اخبار لبنان

اعتكاف وزير الطاقة يفجّر أزمة الكهرباء: 300 مليون دولار مستحقات والدولة أمام اختبار حاسم

اعتكاف وزير

تصدّر ملف الكهرباء المشهد اللبناني في 6 تشرين الأول/أكتوبر 2026، بعدما أعلن وزير الطاقة والمياه جو صدّي تعليق مشاركته في جلسات مجلس الوزراء إلى حين اتخاذ الحكومة قرارات عملية تتعلق بمستحقات مؤسسة كهرباء لبنان، وتمويل الإعفاءات التي أقرتها الدولة، وضمان استمرار شراء الوقود والتغذية. وبذلك انتقلت أزمة الكهرباء من مشكلة تقنية ومالية مزمنة إلى خلاف واضح داخل مجلس الوزراء حول الجهة التي يجب أن تتحمل كلفة استمرار القطاع.

صدّي يعتكف عن الجلسات ولا يستقيل

أعلن صدّي خلال مؤتمر صحافي أنه سيعلّق، «في هذه المرحلة»، مشاركته في جلسات مجلس الوزراء إلى أن تتحمل الحكومة مسؤولياتها تجاه قطاع الطاقة وتتعامل مع المقترحات التي قدمتها الوزارة. وأكدت تقارير متقاطعة أن الخطوة لا تعني استقالته من وزارة الطاقة، وأن العمل اليومي والمشاريع الإصلاحية داخل الوزارة سيستمران.

وهذا التمييز أساسي لفهم الخطوة سياسياً: الوزير لم ينسحب من السلطة التنفيذية، بل استخدم مقاطعة جلساتها وسيلة ضغط للحصول على قرارات مالية وتنفيذية يعتبرها ضرورية لمنع المزيد من التراجع في التغذية.

القوات اللبنانية، التي سُمّي صدّي من حصتها الحكومية، ربطت موقفها أيضاً بالاعتراض على مشروع موازنة 2027 وبما تعتبره تحميل المواطنين أعباء إضافية ناجمة عن الفساد والسلاح، وفق ما نقلته «لوريان توداي».

300 مليون دولار على الدولة لكهرباء لبنان

في صلب المواجهة رقم بالغ الدلالة: نحو 300 مليون دولار.

بحسب صدّي، تبلغ المتأخرات المستحقة على الدولة والمؤسسات العامة لمصلحة كهرباء لبنان نحو 300 مليون دولار. ويقول الوزير إن المؤسسات العامة يجب أن تسدد فواتيرها كما يفعل المواطن، خصوصاً أن المؤسسة تحتاج السيولة لشراء الوقود والمحافظة على الحد الأدنى من الإنتاج.

وتشير المعطيات المنشورة عن المؤتمر إلى أن الدولة سدّدت دفعة بنحو 50 مليون دولار لشهر واحد قبل توقف انتظام التسديد. كما يطالب صدّي بأن تتحمل الخزينة كلفة الإعفاءات التي مُنحت للمناطق الجنوبية المتضررة من الحرب، بدلاً من تحميلها مباشرة لكهرباء لبنان ومؤسسات المياه.

المعادلة التي يطرحها الوزير بسيطة من الناحية المحاسبية: إذا قررت الدولة إعفاء مواطنين من فواتير مستحقة لأسباب اجتماعية أو مرتبطة بالحرب، فمن المفترض أن تتحمل الموازنة العامة كلفة هذا القرار حتى لا تتحول الإعفاءات إلى عجز إضافي لدى مؤسسة تحتاج أصلاً إلى السيولة لشراء الفيول.

لماذا تراجعت ساعات الكهرباء؟

المشكلة، وفق صدّي، لا تقتصر على الجباية. فالقدرة الإنتاجية المتاحة لا تغطي سوى نحو ثلث الطلب الوطني، بينما أدى ارتفاع أسعار الوقود إلى تقليص قدرة كهرباء لبنان على شراء الكميات التي كانت تتيح زيادة ساعات التغذية.

وقال الوزير إن كلفة الوقود المستورد تضاعفت تقريباً خلال الأشهر الستة الأخيرة، ما أدى إلى تراجع التغذية بعدما كانت قد ارتفعت في شباط. وتختلف بعض التغطيات في تحديد المستوى الذي بلغته آنذاك؛ لذلك الأدق تحريرياً تجنب تثبيت رقم واحد لساعات التغذية من دون العودة إلى بيانات كهرباء لبنان نفسها.

