صحافة

كيف صنعت السعوديةُ اليمنَ الذي تخشاه؟

سياسة السعودية القائمة على إضعاف اليمن وتفكيكه، عبر التدخل في شؤونه، أسهمت في نشوء حركة الحوثيين بوصفها قوة موحّدة تهدد أمن المملكة. بحسب مقال نشره موقع ناشيونال انترست وترجمه موقع الخنادق الإلكتروني.
ويعتبر الكاتب أن التدخلات العسكرية والتحالفات المعارضة لم تنجح في احتواء الحوثيين، بل منحت إيران فرصة لتعزيز نفوذها في اليمن والبحر الأحمر.
ويخلص إلى أن إنهاء المأزق السعودي يتطلب التخلي عن سياسة تفتيت اليمن، ودعم قيام دولة يمنية موحّدة ومستقرة عبر التسوية السياسية والاستثمار الاقتصادي.

النص المترجم:

من خلال سعيها إلى إبقاء اليمن ضعيفاً ومفككاً، ساهمت السعودية، من “دون قصد”، في نشوء خصم موحّد يشكّل تهديداً لأمن المملكة.

في وقت يراقب فيه العالم بذهول جرأة الهجمات الحوثية الأخيرة على مطار الرياض والبنية التحتية المدنية، يصعب على النظام السعودي أن يتفاجأ بتجدّد المواجهة. فالسعودية تدرك أنها لا تواجه مجرد حركة معارضة في اليمن مدعومة من إيران، بل تخوض صراعاً مع جارتها الجنوبية تتراكم أسبابه منذ قرابة قرن.

لقد أدّى اتباع السعودية سياسة طويلة الأمد تقوم على دعم الأحزاب والجماعات المعارضة في اليمن، بهدف الحفاظ على دولة ضعيفة، إلى خلق خصم قوي وموحّد. وقد تتمكن المملكة من تحقيق هدنة مؤقتة باستخدام القوة العسكرية، لكن لا يمكن الوصول إلى حل دائم عبر الضربات الجوية أو تحركات القوات العسكرية الحليفة. فالحل يتطلب تغييراً جذرياً في السياسة السعودية تجاه اليمن.

الحدود أساس الصراع السعودي اليمني

تتمحور التوترات السعودية اليمنية، في جوهرها، حول الحدود الوطنية. فقد ضمّت السعودية رسمياً المناطق الحدودية الثلاث عسير ونجران وجازان عام 1934، بموجب اتفاقية الطائف، عقب الحرب السعودية اليمنية. وعلى الرغم من أن سكان هذه المناطق يحملون الجنسية السعودية رسمياً، فإنهم لا يزالون من بين الفئات الأكثر فقراً وتهميشاً في المملكة.

وباستثناء خطط التنمية الأخيرة في عسير، أهملت السلطات السعودية تاريخياً الاستثمار الاقتصادي في هذه المناطق الثلاث. ولا يزال سكانها مرتبطين باليمن لغوياً وثقافياً ودينياً، فيما تحتفظ عائلات وقبائل كثيرة بصلات ممتدة عبر الحدود.

وعلى مدى عقود، ظل جزء من الحدود السعودية اليمنية، الممتدة لنحو 800 ميل، مفتوحاً أمام عبور الأشخاص والأسلحة والسلع المهربة.

ولا تأتي التهديدات للأراضي السعودية من داخل عسير ونجران وجازان فحسب، بل أيضاً من الحركات السياسية المختلفة التي تعاقبت على حكم اليمن خلال القرن الماضي. فقد عبّر كل زعيم أو نظام تولّى السلطة في صنعاء عن دعمه لاستعادة هذه المناطق الثلاث إلى اليمن، في إطار الخطاب الوطني والسياسي.

لم تكن القيادة السعودية تخشى الحملات الشعبية اليمنية أو التصريحات السياسية وحدها، بل كانت تخشى باستمرار أن يؤدي الصراع مع دولة يمنية قوية إلى زعزعة استقرار المملكة. ولهذا، عملت السعودية على ضمان بقاء الدولة اليمنية ضعيفة، من خلال دعم جماعات معارضة عسكرياً ومالياً، بما يؤدي إلى تقسيم البلاد بين قوى سياسية ودينية وقبلية متنافسة.

كيف ساهمت السعودية في تفكيك اليمن؟

عندما أُطيح بالإمامة في شمال اليمن عام 1962، وتولت السلطة حكومة جمهورية مدعومة من مصر في صنعاء، دعمت السعودية التحالفات القبلية الشمالية المناهضة للجمهورية، وهي الجماعات القبلية نفسها التي تدعم اليوم حركة الحوثيين.

لكن عندما أعلن جنوب اليمن استقلاله عن الإمبراطورية البريطانية عام 1968، وأقام أول دولة عربية شيوعية، سحبت السعودية دعمها للتحالفات القبلية الشمالية. وبدلاً من ذلك، دعمت التيار السياسي المحافظ داخل النظام الجمهوري في صنعاء، الذي كان قد فقد الدعم المصري آنذاك.

