أزمة تكامل لا أزمة تسليح: تشريح قصور الدفاع الجوي السعودي

مع تصاعد الحرب في اليمن، وسّع أنصار الله نطاق هجماتهم الصاروخية على المنشآت الحيوية السعودية ضمن معادلة “الحصار بالحصار“، وحققوا إصابات مباشرة كشفت عجز الدفاعات الجوية السعودية عن التصدي لأخطر الضربات. وفي مقدمة هذه الضربات الهجوم الذي استهدف مطار الملك خالد الدولي في الرياض في العاشر من تشرين الأول، وأوقع خسائر بشرية ومادية. ونقلت صحيفة فايننشال تايمز عن مصادر مطلعة أن هذه الدفاعات لم تستطع مجاراة التبدل السريع في تكتيكات الهجمات الصاروخية والمسيّرات الانقضاضية. وأضافت المصادر أن استنزاف مخزونات الاعتراض في المنطقة بعد أشهر من القصف الإيراني زاد من صعوبة حماية أراضي المملكة الشاسعة. واللافت أن هذا الإخفاق جاء رغم إنفاق دفاعي بلغ 83 مليار دولار في العام الماضي وفق معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، ذهب الجزء الأكبر منه إلى الدفاع الجوي، من دون أن ينجح في تأمين المنشآت الحيوية والقواعد العسكرية.
ترسانة ضخمة متعددة الطبقات
تمتلك السعودية واحدة من أكبر منظومات الدفاع الجوي والصاروخي في الخليج والعالم، وهي مبنية على طبقات متعددة. تديرها القيادة العامة في الرياض عبر ست مجموعات رئيسية موزعة على قطاعات المملكة، ويرتبط كل منها بمركز عمليات دفاع جوي متصل بمركز القيادة الرئيسي. وفي عام 2026 دُمجت القوات الجوية وقوات الدفاع الجوي في كيان جديد هو “القوة الجوية والفضائية الملكية السعودية”، بهدف توحيد الطيران والدفاع الجوي والاستشعار والفضاء وأنظمة المعلومات تحت قيادة واحدة. ويزيد عدد عناصر الدفاع الجوي على 23 ألف جندي وفق بعض المصادر، يشغّلون أنظمة عالية الارتفاع وأخرى متوسطة لمواجهة الصواريخ البالستية والجوالة، إلى جانب أنظمة قصيرة المدى للتصدي للمسيّرات والتهديدات المنخفضة.
وتستند هذه المنظومة إلى شبكة “درع السلام” (Peace Shield) للرادار والقيادة والسيطرة. تضم الشبكة مركزاً رئيسياً في الرياض ومراكز تشغيل في الظهران والطائف وتبوك وخميس مشيط والخرج، وتدعمها رادارات بعيدة المدى من طراز AN/FPS-117، وخمس طائرات إنذار مبكر من طراز E-3A AWACS ، وطائرتان من طراز SAAB 2000 Erieye. أما على مستوى الاعتراض، فتمتلك المملكة بطارية THAAD واحدة وسبع بطاريات أخرى قيد التسليم. وتشير بيانات المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية لعام 2023 إلى نحو 108 منصات إطلاق Patriot موزعة على ست كتائب، يضاف إليها عقد لشراء عشر بطاريات كورية جنوبية من طراز KM-SAM Block-II بقيمة 3.2 مليار دولار. وتضم الطبقة القصيرة المدى 128 منصة Hawk مطوّرة، و40 نظام Crotale و141 وحدة من نسخته المحلية “شاهين”، و400 نظام Avenger. ويكمل هذه الطبقة مدفعية Vulcan و Oerlikon ، وصواريخ Stinger المحمولة، والنظام الليزري الصيني Silent Hunter. وفي كانون الثاني 2026 طلبت الرياض من واشنطن شراء 730 صاروخاً من طراز PAC-3 MSE.
مظلة غربية لم تسدّ الثغرات
لا تعمل هذه المنظومة منفردة، إذ ترتبط بالقيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) عبر تبادل المعلومات الاستخباراتية والإنذار المبكر وتنسيق إجراءات الاعتراض، كما تنتشر على أراضي المملكة أكثر من بطاريتي Patriot أمريكيتين. وفي الأسابيع الأخيرة شُكّلت قيادة قوات مشتركة تدير شبكة الدفاعات السعودية والحليفة. تضم هذه الشبكة بطارية Patriot يونانية متمركزة في ينبع منذ سنوات، ووحدة فرنسية لحماية ميناء ينبع ومجمعه النفطي على البحر الأحمر، وبطارية SAMP/T إيطالية، وبطارية Sky Sabre بريطانية أُعلن نشرها في آذار 2026. ويضاف إليها طائرة تزويد بالوقود بريطانية من طراز Voyager مخصصة لمهام التصدي للصواريخ والمسيّرات، ووحدة باكستانية تشغّل منظومة HQ-9/P الصينية في قاعدة الملك عبد العزيز الجوية.
غير أن هذا الحشد المتعدد الجنسيات لم يمنع الصواريخ اليمنية من بلوغ أهدافها. فقد اعترضت الدفاعات السعودية أعداداً كبيرة من الصواريخ والمسيّرات خلال سنوات الحرب، لكن تنوّع الأسلحة وتوزيع الضربات على أنحاء متفرقة من المملكة كشفا عن استراتيجية يمنية تقوم على الاستنزاف وتشتيت قدرات الدفاع. وأثبتت الضربات أن امتلاك منظومات متقدمة لا يضمن نجاح الاعتراض. ويرى بعض المحللين أن الأزمة هي أزمة تكامل بين الوحدات وعناصر الدفاع أكثر منها أزمة تسليح.
ستة أسباب للقصور
يمكن ردّ هذا القصور إلى ستة عوامل متشابكة، أولها اتساع الجغرافيا. فمنظومات الدفاع الصاروخي صُممت لحماية نقاط محددة، لا لتشكيل قبة متصلة فوق بلد تبلغ مساحته نحو 2.15 مليون كيلومتر مربع، وله ساحل يمتد نحو 2640 كيلومتراً، وحدود جنوبية مع اليمن طولها نحو 1307 كيلومترات تمنح القوات اليمنية عمقاً للإطلاق والمناورة. وتحتاج تغطية موقع واحد بمنظومة Patriot عادةً إلى رادار أو اثنين ونظامَي قيادة وأربع إلى ست قواذف. وهذا يضع القيادة السعودية أمام مفاضلة صعبة بين المواقع الحكومية والقواعد العسكرية والمنشآت النفطية والموانئ، في وقت باتت فيه مضطرة إلى توزيع منصاتها على ثلاثة محاور: اليمن جنوباً، وإيران شرقاً، والعراق شمالاً.
وثاني هذه العوامل استنزاف الذخائر الاعتراضية. تفيد التقارير بأن الدفاعات السعودية استهلكت نحو 86% من مخزونها البالغ 2800 صاروخ اعتراضي، وذلك خلال العدوان الأمريكي–الإسرائيلي على إيران وما رافقه من ردود إيرانية على القواعد الأمريكية في الخليج، ما أضعف قدرتها على التعامل مع الهجمات اللاحقة بالفاعلية المطلوبة.
وثالثها الهجمات المركبة. فضربة مطار الملك خالد لم تكن بصاروخ واحد، بل بدأت بموجة من المسيّرات الانقضاضية مهّدت الطريق لصواريخ جوالة وباليستية. وبذلك أُغرقت الشبكة بأهداف تتحرك بسرعات وارتفاعات ومسارات متباينة، وتحولت المسيّرات إلى أداة إشغال وتشويش تستهلك انتباه الرادار وقرار الاعتراض، فتفتح المجال أمام ما هو أسرع وأخطر.
ورابعها ضعف الإنذار المبكر. فشبكات الرصد لم تُصدر تحذيراً في الوقت المناسب، رغم أن المقذوفات قطعت أكثر من ألف كيلومتر قبل بلوغ الرياض. ويرجّح ذلك خللاً في التغطية الرادارية على المسارين الجنوبي والغربي، أو في تمييز الأهداف المنخفضة عن الضجيج الأرضي، أو في سرعة نقل البيانات إلى مراكز القرار وتنبيه المدنيين. ولا يستبعد بعض المراقبين احتمالاً من خارج الدائرة التقنية، هو ترك الهدف يُصاب لاستثماره إعلامياً واستدرار التعاطف، كما بدا بعد الهجوم.
وخامسها طبيعة الأسلحة اليمنية نفسها. فهناك صواريخ باليستية برؤوس مناورة تُربك حساب نقطة الاعتراض لدى Patriot ، وصواريخ كروز تطير منخفضة وتغيّر مسارها. وهناك مسيّرات صغيرة بطيئة ذات مقطع راداري ضئيل، تطير على ارتفاعات منخفضة وتحتمي بالتضاريس من رادارات صُممت أصلاً لرصد الطائرات الكبيرة والصواريخ البالستية.
أما سادسها فتعدّد شبكات المنظومات. فالرادارات ومراكز القيادة و Patriot و THAAD والأنظمة القصيرة المدى ومنظومات مكافحة المسيّرات لا تعمل ضمن دورة واحدة متكاملة تمتد من الرصد إلى التصنيف والتتبع والقرار والاعتراض وتقييم الضرر. لذلك يُرجَّح أن يكون الخلل في هجوم الرياض كامناً في الربط والإنذار واتخاذ القرار، لا في نقص القواذف أو الصواريخ الاعتراضية.
تكشف هذه المعطيات أن الدفاع الجوي السعودي، ومن ورائه المظلة الغربية، يواجه تحديات بنيوية يصعب تجاوزها بالكامل. فالجغرافيا مترامية، والمنشآت الحيوية تحتاج إلى حماية متزامنة، والمخزون الاعتراضي تحت ضغط متواصل. ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه أسواق السلاح الغربية طلباً مرتفعاً على الذخائر ومنظومات الدفاع الجوي، ما يحدّ من سرعة سدّ النقص على المدى المتوسط. واليمنيون لا يحتاجون إلى اختراق الدفاعات في كل هجمة، إذ يكفي أن تصيب ضربة أو اثنتان هدفاً استراتيجياً لتختلّ المعادلة الاقتصادية والعسكرية. ومع استمرار الصراع بوتيرته الحالية ستتراكم الأعباء على المملكة، وتبدو التسوية السياسية مع اليمنيين الخيار الأكثر حكمة للحد من الخسائر وتقليص الكلفة الأمنية والاقتصادية على المدى الطويل.
تنويه من موقع “wakalanews”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.





