صحافة

أميركا تمسك بصواريخ الخليج: الدفاع الجوي ورقة ابتزاز سياسي

أميركا تمسك

تملك الولايات المتحدة قدرة على التأثير في أمن الخليج بعدة طرق، إحداها قدرتها على ضمان استمرار عمل منظومات الدفاع الجوي التي تعتمد عليها هذه الدول. حتى لو أنها تمتلك بطاريات باتريوت وثاد وغيرها من الأنظمة المتطورة فهذا لا يحسم فعاليتها خلال حرب طويلة، خصوصا في ظل استنزاف الصواريخ الاعتراضية، بعد أن أصبحت الدول المتضررة مضطرة إلى انتظار قرار أميركي بشأن توقيت إعادة تزويدها بالذخائر.

تحتفظ واشنطن، بذلك، بأداة نفوذ تتجاوز بيع الأسلحة وتدريب القوات. فهي تؤثر في شروط تشغيل جزء أساسي من القدرات الدفاعية الخليجية واستدامتها، وتستطيع الاستفادة من محدودية المخزونات لتحديد أولويات التوريد وفق حساباتها العسكرية والسياسية. فمن يحصل على الصواريخ الاعتراضية أولاً، ومن ينتظر، وما الذي يتعين عليه تقديمه لضمان استمرار الحماية؟

نقطة الضغط الأميركية

كشفت الحرب مع إيران عن أهمية الإمدادات في تحديد قدرة دول الخليج على مواصلة الدفاع عن أجوائها. ووفق مقال لإريك ألتر نشره في مجلة “ناشونال إنترست”، تحملت الإمارات أكثر من نصف الصواريخ والطائرات المسيّرة التي استهدفت دول الخليج بعد بدء الحرب على إيران في 28 شباط/فبراير، فيما استُنزفت مخزونات أميركية من الذخائر الاعتراضية. ويقدّر الكاتب أن القوات الأميركية استهلكت نحو ثلثي صواريخ باتريوت الاعتراضية ونصف صواريخ ثاد، وأن تعويض هذه المخزونات قد يستغرق سنوات.

تكمن المشكلة في أن الدفاع الجوي لا يعتمد على منصات الإطلاق وحدها. ففاعلية المنظومات ترتبط بتوافر الصواريخ الاعتراضية، والإنذار المبكر، والرادارات، والاتصالات الآمنة، والصيانة وقطع الغيار. وتحتاج الدول إلى تعويض الذخائر المستهلكة بصورة مستمرة، فيما لا تستطيع المصانع زيادة إنتاجها بالسرعة نفسها التي فرضتها الحرب الواسعة وتعرضت خلالها الدول الخليجية لاستهدافات متزامنة.

سلّم الأولويات: “إسرائيل” والإمارات والسعودية

تتأثر قرارات التوريد بعوامل عديدة، أبرزها أهمية الدولة ومكانتها في الاستراتيجية الأميركية، وحجم التهديد الذي تواجهه، وموقع القوات الأميركية على أراضيها، ودرجة التعاون العملياتي، والالتزامات السياسية والعسكرية المتبادلة – أي المصالح-.

تحتل “إسرائيل” موقعاً متقدماً في الشراكة الدفاعية الأميركية، بفضل التعاون الممتد في تطوير منظومات الاعتراض وإنتاجها وتمويلها. وفي 8 تشرين الأول/أكتوبر 2026، أُعلن تسليم أول صاروخ اعتراضي من طراز “تامير”، الخاص بمنظومة القبة الحديدية، صُنع وجُمّع بالكامل في الولايات المتحدة، إلى الجانب الإسرائيلي. ما يعكس توسيع القدرة الصناعية الأميركية المخصصة لهذه المنظومة وتعزيز التعاون الإنتاجي بين الطرفين.

كما تظهر الإمارات والبحرين بالاستناد إلى عدة تقارير أميركية باعتبارهما من الدول التي ينبغي أن تحظى بالأولوية في الإمدادات والإنتاج المشترك، نظراً إلى حجم الاستهدافات التي تعرضتا لها وتعاونهما مع واشنطن. على مبدأ: الدول التي تحملت المخاطر إلى جانب الولايات المتحدة ينبغي أن تحصل على موقع متقدم في ترتيب التوريد. كما تشير عدة معلومات إلى أن الإمارات طورت شبكة دفاع جوي وطنية تربط منظومات أميركية وكورية جنوبية وغيرها، بما يعزز قدرتها على دمج مصادر متعددة في صورة عملياتية واحدة.

أما السعودية، فتقدم حالة أكثر تعقيداً. فهي شريك رئيسي لواشنطن، وتملك أهمية استراتيجية مرتبطة بموقعها الجغرافي وثقلها السياسي والاقتصادي وعلاقاتها العسكرية الممتدة. غير أن الرياض تسعى في الوقت نفسه إلى توسيع هامش قرارها، وتنويع علاقاتها الدفاعية، والاحتفاظ بقنوات اتصال مع أطراف معادية لأميركا وهذا ما لا يتطابق مع الأولويات الأميركية.

وينطبق الأمر على قطر والكويت وسائر دول الخليج، التي تختلف مواقعها بحسب طبيعة علاقاتها العسكرية بواشنطن، ووجود القواعد الأميركية، وحجم التهديدات التي تواجهها، واحتياجاتها الفعلية من الذخائر.

السعودية: الحماية مقابل الالتزامات

يقدم المقال الذي نشره ألتر مؤشراً مهماً على إمكانية استخدام الإمدادات العسكرية في الضغط على الرياض. فبحسبه، أقر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في الأول من أيار/مايو صفقة أسلحة بقيمة 25.8 مليار دولار ل”إسرائيل” والبحرين والكويت وقطر والإمارات، من دون إدراج السعودية في القائمة المذكورة. وبعد أيام، قيّدت السعودية والكويت وصول القوات الأميركية إلى بعض المواقع، فيما أفادت صحيفة “وول ستريت جورنال” بأن البيت الأبيض لوّح بحجب إمدادات الصواريخ الاعتراضية عن السعودية، قبل أن تعيد الرياض إتاحة الوصول.

ماذا تريد واشنطن في المقابل؟

لا تقتصر المصالح الأميركية على بيع الصواريخ الاعتراضية أو استرداد تكاليف إنتاجها. فالعلاقة الدفاعية تمنح واشنطن نفوذاً في ترتيبات الأمن الإقليمي، وتساعدها على إبقاء شركائها ضمن شبكة من التعاون العسكري والتقني والاستخباري تحد من قدرة منافسيها على توسيع حضورهم.

أول ما تريده الولايات المتحدة هو استمرار الوصول إلى القواعد والأجواء والتسهيلات التي تحتاج إليها قواتها. فهذه المواقع تؤثر في قدرتها على الانتشار ومراقبة المنطقة وتنفيذ العمليات ودعم القوات. ومن ثم، فإن أي قيود تفرضها دولة مضيفة على الوصول الأميركي قد تتحول إلى خلاف يتجاوز المسائل الإجرائية، ويطال حسابات واشنطن العملياتية.

وتريد واشنطن أيضاً الحفاظ على التكامل بين منظومات الإنذار المبكر والدفاع الجوي، وتبادل المعلومات، وضمان حماية قواتها والمنشآت المرتبطة بها. وكلما ازداد اعتماد الشركاء على أنظمة مترابطة تقنياً وعملياتياً مع القوات الأميركية، ازدادت أهمية استمرار التنسيق مع واشنطن، حتى عندما تمتلك تلك الدول بطاريات دفاع جوي وطنية.

وتشكل الشراكات مع الصين وروسيا مصدر قلق إضافياً للإدارة الأميركية. فوجود رادارات أو أفراد أو تقنيات أجنبية بالقرب من أنظمة أميركية حساسة قد يثير مخاوف تتعلق بجمع المعلومات عن قدرات القوات الأميركية وتكتيكاتها. ويشير ألتر إلى هذه المخاوف في سياق العلاقات الدفاعية السعودية مع باكستان وتركيا، ويدعو إلى ربط بعض صفقات الأسلحة المتقدمة وضمانات تشغيلها بالتزامات تحد من وصول الأطراف الأخرى إلى المواقع والتقنيات الحساسة.

أما التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، فيمثل بالنسبة إلى واشنطن مكسباً سياسياً يمكن أن يؤثر في استعداد الكونغرس لدعم صفقات أسلحة متقدمة للسعودية. وبات الإعلام الأميركي يرى أن جعل التطبيع شرطاً مسبقاً لكل تعاون أمني مع الرياض لا يحقق بالضرورة النتائج المرجوة في ظل مواقف الحكومة الإسرائيلية واستمرار أزمة غزة، ويقترح التعامل معه بوصفه “مكسباً إضافياً يمكن أن تحصل عليه السعودية عندما تكون مستعدة له”.

تمنح هذه العلاقة الولايات المتحدة مكاسب اقتصادية واستراتيجية متداخلة. فعقود السلاح تخلق طلباً طويل الأمد على الذخائر. كما أن استمرار الاعتماد على الأنظمة الأميركية يعزز موقع الشركات الأميركية في سوق الدفاع الخليجية، ويجعل التحول إلى منظومات بديلة عملية مكلفة تحتاج إلى وقت واستثمارات وتدريب إضافي.

على المستوى الاستراتيجي، يساعد هذا الاعتماد واشنطن على إبقاء نفسها في مركز التخطيط الأمني الإقليمي، والحد من قدرة الصين وروسيا على بناء علاقات دفاعية بديلة مع دول الخليج. وتصبح الإمدادات العسكرية، في هذا السياق، جزءاً من شبكة نفوذ تشمل القواعد والتكنولوجيا والمعلومات والتعاون العملياتي، لا مجرد تجارة بين منتج للسلاح ومشترٍ له.

لكن الإفراط في استخدام هذه الورقة قد يأتي بنتائج معاكسة. لأن التهديد بحجب الصواريخ الاعتراضية يجعل السعودية وغيرها من دول الخليج تبحث عن البديل ويوضح لها خطر الارتهان لمصدر خارجي واحد. وقد يدفع ذلك إلى توسيع مشتريات الأنظمة الكورية الجنوبية أو الصينية، والاستثمار في الصناعات الدفاعية المحلية، وتنويع مصادر الذخائر.


المصدر الأصلي: alkhanadeq.com

wakalanews.com — متابعة الخبر
المصدر:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى