هل تغير أوروبا سياستها الخارجية عقب حرب إيران؟
هل
لم تترك الحرب على إيران أوروبا كما كانت قبلها. فقد أعادت إلى الواجهة طبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة، وحدود قدرة الدول الأوروبية على اتخاذ قرارات مستقلة عندما تتعارض خيارات واشنطن مع مصالحها، فيما بدأت أوروبا تتحمل بصورة مباشرة أضرار الحرب وتداعياتها الاقتصادية والأمنية والسياسية. وبذلك، لم تعد الحرب بالنسبة إلى الأوروبيين أزمة تجري بمعزل عنهم، بل اختبارًا لطريقة ارتباطهم بالولايات المتحدة وبالمنظومة الأمنية التي قامت عليها علاقاتهم عبر الأطلسي لعقود.
تكشف المقارنة بين حرب العراق عام 2003 والحرب على إيران اختلافًا جوهريًا في موقع أوروبا السياسي. ففي العراق، كان الخلاف مع واشنطن واضحًا ومعلنًا، وانقسمت العواصم الأوروبية بين مؤيد للغزو ومعارض له. لكن ذلك الانقسام فتح نقاشًا أوسع حول الدور الذي تريد أوروبا أن تلعبه في العالم، وحول قدرتها على بناء سياسة خارجية تقوم على الدبلوماسية والتعددية والقانون الدولي. ومن هذا المناخ تطورت لاحقًا مسارات تفاوضية لعبت فيها أوروبا دورًا مهمًا.
لكن المشهد الحالي مختلف. لأن المشكلة داخل أوروبا اليوم تكمن في غياب القدرة على إيجاد الحلول والخروج بسلاسة من المظلة الأميركية التي أحكمت قبضتها في السنوات الأخيرة على أوروبا. فالحرب وضعت الحكومات الأوروبية أمام تناقض يصعب تجاوزه فرغم الاعتراف بالمخاطر القانونية والسياسية للحرب، لا تريد الاصطدام بواشنطن أو المساس بالتحالف الأمني الذي تعتمد عليه. لذلك ظهرت مواقف متباينة في لهجتها، من إسبانيا التي اتخذت موقفًا أكثر صراحة، إلى ألمانيا وإيطاليا اللتين حافظتا على مسافة محسوبة من الإدانة المباشرة.
ما يدل على أن أوروبا لا تزال تجد صعوبة في تحمل الاختلاف مع الولايات المتحدة. فالاعتماد الأوروبي على القدرات العسكرية والاستخباراتية الأميركية يجعل الاستقلال السياسي معقدا.
هذا التناقض انعكس أيضًا على اليمين الأوروبي. فالحرب كشفت أن التقارب مع الولايات المتحدة وترامب لا يعني بالضرورة اتفاقًا على كل خيارات السياسة الخارجية الأميركية. جزء من اليمين يرى أن التحالف الأطلسي يمثل ضمانة أمنية لا يمكن التخلي عنها، فيما يطرح اليمين القومي سؤالًا أكثر ارتباطًا بالمصلحة الوطنية: لماذا ينبغي لأوروبا أن تتحمل كلفة حرب لا ترتبط مباشرة بأمنها؟ ولذلك أصبح الخلاف داخل اليمين يتجاوز الموقف من إيران إلى خلاف أوسع حول معنى السيادة نفسها.
وفي الوقت نفسه، تبدو المجتمعات الأوروبية أكثر حساسية تجاه الحرب من بعض حكوماتها. فنتائج استطلاعات الرأي تشير إلى أن قطاعات واسعة لا ترى العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية ضد إيران مبررة، فيما تتركز المخاوف الأكبر حول الطاقة واتساع الحرب. وارتفاع أسعار الوقود والغذاء وتكاليف التدفئة والتضخم تتحول سريعًا إلى عوامل تؤثر في شعبية الحكومات وفي خياراتها السياسية.
ومن هنا تبرز الطاقة باعتبارها الحلقة التي تربط الحرب بالسياسة الداخلية الأوروبية. فاضطراب تدفقات النفط والغاز عبر المنطقة، يجعل أي تصعيد عسكري مشكلة اقتصادية مباشرة لأوروبا. فالقارة التي حاولت خلال السنوات الماضية إعادة تنظيم مصادر الطاقة وتقليل اعتمادها على روسيا تجد نفسها أمام أزمة جديدة لا تملك السيطرة الكاملة على أسبابها. و
وتظهر بريطانيا هذه المعضلة بوضوح. فاضطراب أسواق الطاقة والملاحة يمكن أن يعيد الضغط التضخمي، ما يعني أن الحرب لا تبقى شأنًا عسكريًا بالنسبة إلى الحكومة البريطانية، بل تدخل مباشرة في الحسابات الاقتصادية والمالية. وبذلك يصبح القرار الخارجي مرتبطًا بصورة أكبر بالاستقرار الداخلي، وهو ما قد يفرض على الحكومات الأوروبية إعادة حساباتها بشأن حدود الانخراط في الحرب.
أما البعد الأمني فيضيف مشكلة أكثر تعقيدًا. حيث تتواجد منشآت وقواعد مرتبطة بالولايات المتحدة داخل أوروبا ما يعني أن الدول الأوروبية قد تجد نفسها معرضة لتداعيات المواجهة. وتحدثت التقارير عن بحث إمكانية استهداف منشآت عسكرية أميركية في أوروبا، في حال تصاعد الحرب، خصوصا مع مطالبة ترامب حلفاءه الأوروبيين بالمساهمة عسكريًا في تأمين الملاحة في مضيق هرمز. فإذا شاركت الدول الأوروبية، فإنها تقترب أكثر من كونها طرفًا في التصعيد، وإذا رفضت، فإنها تواجه احتمال توتر أكبر مع واشنطن.
تسعى أوروبا منذ سنوات للاستقلال الاستراتيجي، لكنها الآن تختبر إمكانياتها الفعلية في تحقيقه عمليا لا نظريا. ونجاحها سيحدد ما إذا كانت ستخرج من الحرب بسياسة خارجية مختلفة، أم ستعود إلى الصيغة السابقة بمجرد انحسار الأزمة.
المصدر الأصلي: alkhanadeq.com