أما النتيجة بالنسبة إلى المواطن فهي مألوفة: كهرباء عامة لساعات محدودة، ثم انتقال إلى مولدات الأحياء الأعلى كلفة.

التعرفة المتحركة والهدر غير التقني

يرى صدّي أن الاستدامة المالية لا يمكن تحقيقها بالاستدانة أو بسلفات الخزينة بصورة دائمة، ويطرح الانتقال إلى تعرفة كهربائية متحركة تتكيف مع تغير أسعار الوقود عالمياً.

وبحسب عرضه، يمكن لهذه الآلية أن تخفض إجمالي الكلفة التي يتحملها اللبنانيون، لأن زيادة التغذية الرسمية تقلل الاعتماد على المولدات الخاصة الأكثر كلفة.

لكن تعديل التعرفة وحده لا يحل المشكلة.

فالقطاع يواجه أيضاً ما يُعرف بـ«الهدر غير التقني»، أي الطاقة المستهلكة التي لا تدخل بصورة سليمة في دورة الفوترة والتحصيل، ومن ضمنها الاستجرار غير الشرعي. لذلك فإن أي زيادة في الإنتاج من دون معالجة الجباية والهدر قد تعني عملياً شراء كميات أكبر من الوقود من دون الحصول على إيرادات تكفي لتمويل الدورة التالية.

وهنا تصبح مطالبة الإدارات والمؤسسات العامة بتسديد مستحقاتها اختباراً مباشراً لجدية الدولة: فمن الصعب مطالبة المواطن بالالتزام الكامل بالفاتورة فيما مؤسسات عامة تراكم مئات ملايين الدولارات من المتأخرات.

استثمارات مطلوبة… لكن المستثمرين يريدون ضمانات

الحل الطويل الأمد الذي تعرضه وزارة الطاقة يقوم بدرجة كبيرة على إدخال القطاع الخاص في بناء وتشغيل قدرات إنتاج جديدة.

وقال صدّي إن 24 شركة أبدت اهتماماً بالاستثمار في قطاع الطاقة، لكن المستثمرين يطلبون ضمانات مالية وأمنية قبل ضخ رؤوس الأموال. كما أشار إلى العمل على تراخيص طاقة الرياح ومسارات لاستجرار الغاز والكهرباء إقليمياً.

وهذا يضع لبنان أمام مشكلة تتجاوز وزارة الطاقة: المستثمر الذي سيموّل محطة إنتاج لعقود يحتاج إلى ضمان قدرته على بيع الكهرباء وتحصيل أمواله ضمن بيئة مالية وقانونية مستقرة.

أي أن إصلاح الكهرباء لم يعد مسألة «تأمين فيول» فقط، بل بات مرتبطاً بقدرة الدولة نفسها على تقديم ضمانات قابلة للتنفيذ.

المحروقات تضغط على الكهرباء والمواطن معاً

ارتفاع أسعار الوقود يضرب طرفي المعادلة في الوقت نفسه: فهو يرفع كلفة إنتاج كهرباء لبنان، كما يزيد فاتورة المولدات والنقل على الأسر والشركات.

وكان صدّي قد أعلن قبل أيام أنه سيطالب بإلغاء أو تعليق رسم الـ300 ألف ليرة المفروض على المحروقات حتى نهاية العام، معتبراً أن ارتفاع أسعار النفط عالمياً لا يسمح بتحميل المستهلك أعباء إضافية.

لذلك لا يمكن فصل النقاش حول تعرفة الكهرباء عن أسعار المحروقات. فعندما ترتفع كلفة الفيول ولا تتغير التعرفة ولا تتحسن الجباية، تنخفض قدرة المؤسسة على الشراء. وعندما تنخفض التغذية، يشتري المواطن كمية أكبر من كهرباء المولدات.

إنها حلقة مالية مغلقة يدفع المستهلك كلفتها في الحالتين.

الاعتكاف يضع الحكومة أمام اختبار عملي

خطوة صدّي لا تعني أن أزمة الكهرباء أصبحت أزمة حكومية مفتوحة، لكنها تضع مجلس الوزراء أمام استحقاق محدد: هل ستُسدد المتأخرات وتُغطى الإعفاءات وتُتخذ قرارات تمويلية تسمح للمؤسسة بالمحافظة على التغذية، أم تستمر إدارة القطاع من خلال حلول مؤقتة؟

المفارقة أن مقاطعة الوزير للجلسات تعني أيضاً غياب وزير القطاع عن الطاولة التي يجب أن تتخذ هذه القرارات. ولهذا فإن فاعلية الاعتكاف ستقاس بالنتيجة وليس بالإعلان نفسه.

إذا دفعت الدولة جزءاً من مستحقاتها من دون معالجة الجباية والهدر والاستثمار في الإنتاج، فإن الأزمة ستعود بعد استهلاك دفعات الوقود الجديدة. وإذا رُفعت التعرفة من دون زيادة ملموسة في التغذية، سيشعر المواطن بأنه يدفع فاتورة أعلى مقابل الخدمة نفسها.

أما زيادة الإنتاج من دون نموذج مالي قابل للاستمرار فستعيد كهرباء لبنان إلى الاعتماد على الخزينة.

ملف المرفأ يعود بالتوازي إلى الواجهة

بعيداً عن الكهرباء، يتحرك ملف انفجار مرفأ بيروت مجدداً مع اقتراب التحقيق من مرحلة شديدة الحساسية.

وتشير معلومات منشورة في مطلع تشرين الأول إلى أن المحقق العدلي القاضي طارق البيطار يقترب من إصدار القرار الاتهامي بعد تسلمه مطالعة النيابة العامة التمييزية، وهي وثيقة قيل إنها تقارب 200 صفحة.

وهنا يجب التمييز بين مسارين: إصدار القرار القضائي من جهة، والقدرة على تنفيذ الإجراءات والمذكرات المرتبطة بالقضية من جهة ثانية. تجربة السنوات الماضية أظهرت أن العائق في ملف المرفأ لم يكن قضائياً حصراً، بل تداخلت فيه النزاعات القانونية والسياسية والحصانات والاعتراضات على صلاحيات المحقق العدلي.

لذلك فإن الاختبار الحقيقي للمرحلة المقبلة سيكون في ما يحدث بعد الانتقال من التحقيق إلى القرار الاتهامي والمسار القضائي اللاحق.

من الكهرباء إلى المرفأ… المشكلة في قدرة الدولة على التنفيذ

تبدو الملفات اللبنانية متباعدة ظاهرياً: كهرباء، موازنة، حرب، تحقيق المرفأ، استثمارات وطاقة.

لكن خيطاً واحداً يجمعها: قدرة الدولة على تحويل القرار إلى تنفيذ.

في الكهرباء، لا تكفي مطالبة المؤسسات العامة بتسديد 300 مليون دولار إذا لم تُحدد آلية الدفع.

ولا تكفي تعرفة جديدة إذا بقي جزء كبير من الطاقة خارج دورة الجباية.

ولا يكفي الإعلان عن اهتمام عشرات المستثمرين إذا بقيت الضمانات المالية والأمنية غائبة.

وفي القضاء، لا تكفي المذكرات والقرارات إذا تعذر تنفيذ الإجراءات التي تترتب عليها.

أما بالنسبة إلى المواطن، فالاختبار أكثر بساطة بكثير: عدد ساعات الكهرباء التي تصل إلى منزله، والفاتورة الإجمالية التي يدفعها لكهرباء لبنان والمولد الخاص.

لهذا فإن اعتكاف جو صدّي سيكون ورقة ضغط محدودة الزمن. نجاحها لن يُقاس بعدد جلسات مجلس الوزراء التي يغيب عنها، بل بما إذا كانت ستنتج سداداً فعلياً لمستحقات كهرباء لبنان، وتمويلاً واضحاً للإعفاءات، وآلية قابلة للاستمرار لشراء الوقود، وخطة عملية لمعالجة الهدر وزيادة الإنتاج.

وإلى أن يتحقق ذلك، ستبقى أزمة الكهرباء تدور في الحلقة نفسها: وقود أغلى، إنتاج أقل، جباية غير مكتملة، مولدات خاصة أكثر حضوراً، ومواطن يدفع كلفة قطاعين للحصول على خدمة لا تزال دون حاجات البلاد.

wakalanews.com — متابعة الخبر

فريق التحرير

فريق التحرير المسؤول عن إعداد ومراجعة المحتوى المنشور عبر أنظمة الموقع الآلية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى