صحافة

الشراكة الهندية ـ الإسرائيلية: نيودلهي تدين الحرب في البريكس وتغذّيها من موانئها

الشراكة الهندية

في 12 أيلول/سبتمبر، ترأست الهند قمة «بريكس» في عاصمتها ووقّعت إعلان نيودلهي، الذي أدانت فقراته الخاصة بغزة التجويع بوصفه أسلوباً من أساليب الحرب، وعارضت التهجير القسري للفلسطينيين، واستندت إلى التدابير المؤقتة التي أمرت بها محكمة العدل الدولية في دعوى الإبادة الجماعية المرفوعة من جنوب أفريقيا. وقد رحّبت الخارجية الفلسطينية بالإعلان، لكنها شددت على أن الكلمات يجب أن تتبعها خطوات عملية. غير أن هذا الموقف يأتي بعد سبعة أشهر فقط من وقوف ناريندرا مودي في الكنيست معلناً أن الهند تقف إلى جانب إسرائيل «بحزم وبكامل قناعتها»، وفي اليوم التالي تحولت إلى «شراكة استراتيجية خاصة» قوامها التطوير والإنتاج المشتركان ونقل التكنولوجيا الدفاعية. وهكذا يتعايش في السياسة الهندية خطابان متناقضان: مسافة دبلوماسية من سلوك إسرائيل في غزة، وعلاقة عسكرية تزداد عمقاً معها.

شراكة تسليحية تجاوزت حدود الشراء

منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية الكاملة عام 1992، شكّل السلاح المحرك الأساسي للعلاقة بين الطرفين. فالهند، ثاني أكبر مستورد للأسلحة الرئيسية في العالم بين 2021 و2025، حصلت على 15 في المئة من وارداتها من “إسرائيل”، وهي في المقابل أكبر زبون لها، إذ استحوذت على 29 في المئة من صادراتها، بحسب معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام. ولا تقتصر أهمية هذه الطلبات على قيمتها التجارية، فقد أقرّ مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق مئير بن شبات بأنها تساعد في تمويل البحث والتطوير اللذين يعتمد عليهما الجيش الإسرائيلي. وفي شباط/فبراير الماضي، تحدثت تقارير عن صفقات جديدة بنحو 8.6 مليارات دولار لسلاح الجو الهندي، تشمل قنابل موجهة وصواريخ باليستية وجوالة، في حين خلت القائمة الرسمية لنتائج زيارة مودي من أي عقد تسليح، واكتفت بذكر الذكاء الاصطناعي والتعاون السيبراني وحصة تصل إلى 50 ألف عامل هندي يسدّون الفراغ الذي خلّفه تقليص تصاريح العمال الفلسطينيين.

وتنتشر الأنظمة الإسرائيلية اليوم في مختلف أفرع الجيش الهندي، من صواريخ Barak 8 ومنظومة SPYDER إلى مسيّرات Heron ورادارات Phalcon، وقد استخدمت نيودلهي ذخائر Harop وصواريخ Rampage ضد باكستان في أيار/مايو 2025، وهو ما يفسّر ضعف رغبتها في فرض حظر على غرار ما فعلته حكومات أوروبية. لكن التحول الأبرز هو انتقال الهند من الشراء إلى التصنيع. ففي حيدر أباد، يجمّع مشروع مشترك بين «أداني» و«إلبيت» طائرات Hermes 900 التي يشغّلها الجيش الإسرائيلي فوق غزة، وقد أفادت تقارير بأنه باع أكثر من عشرين طائرة منها إلى إسرائيل. وتملك المجموعة نفسها مشروعاً مشتركاً ثانياً مع مصنّع بندقية Tavor، وتسيطر منذ 2023 على ميناء حيفا. أما على المستوى الرسمي، فقد ترسخت العلاقة بمذكرة للتطوير والإنتاج المشتركين وُقّعت في تل أبيب في تشرين الثاني/نوفمبر 2025.

صادرات إلى مصانع الحرب وسجلّ مغلق

في الاتجاه المعاكس، تتدفق سلع عسكرية هندية إلى إسرائيل في ذروة الحرب. فقد صنّف تحليل أجرته «الجزيرة» لبيانات الواردات الإسرائيلية الهند في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة كمصدر للسلع ذات الصلة بالقطاع العسكري، بحصة تقارب 26 في المئة. ثم جاء تقرير منظمة العفو الدولية «صنع في الهند» في 30 تموز/يوليو ليوثّق 2596 شحنة بين تشرين الأول/أكتوبر 2023 وتشرين الثاني/نوفمبر 2025، تضمنت نحو 565 ألف جزء من الذخائر المتفجرة، كرؤوس المسيّرات الحربية وأغلفة قذائف المدفعية، وأكثر من 390 ألف مكوّن للأسلحة الخفيفة. والأخطر أن ثلاثة من المصدّرين التسعة مملوكون للدولة الهندية، وأن أحدهم شحن ألف قذيفة مدفعية عيار 155 ملم إلى «إلبيت»، ما دفع المنظمة إلى القول إن الهند تزوّد إسرائيل بالسلاح عبر شركات تملكها وتسيطر عليها، وإنها تخاطر بالتواطؤ في انتهاكات القانون الدولي، وإن لم تقضِ أي محكمة بذلك حتى الآن.

في المقابل، اكتفت الحكومة الهندية بردّ مقتضب يتحدث عن «إطار قانوني وتنظيمي قوي»، من دون التطرق إلى الشحنات نفسها. ودافع مركز أبحاث تموّله وزارة الدفاع بأن الهند ليست من كبار موردي الأسلحة الرئيسية لإسرائيل، مستنداً إلى فئة أضيق من تلك التي اعتمدتها «الجزيرة»، فيما قدّر اللواء المتقاعد شاشي بوشان أستانا أن نحو 39 في المئة فقط من الشحنات عسكرية الطابع، وأن عقوداً كثيرة أُبرمت قبل الحرب. غير أن جوهر المشكلة يكمن في ما أشار إليه السفير السابق ك. سي. سينغ: سجلات الجمارك لا تثبت وصول جزء هندي إلى غزة، لكن نيودلهي لا تنشر ما ينفي ذلك أيضاً، إذ تُبقي تراخيص التصدير وضمانات الاستخدام النهائي طيّ الكتمان، فلا يُعرف من وافق على الشحنات ولا ما تعهّد به المشترون الإسرائيليون.

وهنا تتضح حدود الموقف الهندي. فبينما أوقفت إسبانيا وسلوفينيا وهولندا تجارة السلاح مع إسرائيل أو قيّدتها، عمّقت نيودلهي الإنتاج المشترك، مع أنها تملك، بوصفها أكبر زبون للسلاح الإسرائيلي، ورقة ضغط لا يملكها غيرها. وهي بذلك تؤيد في عام واحد نصّين متناقضين: إدانة التجويع في عاصمتها، والتعهد في القدس بتعزيز التعاون الدفاعي مع الدولة المتهمة بممارسته. ويُضعف هذا الصمت ادعاءها التحدث باسم الجنوب العالمي، وهي التي تتقرب من عواصم عربية تؤمّن لها الطاقة وتشغّل ملايين من عمالها. وحين خاطب وزير خارجيتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 26 أيلول/سبتمبر، تحدث عن حل الدولتين والمساعدات للفلسطينيين، وتجاهل تجارة السلاح كلياً.

قد تواصل الهند الجمع بين العلاقة مع “إسرائيل” وتأييد فلسطين كما فعلت حكوماتها المتعاقبة، لكن صدقية هذا التأييد باتت رهن ما تكشفه عن صادراتها. فنشر التراخيص وشروط الاستخدام النهائي هو الحد الأدنى، والانضمام إلى معاهدة تجارة الأسلحة أو تعليق الشحنات إلى المصنّعين الإسرائيليين خطوتان أبعد لم تعلن نيودلهي أياً منهما. وإلى أن تفعل، سيبقى دعمها لفلسطين موثقاً في البيانات، وسلاحها موثقاً في سجلات الموانئ.


المصدر الأصلي: alkhanadeq.com

wakalanews.com — متابعة الخبر
المصدر:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى