صحافة

يوميات معركة كسر الحصار: من نجران إلى القاهرة.. الرياض تبحث عن شركاء في حرب الاستنزاف

يأتي هذا التقرير ضمن سلسلة يومية ترصد التطورات السياسية والميدانية في الحرب على اليمن. وقد شهد يوم الأحد انتقال الحرب من طابعها الثنائي نحو أفق إقليمي أوسع، فالقاهرة دخلت على خط المواجهة عبر مسار تشريعي لتفويض الرئيس بإرسال قوات إلى الخارج، ومجلس التعاون الخليجي أعلن تضامنه مع الرياض، فيما كانت النيران تشتعل على جانبي الحدود، من مجزرة سحار في صعدة إلى سقوط مروحية سعودية في نجران. وفي موازاة ذلك، كشفت صنعاء تفاصيل غير معلنة عن مسار التفاوض برعاية عُمانية، في إطار تحميل الرياض مسؤولية انهيار التهدئة.

المشهد الميداني

ارتكب الطيران السعودي مجزرة جديدة باستهداف منزل في منطقة الطويلة بمديرية سحار في صعدة، أسفرت وفق الإحصاءات الأولية لوزارة الخارجية عن استشهاد عشرة أشخاص وإصابة ثلاثة وعشرين، أغلبهم من النساء والأطفال. ونقلت وكالة أسوشيتد برس عن الناطق باسم وزارة الصحة أنيس الأصبحي أن بين الجرحى أحد عشر طفلاً، وأن بعضهم في حالة حرجة. وذكّرت الخارجية بأن الجهة المسؤولة عن المجزرة هي نفسها التي أعلنت صعدة بأكملها هدفاً عسكرياً في أيار/مايو 2015. وأعلنت وزارة الصحة أن حصيلة التصعيد منذ الثالث من أيلول/سبتمبر حتى الثامن عشر من تشرين الأول/أكتوبر بلغت خمسمئة وستة وثلاثين شهيداً وجريحاً، تتصدرها تعز بنسبة 32.3 في المئة، تليها صعدة بنسبة 22.2 في المئة، ثم الجوف بنسبة 16 في المئة.

وعلى الجانب الآخر من الحدود، أعلنت الرياض سقوط مروحية من طراز AH-6 في نجران ومقتل ضابطين، وعزت ذلك إلى عطل فني، بينما قالت صنعاء إنها أسقطتها. وأفاد الدفاع المدني السعودي بأن مقذوفاً سقط على حي سكني في نجران وأصاب ستة أشخاص على الأقل. وتعكس هذه التطورات اتساع رقعة القتال في الشريط الحدودي، حيث يدور قتال عنيف منذ أيام.

وفي العمق السعودي، أعلن التحالف اعتراض طائرتين مسيّرتين قرب الرياض وفي المنطقة الشرقية. وانعكس استمرار التهديد على الحياة اليومية، إذ مُدّد التعليم عن بُعد في الرياض، وأغلقت إحدى ناطحات السحاب مكاتبها. ميدانياً، بثّ الإعلام الحربي مشاهد لاستهداف تحشيدات وأرتال تابعة للقوات التابعة للرياض بطائرات “رجوم” المسيّرة على عدة جبهات بالتزامن.

المشهد السياسي

تصدّر العامل المصري المشهد السياسي. فقد وافق مجلس الدفاع الوطني المصري على دعم السعودية، وطالب الرئيس السيسي البرلمان بتفويضه بإرسال قوات ومعدات عسكرية إلى الخارج. غير أن مجلس النواب رفع جلسته الطارئة ومدّدها إلى يوم الاثنين، بعدما امتنع نواب حزبي الوفد والمصري الديمقراطي عن التصويت، مشترطين الاطلاع على التفاصيل كاملة. ويأتي هذا التطور في سياق أوسع، فوزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي كان قد أعلن أن بلاده تدرس جدياً الانضمام إلى اتفاق مكة للدفاع المشترك الذي يجمع السعودية وتركيا وباكستان، والذي قرر أعضاؤه في الخامس من تشرين الأول/أكتوبر التنفيذ الفوري لالتزامات الدفاع الجماعي.

وفي المقابل، وجّه رئيس مجلس النواب يحيى الراعي رسالة عاجلة إلى نظيره المصري هشام بدوي، حذّر فيها من انخراط القاهرة في الحرب، مؤكداً أن مطالب اليمن تتلخص في وقف العدوان ورفع الحصار واحترام السيادة، ورافضاً أن تجد مصر نفسها في خندق واحد مع الكيان الإسرائيلي. أما خليجياً، فقد دان مجلس التعاون الهجمات على السعودية، ورحّب ببيان مجلس الأمن الصادر في الخامس عشر من تشرين الأول/أكتوبر، فيما التقى وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان نائب الرئيس الإماراتي منصور بن زايد في أبوظبي.

وعلى مسار التفاوض، كشف رئيس الوفد الوطني محمد عبد السلام أن صنعاء تواصلت مع الرياض قبل التصعيد للمطالبة بتنفيذ خارطة الطريق، وحذّرتها قبل قصف مطار صنعاء في الثالث عشر من تموز/يوليو. وأوضح أن مسقط قدّمت بعد بدء الرد اليمني مقترحاً بهدنة لخمسة أيام، فوافقت صنعاء عليه خلال ثلاثة أيام شرط تلبية المطالب الإنسانية، لكن الرد السعودي تأخر نحو واحد وعشرين يوماً، وجاء محمّلاً بشروط إضافية، بالتزامن مع تحشيد عسكري مكثف، وهو ما فسرته صنعاء بأنه محاولة لشراء الوقت. وفي السياق ذاته، اعتبر عضو المكتب السياسي محمد الفرح أن الرياض تريد من اليمنيين التبعية، بما في ذلك تأييد مواقفها الداعمة لإسرائيل في مواجهة غزة، وأن ترامب ونتنياهو يوظفان السعودية في حساباتهما الانتخابية ومسار التطبيع.

في الصحافة الأجنبية

ركزت الصحافة الإسرائيلية على فرص التعاون الدفاعي مع الرياض، إذ ناقش موقع “والا” ما إذا كان دعم السعودية فرصة أم برميل بارود، بينما رأى رون بن يشاي في “يديعوت أحرونوت” أن الرياض بحاجة ماسة إلى رادارات إنذار مبكر ومنظومات دفاع جوي مثل القبة الحديدية ومقلاع داوود وحتى “حيتس 2”. وتكشف هذه النقاشات العلنية أن الحرب على اليمن باتت تُقرأ إسرائيلياً بوصفها مدخلاً لتوسيع البنية الدفاعية المشتركة في المنطقة.

أما بشأن الدور المصري، فقد سبق أن رأى الباحث إتش. إيه. هيلير من مركز التقدم الأمريكي أن قدرة القاهرة على تقديم الدعم محدودة، وأن ما تستطيع تقديمه فعلياً هو غطاء سياسي عربي. وذكّرت أسوشيتد برس بأن هجمات البحر الأحمر خلال حرب غزة قلّصت عائدات قناة السويس، وأن السعودية أعادت توجيه صادراتها النفطية خلال الحرب على إيران عبر البحر الأحمر، ومن خلال قناة السويس وخط أنابيب مصري يصل البحر الأحمر بالمتوسط.

يكشف يوم الأحد 19/10/2026 عن تحوّل في المقاربة السعودية من إدارة حرب ثنائية إلى بناء مظلة دفاع جماعي، تمتد من اتفاق مكة إلى مجلس التعاون والقاهرة، وصولاً إلى نقاش إسرائيلي علني حول منظومات الدفاع الجوي. والهدف المزدوج واضح: توزيع كلفة الحرب، ورفع كلفة الضربة اليمنية سياسياً عبر تحويلها إلى اعتداء على تحالف. غير أن هذه المظلة تحمل في داخلها تناقضاتها، فالتردد في البرلمان المصري يعكس كلفة داخلية لقرار إرسال قوات إلى الخارج، فيما يجعل ارتباط الاقتصاد المصري بالبحر الأحمر، من قناة السويس إلى خط سوميد، القاهرة أكثر عرضة لتداعيات الحرب من أي طرف آخر. ولذلك تبدو رسالة الراعي محاولة لرفع الكلفة السياسية للانخراط المصري داخل مصر نفسها، عبر وضعه في سياق التحالف مع “إسرائيل”.

وفي معركة الرواية التفاوضية، تسعى رواية عبد السلام إلى تثبيت معادلة مفادها أن صنعاء قبلت التهدئة والرياض اشترت الوقت. وتكتسب هذه الرواية وزنها من انسجامها مع قراءات غربية رأت أن الرياض تراهن على عامل الوقت، كما تهيّئ موقع صنعاء التفاوضي لأي جولة وساطة مقبلة. أما ربط الفرح الحرب بمسار التطبيع وبغزة، فيستثمر في النقاش الإسرائيلي العلني حول دعم الرياض، لتحويل الحرب من نزاع حدودي إلى سؤال عن هوية الاصطفاف الإقليمي.

وتكشف مجزرة سحار وارتفاع حصيلة الضحايا نمطاً من العقاب الجماعي يتكثف كلما اشتد الضغط على العمق السعودي. وفي المقابل، يدل تمديد التعليم عن بُعد وإغلاق المكاتب في الرياض على أن استراتيجية الاستنزاف اليمنية بدأت تمسّ إيقاع الحياة الطبيعية في العاصمة.

تقف الحرب عند منعطف إقليمي حاسم. فإذا منح البرلمان المصري التفويض، تكون الرياض قد نجحت في نقل الحرب إلى إطار تحالفي، لكنها تكون في الوقت نفسه قد وسّعت دائرة الأهداف المحتملة وأدخلت شريكاً شديد الحساسية لأمن البحر الأحمر. أما إذا تعثر التفويض، فسيتأكد أن هامش المناورة السعودي يضيق، وأن العودة إلى خارطة الطريق العُمانية تظل المخرج الأقل كلفة. وفي الحالتين، تبدو الأيام المقبلة اختباراً لقدرة الرياض على تحويل التضامن السياسي إلى ردع فعلي.



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: alkhanadeq.com

تاريخ النشر:

الكاتب:

تنويه من موقع “wakalanews”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

wakalanews.com — متابعة الخبر
المصدر:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى