هل تستغني السعودية عن شراكتها مع الولايات المتحدة؟

هل تستغني
صدر الصورة، Getty Images
Article Information
لم تعد فكرة تنويع السعودية لشراكاتها الأمنية مجرد حديث عن المستقبل.
ففي الخامس من أكتوبر/تشرين الأول، أعلنت السعودية وتركيا وباكستان الانتقال الفوري إلى التنفيذ العملي لالتزامات الدفاع المشترك ضمن “حلف مكة”، واتخاذ الإجراءات اللازمة لتوفير القوات والقدرات العسكرية المتفق عليها وسرعة نشرها في السعودية، إثر استهدافات متكررة للدولة الخليجية من قبل جماعة أنصار الله الحوثي في اليمن.
وجاء القرار خلال اجتماع طارئ للجنة الاستراتيجية السياسية والدفاعية للحلف، الذي تأسس في مكة في أغسطس/آب، لبحث “التطورات الأمنية والتهديدات التي تواجه المملكة”، في وقت تشهد فيه الحرب في اليمن تصعيدًا جديدًا، وتتعرض السعودية لهجمات من جماعة أنصار الله الحوثية المدعومة من إيران.
وكانت تقارير إعلامية قد كشفت في وقت سابق عن رفض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب طلبات سعودية متكررة لتقديم مساعدة عسكرية مباشرة في مواجهة الحوثيين.
وبحسب تلك التقارير، لم توافق واشنطن على تنفيذ ضربات أمريكية مباشرة ضد الحوثيين إلى جانب السعودية، لكنها قدمت دعمًا استخباريًا ومعلومات للمساعدة في عمليات الاستهداف للجماعة.
فهل تدفع هذه التطورات السعودية إلى تقليل اعتمادها على الولايات المتحدة؟ وهل يمكن لما يسمى “حلف مكة” أن يوفر للمملكة جزءًا من الضمانات الأمنية التي كانت تحصل عليها من واشنطن؟
حدود الدعم الأمريكي
بعد أكثر من أربع سنوات من الهدوء النسبي الذي أعقب الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة في 2022، عادت جبهة اليمن إلى التصعيد.
وكانت نقطة التحول في يوليو/تموز، عندما قصفت قوات الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية مطار صنعاء الخاضع لسيطرة الحوثيين، وقالت إن الهدف كان منع طائرة إيرانية من الهبوط في العاصمة.
وبعد ساعات، أطلق الحوثيون صواريخ باتجاه جنوب السعودية، قبل أن يتطور المشهد مع توسع سيطرة الجماعة على مواقع في الساحل الغربي، بما عزز قدرتها على تهديد الملاحة في محيط باب المندب، البوابة الجنوبية للبحر الأحمر وأحد الممرات الرئيسية للتجارة بين المحيط الهندي والبحر المتوسط عبر البحر الأحمر وقناة السويس.
وفي الخامس من أكتوبر/تشرين الأول، أطلقت القوات الحكومية اليمنية المدعومة من السعودية عملية عسكرية واسعة لاستعادة مناطق سيطر عليها الحوثيون، بدعم جوي سعودي.
ويرى ميتشل بليتنيك، الباحث في شؤون الشرق الأوسط ونائب الرئيس السابق لمؤسسة السلام من أجل الشرق الأوسط، أن ما حدث خلال الأسابيع الماضية يمثل اختبارًا جديدًا للعلاقة الأمنية بين الرياض وواشنطن.
“هنا خذلت أمريكا السعودية”، يقول بليتنيك.
فالسعودية بنت علاقتها الأمنية مع الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية على معادلة تقوم على استقرار أسواق النفط وتدفق الطاقة، مقابل مظلة أمنية توفرها الولايات المتحدة والغرب.
لكن إدارة ترامب أثبتت، منذ ولايتها الأولى، أن هذه المعادلة ليست ضمانة مطلقة عندما تتعارض حماية السعودية مع حسابات أمريكية أخرى، بحسب بليتنيك.
ويستشهد بهجمات سبتمبر/أيلول 2019 على منشآت نفطية سعودية، بينها منشآت تابعة لأرامكو، والتي عطلت مؤقتًا جزءًا كبيرًا من إنتاج النفط السعودي. واتهمت الولايات المتحدة والسعودية إيران بالمسؤولية، وهو ما نفته طهران، بينما لم ترد إدارة ترامب عسكريًا على إيران.
وبحسب بليتنيك، عزز ذلك إدراكًا سعوديًا بأن الشراكة الأمنية مع واشنطن لا تعني بالضرورة أن الولايات المتحدة ستخوض كل مواجهة تعتبرها الرياض ضرورية لأمنها.
لكن آرون ديفيد ميلر، الذي عمل مستشارًا في وزارة الخارجية الأمريكية لنحو 25 عامًا، يرى أن لدى إدارة ترامب دوافع لمساعدة السعودية، لكنها مقيدة بالصراع الأوسع مع إيران وبالرغبة في تجنب فتح جبهة عسكرية جديدة في اليمن، خصوصًا بعد تجربة عملية “راوف رايدر” الأمريكية ضد الحوثيين في 2025، والتي استمرت 52 يومًا وشملت أكثر من ألف ضربة، من دون أن تحقق، في تقديره، أثرًا حاسمًا في قدرات الجماعة.
كما يرى ميلر أن الحسابات السياسية الأمريكية، قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، شكلت عاملًا إضافيًا في تجنب تصعيد عسكري أكبر.
أما عمرو حمزاوي، مدير برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، فيرى أن امتناع واشنطن عن تقديم مساعدة عسكرية مباشرة للسعودية لا يعني بالضرورة تغيرًا في جوهر العلاقة أو تخليًا أمريكيًا عن المملكة.
وبحسب حمزاوي، اختارت الولايات المتحدة تقديم دعم استخباري، بما في ذلك معلومات عن مواقع الحوثيين وقدراتهم، مع تجنب الانخراط العسكري المباشر. ومن هذا المنظور، فإن ما حدث يعكس حدود الدور العسكري الأمريكي أكثر مما يمثل تحولًا جذريًا في الالتزام تجاه السعودية.
وفي الوقت نفسه، جاءت تصريحات المسؤولين الأمريكيين لتؤكد استمرار الالتزام بالمملكة.
ففي 23 سبتمبر/أيلول، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إن لدى الولايات المتحدة “اتفاقًا دفاعيًا قويًا جدًا” مع السعودية وإن واشنطن “ستفي بالتزاماتها” بموجبه.
وبعد ذلك بأيام، بحث وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان مع نظيره الأمريكي بيت هيغسيث “الشراكة الدفاعية الاستراتيجية” بين البلدين وتنسيق الجهود لتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة.
ومن الجانب السعودي، ينفي سالم اليامي، المستشار السابق في وزارة الخارجية السعودية، فكرة “التخلي” الأمريكي من حيث المبدأ.
ويقول إن الولايات المتحدة نفسها “لا يمكنها التخلي عن حليف كالسعودية دون أن تضر بمصالحها هي”.
ويرى اليامي أن التطورات الأخيرة أثرت في العلاقة السعودية-الأمريكية “على المستوى التكتيكي”، لكنها “لم تمس جوهر الشراكة الاستراتيجية والتاريخية بين البلدين”.
لكن اليامي يشير في الوقت نفسه إلى أن السعودية قررت منذ عام 2015 الدخول في مسار من التنويع والتوازن الاستراتيجي في علاقاتها السياسية والتجارية والأمنية والعسكرية.
صدر الصورة، Saudi Press Agency
حلف مكة.. بديل عن أمريكا أم طبقة إضافية؟
الاتفاق الذي وقعته السعودية وتركيا وباكستان في مكة في أغسطس/آب هو أحد أبرز مظاهر هذا التنويع، يقول اليامي.
وينص الاتفاق على أن الهجوم المسلح على إحدى الدول الثلاث يُعامل باعتباره هجومًا على الدول الأخرى، في إطار تعاون دفاعي مشترك.
وظل الاتفاق، منذ توقيعه، موضع تساؤلات حول كيفية تطبيقه عمليًا، خصوصًا بعد تعرض السعودية لهجمات من الحوثيين، من دون أن تعلن تركيا أو باكستان عن تدخل عسكري مباشر.
وفي سبتمبر/أيلول، قالت باكستان إنه لم تُناقش إجراءات عسكرية فورية بموجب الاتفاق ردًا على هجمات الحوثيين، رغم تأكيدها الالتزام به.
لكن اجتماع الخامس من أكتوبر/تشرين الأول مثل تطورًا مختلفًا، إذ أعلنت الدول الثلاث الانتقال “فورًا” إلى التنفيذ العملي لالتزامات الدفاع المشترك، واتخاذ الإجراءات اللازمة لتوفير القوات والقدرات العسكرية المتفق عليها وسرعة نشرها في السعودية.
كما عينت اللجنة الفريق المتقاعد نعمان محمود من باكستان أول أمين عام للحلف لمدة ثلاث سنوات، في خطوة نحو بناء هيكل مؤسسي دائم له.
ويرى ميلر أن الحلف ليس ترتيبًا يمكن تجاهله ببساطة، فهو يجمع السعودية، ثاني أكبر منتج للنفط في العالم، وباكستان، الدولة النووية، وتركيا، إحدى أبرز القوى العسكرية داخل حلف شمال الأطلسي.
لكن ذلك لا يعني، في رأيه، أن الدول الثلاث مستعدة لخوض مواجهة مفتوحة مع إيران دفاعًا عن السعودية، أو أن الحلف قادر حاليًا على تقديم ما توفره الولايات المتحدة من قدرات عسكرية واستخبارية ودفاع جوي.
ويرى حمزاوي أن “حلف مكة” يعكس أحد مسارين تتبعهما السعودية في إعادة ترتيب أمنها: التحالفات الثنائية والثلاثية من جهة، وترتيبات الأمن الجماعي الأوسع من جهة أخرى. والسعودية، بحسبه، تتحرك في المسارين معًا.
ويقول إن الاتفاق دفاعي بالأساس لحماية الأراضي والمنشآت السعودية، وليس إطارًا للتورط في الحرب اليمنية.
ويشير إلى أن هناك قوات باكستانية بالفعل على الأراضي السعودية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن تركيا أو باكستان مستعدتان للانجرار إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران أو الحرب في اليمن.
ويشارك بليتنيك هذا التقييم، إذ يرى أن الاتفاق ما زال حديث العهد ولم تكتمل تفاصيله التنفيذية.
فالسعودية وتركيا وباكستان تعرف جميعها حدود ما يمكن أن يقدمه الحلف، ولذلك صُمم بالأساس كمنظومة دفاعية لحماية الأراضي والحدود والمنشآت السعودية، وليس كتحالف هجومي لخوض حرب مفتوحة في اليمن.
وبحسب بليتنيك، حتى تطور الحلف وازدياد قدراته لا يعني بالضرورة أن الرياض وجدت بديلًا لواشنطن.
إسرائيل.. هل تصبح جزءًا من إعادة حسابات السعودية؟
“في النهاية، كل الطرق تؤدي إلى إسرائيل”، يقول بليتنيك.
فبحسبه، كلما شعرت السعودية بأن المظلة الأمنية الأمريكية لم تعد كافية، ازدادت أهمية العلاقة مع إسرائيل في الحسابات الأمريكية؛ إذ يمكن أن يشكل التطبيع مع الرياض جزءًا من إعادة ترتيب الأمن الإقليمي وربط السعودية بإسرائيل في شبكة أوسع من الشراكات في مواجهة إيران.
وهذه الفكرة ليست جديدة. فمنذ سنوات، سعت الإدارات الأمريكية إلى دفع السعودية نحو اتفاق تطبيع مع إسرائيل، ضمن حزمة تشمل ضمانات أمنية أمريكية وتعاونًا نوويًا مدنيًا ومكاسب أخرى للرياض.
ويرى ميلر أن ولي العهد السعودي كان حريصًا على تعزيز موقع المملكة كشريك رئيسي لواشنطن، لكنه لم يكن مستعدًا لتقديم التطبيع مع إسرائيل باعتباره ثمنًا مباشرًا للعلاقة مع الولايات المتحدة.
وفي هذا السياق، يرتبط أحد الملفات المطروحة على الطاولة بالتعاون النووي المدني. فقد سعت واشنطن والرياض إلى وضع إطار قانوني للتعاون طويل الأمد في مجال الطاقة النووية، فيما يرتبط مستقبل هذا التعاون بحزمة أوسع من التفاهمات بين البلدين، بينها الملف الأمني والعلاقة مع إسرائيل.
ويحتاج أي اتفاق من هذا النوع إلى التعامل مع الكونغرس وفق القواعد الأمريكية المنظمة للتعاون النووي، ما يضيف عاملًا سياسيًا إلى حسابات الصفقة، خصوصًا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
وفي سبتمبر/أيلول، كشفت تقارير عن اجتماع سري في ألمانيا ضم رؤساء أركان الولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية ودولًا عربية أخرى، لبحث الحرب مع إيران والتوترات الأمنية في المنطقة، من دون إعلان رسمي من الحكومات المشاركة.
كما ظهرت تقارير إسرائيلية عن لقاءات بين مسؤولين سعوديين وإسرائيليين خلال زيارة بنيامين نتنياهو إلى الإمارات، لكن مسؤولًا سعوديًا بارزًا نفى ذلك، فيما صححت “يديعوت أحرونوت” تقريرها الأول وقالت إنها لم تتمكن من تأكيده.
ومن الجانب الإسرائيلي، يرى تشاك فريليخ، نائب مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق والأستاذ في جامعتي كولومبيا وتل أبيب، أن حاجة السعودية إلى تنويع شراكاتها الأمنية تفتح مجالًا لدور إسرائيلي أكبر، خصوصًا أن البلدين ينظران إلى إيران باعتبارها خصمًا مشتركًا.
ويرى فريليخ أن إسرائيل، على خلاف الولايات المتحدة، لا تستطيع ببساطة مغادرة المنطقة، لأن الصراع مع إيران يرتبط بالنسبة إليها بأمنها الوجودي، ما يجعلها شريكًا محتملًا في بعض الملفات، خصوصًا الدفاع الجوي والصاروخي.
ويشير فريليخ إلى أن التقارب الإسرائيلي-السعودي لا يقتصر بالضرورة على التطبيع العلني، إذ يمكن أن تسبق العلاقات الأمنية والسياسية غير المعلنة الإعلان الرسمي، كما حدث مع دول عربية أخرى.
لكن حمزاوي يرى أن هذا الطرح يواجه عقبة سياسية أساسية، إذ إن السعودية، بعد أن ربطت التطبيع بموقف واضح من القضية الفلسطينية، قد لا تستطيع ببساطة التراجع عن هذا الموقف.
ومن الجانب السعودي، يرى اليامي أن توسيع قنوات التواصل مع مختلف الأطراف لا يعني التخلي عن الثوابت السعودية، وأن أي تطور في العلاقة مع إسرائيل سيظل مرتبطًا بالحسابات الأوسع للرياض وبالشروط التي تضعها المملكة أمام أي تطبيع.
صدر الصورة، Getty Images
مستقبل العلاقة
السنوات الماضية أظهرت للرياض أن حسابات واشنطن يمكن أن تتغير مع تغير الإدارات وأولوياتها، ما يجعل الاعتماد الكامل على الضمانات الأمريكية أكثر صعوبة.
ميلر، الذي عمل في وزارة الخارجية الأمريكية خلال ست إدارات رئاسية، جمهورية وديمقراطية، يرى أن هذا التغير يعني أن السعودية تتعامل مع شريك ثابت في المصالح، لكنه متغير في حساباته وأولوياته.
أما بليتنيك، فيرى أن السعوديين أدركوا هذه الحقيقة بالفعل. فالمملكة تعاملت مع إدارة باراك أوباما، ثم دونالد ترامب، ثم جو بايدن، قبل أن تعود إلى ترامب، وهي تعرف أن أي إدارة أمريكية لا تستمر إلى الأبد، وأن عليها بناء علاقاتها على هذا الأساس. ولذلك، يرى بليتنيك أن السعوديين أصبحوا أكثر براعة في إدارة العلاقة والتكيف مع اختلاف الرؤساء وأولوياتهم.
وبحسب حمزاوي، لا يتعلق الخلاف بوجود الشراكة نفسها، وإنما بحدود الدور الذي تريد واشنطن أن تلعبه في كل أزمة. ومن هذه الزاوية، تبدو المسألة أوسع من إدارة أمريكية بعينها.
وهذا أحد أسباب اتجاه السعودية، بحسب فريليخ، إلى سياسة “التحوط” بدل البحث عن بديل واحد للولايات المتحدة، فالمملكة لا تستطيع الاستغناء عن واشنطن، لكنها لا تريد أيضًا أن تعتمد في كل أزمة على قرار أمريكي منفرد.
المصدر الأصلي: www.bbc.com