كان اليمن المنقسم، مع نظام شمالي يعتمد بصورة متزايدة على المساعدات السعودية، هو الوضع الذي فضّلت الرياض الحفاظ عليه.

وعندما أعلن الرئيس الثالث لشمال اليمن، إبراهيم الحمدي، الذي حكم بين عامي 1974 و1977، عزمه على توحيد الشمال والجنوب، اغتيل. وجرى اغتياله بمشاركة عملاء سعوديين.

وعندما توحّد الشطران اليمنيان عام 1990، أبدت السعودية قلقاً واضحاً من احتمال ظهور جار جنوبي قوي. وتحققت مخاوفها بعد إعلان الرئيس اليمني علي عبد الله صالح تأييده للرئيس العراقي صدام حسين، عقب غزو الكويت في آب/أغسطس 1990.

وردّت السعودية بطرد أكثر من مليون عامل يمني، ما تسبب في أزمة اقتصادية كبرى في اليمن لم يتعافَ منها البلد حتى اليوم.

ومع استمرار المخاوف السعودية من وجود يمن موحّد جنوب حدودها، دعمت الرياض حركة انفصالية في جنوب اليمن عام 1994، ما أسهم في اندلاع حرب أهلية دامية بين حكومة صالح في صنعاء والنظام الاشتراكي في عدن.

وأدّى اعتماد صالح على القوى الإسلامية لتحقيق انتصاره العسكري على الانفصاليين الجنوبيين إلى تعميق الانقسامات القبلية والدينية في البلاد، وهي “الانقسامات التي أسهمت في نشوء حركة الحوثيين”، المعروفة باسم أنصار الله.

من صعود الحوثيين إلى التدخل العسكري السعودي

استباقاً لهذه التطورات، بدأت السعودية عام 2003 بناء حاجز أمني على الحدود مع اليمن، بهدف فرض السيطرة على الحدود التي كانت مفتوحة إلى حد كبير.

وفي عام 2004، اندلعت أولى جولات الحرب بين الحكومة اليمنية والحركة المعارضة المتنامية في الشمال. وعندما هدّدت الجولة الخامسة من القتال، عام 2009، بالامتداد إلى الأراضي السعودية، تدخل الجيش السعودي عسكرياً، وتكبّد خسائره الأولى في مواجهة المقاتلين الحوثيين.

وعلى الرغم من التوصل إلى تقارب مؤقت بين الحوثيين وحكومة صنعاء عام 2010، كانت القيادة السعودية قد فقدت الثقة بالرئيس صالح. وبعد ذلك، دفعت احتجاجات الربيع العربي صالح إلى التنحي عن السلطة في شباط/فبراير 2012.

راهنت السعودية لاحقاً على سياسيين وقادة عسكريين سلفيين، من بينهم علي محسن الأحمر، الذين قدّموا أنفسهم باعتبارهم بدائل دينية وسياسية للحركة التي يقودها الحوثيون.

لكن التدخلات الدبلوماسية الأممية غير الموفقة، وتراجع الشرعية الشعبية، والصراعات الداخلية، أدّت إلى نتائج ضعيفة لدى القوى المعارضة المدعومة من السعودية، التي أثبتت أنها غير قادرة على مجاراة شعبية الحوثيين وتنظيمهم.

وبدلاً من مواجهة جار جنوبي ضعيف، تجد السعودية نفسها أمام يمن يحكمه الحوثيون، ويتجه، نحو التحول إلى دولة “سلطوية” وعسكرية ذات طموحات قوة تهدد المملكة مباشرة، كما تهدد حركة الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

وبهذا المعنى، فإن السياسة السعودية تجاه اليمن قدّمت خدمة مباشرة للحرس الثوري الإيراني.

هل تستطيع السعودية الخروج من المأزق اليمني؟

إذا أرادت السعودية الخروج من الكابوس الذي يمثله الحوثيون، فعليها إجراء تغيير جذري في سياستها تجاه اليمن. فتمويل الأحزاب المعارضة بصورة متغيرة يشبه لعبة الروليت الروسية؛ إذ قد تتحول هذه القوى في يوم من الأيام إلى السلطة نفسها، وتصبح تهديداً للمصالح السعودية.

كذلك، فإن تشكيل مجالس رئاسية مصطنعة وتسليح جماعات مسلحة متفرقة لن يقدّما سوى حلول مؤقتة وغير فعّالة، خصوصاً بعدما ازدادت قدرة الحوثيين على إطلاق الصواريخ الباليستية باتجاه أهداف سعودية معرضة للخطر.

وبدلاً من حشد تحالف سعودي فضفاض لمواجهة الحوثيين، ينبغي للمملكة أن تمنح ما تبقى من القوى الجمهورية اليمنية مكاسب ملموسة تستطيع تقديمها إلى جمهورها. ويمكن أن يشمل ذلك الاستثمار الاقتصادي.



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: alkhanadeq.com

تاريخ النشر:

الكاتب:

تنويه من موقع “wakalanews”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

wakalanews.com — متابعة الخبر
المصدر:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى