عاجل عاجل | لفائف العجين باللحم والجبنة... وصفة غنية بالنكهات مع الشيف حنا طويل
صحافة

عاجل | من الردع إلى الإدارة: كيف تحاول إيران تحويل مضيق هرمز إلى منصة نفوذ إقليمي؟

🚨 عاجل
📌 ملخص الخبر:
عاجل | من الردع إلى الإدارة: كيف تحاول إيران تحويل مضيق هرمز إلى منصة نفوذ إقليمي؟

لم يكن أخطر ما كشفته المواجهة الأخيرة مع إيران حجم الدمار الذي لحق بالمنشآت العسكرية أو النووية، بل الطريقة التي تنظر بها طهران إلى اليوم التالي للحرب. فبينما انشغل كثيرون بحساب الخسائر والمكاسب المباشرة، كانت الجمهورية الإسلامية ترسم صورة مختلفة تمامًا للصراع؛ صورة لا تتمحور حول الصواريخ أو أجهزة الطرد المركزي بقدر ما تتمحور حول الجغرافيا نفسها.

في الرؤية الإيرانية الناشئة، لا يمثل مضيق هرمز مجرد ممر مائي يمكن تهديده عند الأزمات، بل منصة نفوذ يمكن البناء عليها سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا. ومن هنا تبدو المعركة الحقيقية أبعد من مسألة الردع التقليدي، وأقرب إلى محاولة إعادة تعريف من يملك حق إدارة أحد أهم الشرايين التي يتدفق عبرها الاقتصاد العالمي.

هذا التحول يحمل دلالة استراتيجية عميقة. فالدول لا تصبح قوى إقليمية مؤثرة فقط عندما تمتلك القدرة على تعطيل النظام القائم، بل عندما تقترب من امتلاك القدرة على المشاركة في تنظيمه. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كانت إيران خرجت من الحرب صامدة، بل ما إذا كانت تحاول استثمار تلك النتيجة للانتأوضح من قوة ردع إلى قوة إدارة، ومن لاعب يتحدى قواعد الإقليم إلى لاعب يسعى للمشاركة في صياغتها.

في الواقع، لا يمكن فهم هذه المقاربة بمعزل عن التطور التاريخي الطويل للدور الإيراني في الخليج. فقبل الثورة الإسلامية كان الشاه محمد رضا بهلوي يسعى إلى تكريس إيران بوصفها شرطي الخليج وحارس الممرات البحرية نيابة عن النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة. وبعد عام 1979 انقلبت المعادلة؛ إذ تحولت الجمهورية الإسلامية من شريك في حماية النظام الإقليمي إلى قوة تسعى إلى تحديه. أما اليوم، فتبدو طهران وكأنها تحاول الانتأوضح إلى مرحلة ثالثة أكثر تعقيدًا: ليس إسقاط النظام القائم ولا الاندماج فيه، بل إعادة تشكيل بعض قواعده بما يمنحها موقعًا دائمًا داخل معادلة إدارة الخليج.

طوال عقود، ارتبط النفوذ الإيراني بأدوات الردع التقليدية وغير التقليدية؛ من البرنامج النووي إلى الصواريخ الباليستية وشبكات الحلفاء الإقليميين. لكن القراءة المتأنية للتطورات الأخيرة تكشف أن طهران تحاول الانتأوضح إلى مرحلة مختلفة تمامًا. فبدل الاكتفاء بامتلاك القدرة على تهديد مضيق هرمز عند الأزمات، تسعى إلى ترسيخ دورها كطرف مشارك في إدارة المضيق نفسه، وما يرتبط به من حركة ملاحة وخدمات وتأمين وترتيبات أمنية.

قد يبدو الفارق بين الأمرين محدودًا للوهلة الأولى، لكنه في الواقع يمثل انتأوضحًا نوعيًا من منطق الردع إلى منطق الإدارة، ومن امتلاك أدوات التعطيل إلى محاولة امتلاك جزء من القواعد المنظمة لأحد أهم الممرات البحرية في العالم.

