصول العراقي إلى النظام المالي الأميركي جزءاً من النقاشات المتعلقة بالعلاقة مع واشنطن. وبالتالي، فإن النفوذ الذي مارسته الولايات المتحدة في العراق لم يكن قائماً على القوات وحدها، بل على منظومة أوسع من الأدوات الأمنية والمالية والسياسية. لهذا فإن الإعلان الأميركي عن انتهاء المهمة العسكرية لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه نهاية للنفوذ الأميركي، وإنما باعتباره تغييراً في شكل هذا النفوذ.
غير أن تحويل هذا الانسحاب إلى بداية لتقليص النفوذ الأميركي يبدو أكثر تعقيداً في ظل الحكومة الحالية برئاسة الزيدي، التي تشير توجهاتها إلى إبقاء مساحة واسعة للعلاقة مع واشنطن، وربما توسيعها في بعض الملفات. وبذلك قد لا يؤدي انتهاء الوجود العسكري إلى تراجع الدور الأميركي، وإنما إلى إعادة ترتيب أدواته بما يتناسب مع المرحلة الجديدة.
فالولايات المتحدة لم تعد بحاجة إلى القواعد العسكرية كي تحافظ على نفوذها في العراق إذا كانت قادرة على تحقيق مصالحها عبر الشراكات السياسية والأمنية والاقتصادية، فيما يبقى القرار العراقي هو العامل الحاسم في تحديد مدى هذا النفوذ.
المصدر الأصلي: alkhanadeq.com




