
طهران تختار رجل الإنتاج والتكنولوجيا لإعادة بناء قدراتها وتعزيز استقلالها التسليحي في مواجهة الولايات المتحدة وكيان الاحتلال الإسرائيلي
لم يأتِ تعيين مهرداد أخلاقي كتابجي وزيراً للدفاع وإسناد القوات المسلحة الإيرانية في 18 تشرين الأول/أكتوبر 2026 بوصفه تغييراً إدارياً عادياً في هرم السلطة. فالرجل الذي اختاره الرئيس مسعود بزشكيان، ونال ثقة البرلمان بأغلبية 237 صوتاً مقابل 15، ينتمي إلى الجناح الصناعي والتكنولوجي في المؤسسة الدفاعية الإيرانية، بعدما أمضى عقوداً في إدارة مؤسسات ترتبط بتطوير الصواريخ وإنتاج المعدات العسكرية. وفي مرحلة تواجه فيها إيران ضغوطاً عسكرية وعقوبات اقتصادية، ويصبح فيها ترميم البنية الدفاعية واستمرار الإنتاج مسألة أمن قومي، يحمل وصوله إلى الوزارة دلالة على طبيعة الأولويات التي تسعى طهران إلى تثبيتها في المرحلة المقبلة.
من رشت إلى قيادة الصناعات الدفاعية
وُلد أخلاقي كتابجي عام 1958 في مدينة رشت، شمالي إيران، ويبلغ 68 عاماً. وتُظهر سيرته المهنية أنه بنى مساره داخل قطاع الصناعات الدفاعية، متدرجاً في مواقع تقنية وإدارية قبل توليه مناصب قيادية في مؤسسات رئيسية ضمن هذا القطاع.
وتبرز في مسيرته محطتان أساسيتان: رئاسة مجموعة الشهيد مهدي باكري الصناعية، ثم توليه إدارة منظمة الصناعات الجوية والفضائية الإيرانية، وهي من المؤسسات المحورية في منظومة الصناعات الصاروخية والفضائية في البلاد. وتضعه هذه المناصب في قلب البنية المؤسسية التي تعمل على تحويل المعرفة الهندسية والبحثية إلى قدرات عسكرية قابلة للإنتاج والاستخدام.
وتكمن أهمية هذا المسار في أن إدارة الصناعات الدفاعية تختلف عن القيادة الميدانية للقوات المسلحة. فالقائد العسكري يتولى التخطيط للعمليات وإدارة الوحدات والقدرات المتاحة، بينما يتعامل المسؤول الصناعي مع دورة أكثر تعقيداً تشمل البحث والتطوير والتصميم والتصنيع وسلاسل التوريد والكوادر الفنية والقدرة على تعويض المعدات المستهلكة أو المتضررة. وفي ظل حرب طويلة، تصبح هذه الدورة جزءاً أساسياً من القدرة على الصمود مواصلة القتال.
موقعه في المنظومة الصاروخية
شكّل تولي أخلاقي إدارة منظمة الصناعات الجوية والفضائية محطة أساسية في مسيرته. وترتبط المنظمة بمنظومة الصناعات الدفاعية الإيرانية المعنية بتطوير وإنتاج تقنيات الصواريخ والأنظمة الجوية والفضائية، في إطار الجهود التي تبذلها طهران لبناء قاعدة تسليحية خاصة بها بهدف تقليص اعتمادها على الخارج.
وتنبع حساسية هذا القطاع من موقع الصواريخ الباليستية في العقيدة الدفاعية الإيرانية. فإيران تواجه تفوقاً جوياً وتكنولوجياً لدى أعداءها، وتعمل على تطوير أدوات تمكّنها من الرد على الهجمات والاعتداءات ورفع كلفة أي مواجهة تستهدف أراضيها ومنشآتها الحيوية. وفي هذا السياق، تشكل الصواريخ والطائرات المسيّرة جزءاً من منظومة أوسع تضم الدفاع الجوي والقوات البحرية والقدرات البرية وشبكات القيادة والسيطرة.
وتُظهر سيرة أخلاقي الحافلة ارتباطه بمجموعة الشهيد باكري الصناعية، التي تعمل في مجال الصواريخ الباليستية، وخصوصاً الأنظمة العاملة بالوقود الصلب. وتكتسب هذه التكنولوجيا أهمية عسكرية بسبب خصائص التخزين والتشغيل وسرعة الاستعداد للإطلاق مقارنة ببعض الأنظمة العاملة بالوقود السائل، مع اختلاف المزايا والقيود بحسب تصميم الصاروخ ومهمته.
وفي عام 2014، تولى أخلاقي إدارة منظمة الصناعات الجوية والفضائية، وفقاً لتقارير نشرتها الصحف العبرية تناولت سيرته. كما أُدرج اسمه على قوائم العقوبات الدولية في سياق ارتباطه بقطاع الصواريخ الإيراني. ففي عام 2007، فرضت الأمم المتحدة عقوبات عليه على خلفية منصبه المرتبط بمجموعة الشهيد باكري، ثم فرضت الولايات المتحدة عقوبات عليه في عام 2008.
لماذا اختارت طهران رجل الصناعات الدفاعية؟
جاء تعيين أخلاقي بعد ارتقاء وزير الدفاع السابق عزيز نصير زاده في الضربات الأميركية والإسرائيلية التي استهدفت إيران في 28 شباط/فبراير 2026، والتي طالت أيضاً عدداً من كبار المسؤولين والقادة العسكريين. وتولى العميد مجيد ابن الرضا مهام الوزارة بالوكالة خلال الفترة الانتقالية، إلى أن رشح بزشكيان أخلاقي للمنصب في 5 تشرين الأول/أكتوبر، قبل أن يمنحه البرلمان الثقة بعد نحو أسبوعين.
وقد أشار الرئيس بزشكيان، خلال ترشيحه، إلى خبرته العلمية والفنية ومعرفته ببنية وزارة الدفاع، وإلى تعاونه مع شخصيات بارزة في الصناعات الدفاعية الإيرانية، من بينها حسن طهراني مقدم ومحسن فخري زاده وأمير علي حاجي زاده. وقدّم بزشكيان هذه الخبرة باعتبارها أحد أسباب اختياره لتولي الوزارة.
ويحمل اختيار مسؤول صناعي في هذه المرحلة دلالة واضحة على الأولويات التي أعلنتها القيادة الإيرانية: إعادة بناء البنية الدفاعية، وتسريع تطوير التكنولوجيا، ورفع القدرة على الإنتاج المحلي، وتعزيز الجاهزية في مواجهة احتمالات تجدد الحرب.
وقد عرض أخلاقي أمام البرلمان خطة من 16 محوراً لإعادة هيكلة وزارة الدفاع، وإعادة بناء بنيتها الصناعية والإنتاجية وفق مبادئ الدفاع السلبي، وتسريع تطوير التقنيات الدفاعية الجديدة وتحسين كفاءة الإنتاج. كما تحدث عن هدف تطوير القدرة على إنتاج منتجات جديدة واعتماد تقنيات جديدة خلال فترة لا تتجاوز ستة أشهر.
وتتضمن أولوياته أيضاً تطوير البحث والابتكار، وتحسين الإنتاجية، وتعزيز الدبلوماسية الدفاعية، وتوسيع التعاون مع القطاعات الصناعية، بما يتيح الاستفادة من قاعدة إنتاجية أوسع من المؤسسات العسكرية وحدها.
وتكشف هذه التوجهات عن مقاربة تسعى إلى ربط الأمن العسكري بالقدرة الصناعية. فامتلاك التصميم أو المعرفة التقنية لا يكفي وحده لبناء قوة مستدامة؛ إذ يتطلب الأمر خطوط إنتاج قادرة على العمل بصورة متواصلة، وموردين محليين، ومواد أولية، وكفاءات هندسية، ونظم صيانة وتخزين ونقل، فضلاً عن القدرة على تعويض ما يُستهلك في العمليات.
الإنتاج المحلي.. جوهر التحدي الإيراني
على امتداد العقود الماضية، طورت إيران قاعدة للصناعات الدفاعية في ظل قيود واسعة على شراء الأسلحة والتكنولوجيا من الخارج. وأسهمت هذه القيود في دفعها نحو الاعتماد على القدرات المحلية، وإن لم تُنهِ حاجتها إلى بعض المكونات والتقنيات التي يصعب إنتاجها بصورة مستقلة.
وتتصل هذه المسألة مباشرة بالعقوبات الأميركية. فالعقوبات لا تستهدف فقط حرمان إيران من شراء الأسلحة الجاهزة، وإنما تضغط أيضاً على وصولها إلى المكونات والآلات والمواد والتكنولوجيا والتمويل. لذلك، فإن الرهان على الإنتاج المحلي هو محاولة لتقليص أثر العقوبات عبر تطوير الصناعات المحلية.
إدارة التصعيد
لا تنحصر مسؤولية وزير الدفاع الجديد في قطاع الصواريخ. فوزارة الدفاع وإسناد القوات المسلحة تتعامل مع قاعدة واسعة من الصناعات والتجهيزات والخدمات التي تحتاج إليها القوات المسلحة، من الأنظمة الجوية والبحرية والبرية إلى المعدات والاتصالات والدعم اللوجستي.
لكن الصواريخ ستبقى في صلب التحديات التي تواجهه، نظراً إلى دورها في معادلة الردع الإيرانية. فطهران تعتمد على قدرتها على الرد وإيقاع خسائر بالخصم لرفع كلفة الحرب ومنع الاعتقاد بإمكان تنفيذ هجوم واسع من دون تبعات.
رسائل إلى واشنطن
رافق تثبيت أخلاقي في منصبه خطاب إيراني شديد اللهجة وواضح للغاية تجاه احتمال تجدد الهجوم الأميركي. فقد حذر الوزير الجديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب من أن أي ضربة ستعرّض القوات الأميركية في المنطقة لخطر الرد الإيراني، مستخدماً التعبير الذي استخدمه السيد الشهيد نصر الله بعد اغتيال الحاج قاسم سليماني، “الجنود الذين سيأتون عاموديا سيرحلون أفقيا وهم قتلى”
كما أعلن أن إيران اتخذت التدابير اللازمة للتعامل مع سيناريو استخدام قنبلة شديدة التدمير، في إشارة إلى التهديدات الأميركية المتداولة بشأن استخدام “أم القنابل“.
بالنسبة إلى إيران، فإن تعيين أخلاقي يعكس أولوية المرحلة والاستعداد لها عبر الحفاظ على استمرارية القوة الدفاعية والترميم وتطوير قاعدة الإنتاج. أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة وكيان الاحتلال، فإن التحدي يتمثل في قدرة إيران على التعافي والتكيف السريع، بعد التبجح طويلا بأن الضربات العسكرية والعقوبات كلنت قادرة على إحداث أثر استراتيجي مستدام على الجمهورية الإسلامية.
تنويه من موقع “wakalanews”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.