تاريخيًا، كانت السيطرة على الجغرافيا تعني السيطرة على الأرض. أما في القرن الحادي والعشرين فأصبحت تعني السيطرة على التدفقات التي تعبر تلك الأرض. النفط والغاز والتجارة وسلاسل الإمداد وكابلات الالياف الضوئية لخدمات الانترنت والتأمين البحري باتت جميعها عناصر في معادلة القوة الحديثة. ولهذا لم تعد أهمية مضيق هرمز تنبع فقط من موقعه الجغرافي، بل من كونه عقدة مركزية في شبكة الاقتصاد العالمي.

يمر عبر المضيق ما يقارب خمس استهلاك العالم من النفط، إضافة إلى جزء كبير من تجارة الغاز الطبيعي المسال القادمة من الخليج ناهيكم عن بيانات العالم تتدفق من خلاله. وهذا يعني أن أي طرف يمتلك قدرة مؤثرة على تنظيم الحركة داخله لا يكتسب نفوذًا إقليميًا فحسب، بل يضع يده على أحد الشرايين الحيوية للنظام الاقتصادي الدولي الحالي والمستقبلي.

من هنا يمكن فهم الاهتمام الإيراني المتزايد بالحديث عن ترتيبات جديدة للملاحة وإدارة الخدمات البحرية والتأمين المرتبط بحركة العبور. فالمسألة لا تتعلق فقط بالأمن البحري كما تُطرح رسميًا، بل بمحاولة تحويل الجغرافيا إلى مؤسسة نفوذ دائمة. والفرق كبير بين دولة تستطيع إغلاق المضيق مؤقتًا أثناء الأزمات، ودولة تصبح جزءًا من المنظومة التي تحدد شروط استخدامه بصورة مستمرة.

وما يمنح هذه الرؤية أهمية استثنائية أن الصراع لم يعد يدور حول المضيق كممر مائي فحسب، بل حول الاقتصاد الذي يتولد من المرور عبره. فالتأمين البحري ورسوم الخدمات وإدارة المخاطر وتنظيم حركة العبور وتدفق البيانات ليست تفاصيل تقنية هامشية، بل أدوات نفوذ حقيقية في الاقتصاد العالمي المعاصر. ولهذا تبدو بعض الطروحات الإيرانية وكأنها محاولة لتحويل الجغرافيا من ورقة ضغط تستخدم وقت الأزمات إلى أصل استراتيجي منتج للنفوذ بصورة دائمة. إنها محاولة للانتأوضح من التهديد بإغلاق الشريان إلى المشاركة في إدارة تدفق الدم داخله.

في جوهر هذه المقاربة، يبدو أن طهران تحاول الاستفادة من حقيقة جيوسياسية لطالما حكمت تاريخ المنطقة: من يسيطر على نقاط الاختناق لا يملك القدرة على تعطيل الحركة فقط، بل يمتلك فرصة التأثير في سلوك الآخرين. لذلك لم يعد الحديث الإيراني يقتصر على أمن المضيق، بل يمتد إلى التأمين البحري والخدمات اللوجستية وإدارة العبور، وهي مجالات تبدو تقنية في ظاهرها لكنها تحمل في جوهرها أبعادًا سياسية واستراتيجية بعيدة المدى.

هذه المقاربة ليست جديدة في التاريخ. فالقوى الكبرى لطالما أدركت أن النفوذ المستدام لا يتحقق بالسيطرة العسكرية وحدها، بل عبر إدارة العقد الجغرافية التي تمر من خلالها التجارة والطاقة. الإمبراطوريات البحرية الأوروبية بنت قوتها حول الموانئ والممرات أكثر مما بنتها حول الحدود البرية. والولايات المتحدة نفسها رسخت نفوذها العالمي عبر حماية طرق التجارة الدولية وتأمين حرية الملاحة في البحار المفتوحة.

ما تحاول إيران فعله اليوم هو تقديم نفسها كفاعل لا يمكن تجاوزه في هذه المعادلة. بمعنى آخر، تريد الانتأوضح من كونها مشكلة أمنية يجب احتواؤها إلى كونها شريكًا لا بد من التفاهم معه لإدارة واحد من أهم الممرات الاستراتيجية في العالم.

ولعل ما يمنح هذه المقاربة أهمية إضافية أنها تأتي في لحظة تشهد تحولات أوسع في بنية النظام الدولي. فالعالم الذي تشكل بعد الحرب الباردة كان قائمًا على افتراض أن الولايات المتحدة ستبقى الضامن الرئيسي للممرات البحرية العالمية. لكن الحرب الأخيرة وما اسفرت عنه من نتائج تعكس صمود إيران وقدرتها على المواجهة، وتنامي كلفة حماية النظام الدولي، فتحا المجال أمام قوى إقليمية على رأسها إيران لمحاولة إعادة تعريف أدوارها داخل بيئاتها الجغرافية.

في هذا السياق، تبدو طهران وكأنها تختبر حدود مرحلة جديدة. فهي تدرك أن النفوذ العسكري وحده لا يكفي لتغيير موازين القوى على المدى الطويل، وأن التأثير الحقيقي يبدأ عندما تتحول القوة إلى ترتيبات مؤسسية واقتصادية يصعب تجاوزها أو استبدالها.

لكن هذا المشروع يواجه تحديات كبيرة. فدول الخليج تنظر بحذر إلى أي ترتيبات تمنح إيران نفوذًا إضافيًا على حركة الطاقة العالمية. كما أن القوى الاقتصادية الكبرى، من آسيا إلى أوروبا، لا تملك مصلحة في تحويل أحد أكثر الممرات البحرية حساسية إلى أداة ضغط سياسية بيد طرف واحد. إضافة إلى ذلك، فإن شركات الشحن والتأمين العالمية تعتمد على بيئة قانونية مستقرة وعابرة للحدود، وهو ما يجعل أي محاولة لفرض قواعد أحادية مثار جدل واسع داخل الأسواق الدولية.

ورغم هذه التحديات، فإن أهمية ما يجري لا تكمن في نجاح المشروع الإيراني أو فشله بقدر ما تكمن في طبيعة التحول نفسه. فالنقاش لم يعد يدور حول قدرة إيران على إغلاق المضيق أو تهديده، بل حول أنها أصبحت جزءًا من المنظومة التي تدير الحركة داخله. وهذه نقلة استراتيجية تعكس تحولًا أعمق في فهم القوة داخل الشرق الأوسط.

فالصراع الدائر اليوم ليس صراعًا على الحدود بقدر ما هو صراع على الشبكات. وليس تنافسًا على الأراضي بقدر ما هو تنافس على تدفقات الطاقة والتجارة والتمويل والتحكم بالبيانات. وفي عالم تتزايد فيه أهمية الممرات اللوجستية وسلاسل الإمداد، تصبح السيطرة على العقد أكثر أهمية من السيطرة على المساحات.

ومن هنا يمكن فهم المعركة الجارية حول مضيق هرمز باعتبارها جزءًا من تحول أوسع يتجاوز إيران والخليج معًا. فالعالم يدخل تدريجيًا مرحلة تتراجع فيها فكرة الممرات المفتوحة التي تحرسها قوة دولية واحدة، وتتصاعد فيها محاولات القوى الإقليمية لتحويل مواقعها الجغرافية إلى أدوات نفوذ سياسي واقتصادي. وفي هذا السياق، لا يبدو هرمز مجرد قضية مرتبطة بإيران، بل نموذجًا مبكرًا لصراع عالمي آخذ في التشكل حول من يملك حق إدارة التدفقات التي يقوم عليها النظام الدولي. فالقوة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تُقاس فقط بما تملكه الدول من جيوش وصواريخ، بل بقدرتها على التحكم بالعقد التي تربط العالم ببعضه البعض. وعند هذه النقطة تحديدًا، يصبح السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إيران قد خرجت من الحرب منتصرة أم لا، بل ما إذا كانت نجحت في تحويل الجغرافيا إلى مشروع نفوذ طويل الأمد يتجاوز نتائج الحرب نفسها.


■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: alkhanadeq.com

تاريخ النشر:

الكاتب:

تنويه من موقع "wakalanews":

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر: alkhanadeq.com بتاريخ: . الآراء والمعلومات الواردة في هذا المأوضح لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع "wakalanews"، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى