
لا تُفهم الاضطرابات التي شهدتها فرنسا في تشرين الأول/أكتوبر 2026 بمجرد رصد أعمال الشغب أو تبادل الاتهامات بين الحكومة والمعارضة. فجوهر المشهد صراعٌ على تفسير الغضب الشعبي، وعلى تحديد المسؤول عنه والجهة التي ستدفع كلفته السياسية. وحين تتراجع الثقة بالحكم وتشتد الضغوط المعيشية، يصبح التحكم بالرواية الإعلامية جزءاً من معركة السلطة، لا انعكاساً محايداً لما يجري في الشارع. ومن هنا يستحق دور الشبكات المؤيدة للكيان الصهيوني في فرنسا فحصاً نقدياً. والمقصود ليس افتراض غرفة عمليات واحدة تدير كل شيء، بل تتبّع الطريقة التي تلتقي بها مصالح سياسية وإعلامية وأيديولوجية متباينة لإنتاج رواية واحدة. هذه الرواية تنقل المسؤولية من إخفاقات الحكم إلى فئات اجتماعية مستهدفة، ومن مساءلة السياسات الإسرائيلية إلى التشكيك في ولاء المتضامنين مع الفلسطينيين.
من الشارع إلى الاتهام
انطلقت احتجاجات 17 تشرين الأول/أكتوبر على خلفية غلاء المعيشة وتدهور أوضاع المدارس، وتخللتها أعمال عنف ونهب وإحراق في عدد من المدن. فردّت الحكومة باتهام مجموعات يسارية ومخربين بالمسؤولية، فيما سارع اليمين واليمين المتطرف إلى ربط ما جرى بالهجرة وسياسات الاندماج. غير أن القراءة المتأنية تقتضي الفصل بين ثلاثة مستويات. أولها أسباب الاحتجاج نفسها. وثانيها المسؤولية عن أفعال عنف محددة، وهي لا تثبت إلا بأدلة قضائية على أشخاص بعينهم. وثالثها الاستثمار السياسي في الأحداث لتبرير سياسات أمنية أو إضعاف المعارضة. فإدانة النهب لا تعني تجريم حركة احتجاجية كاملة، أو حزب بأكمله، أو جماعة سكانية على أساس الأصل أو الدين. وقد نقلت وكالة أسوشيتد برس عن خبراء أن حجم التيار اليساري الراديكالي وتنظيمه لا يكفيان لتفسير اتساع الاضطرابات.
لكن الجدل تجاوز إدانة التخريب إلى محاولة تحميل حزب “فرنسا الأبية” المسؤولية السياسية عن العنف، وصولاً إلى طرح فكرة حظره. وأشارت صحيفة لوموند إلى أن النيابة العامة في باريس ناقضت جانباً من الرواية الحكومية، وإلى أن لجنة تحقيق برلمانية شُكّلت لفحص الوقائع. فالاتهام الحكومي ليس حكماً قضائياً، والانتماء السياسي ليس دليلاً على المشاركة في جريمة، وحين يُعمَّم الاتهام بلا أدلة يتحول من إجراء أمني إلى أداة في الصراع على الشرعية. وهكذا يحلّ سؤال “هل المعارضة مسؤولة عن الفوضى؟” محل سؤال “لماذا خرج مئات الآلاف إلى الشارع؟”، فتُعفى الحكومة من المساءلة وتُطالَب المعارضة بإثبات براءتها.
ويؤدي إقحام الهجرة والأصل العربي والإسلامي في تفسير اضطرابات ذات دوافع اقتصادية وظيفة سياسية واضحة. فهو ينقل النقاش من الأجور والأسعار والخدمات العامة إلى “الاندماج” و”الولاء”، ويعيد تقسيم المجتمع بين أغلبية تدافع عن النظام وأقلية تُصوَّر مصدراً لتهديده. وتتحول هوية بعض المشتبه بهم إلى عنوان عام للأزمة، بينما لا يُعامَل غيرهم بالمعيار ذاته. وهذه انتقائية في توزيع الشبهة تتعارض مع القاعدة القانونية التي تحاسب الفرد على فعله، لا الجماعة على انتمائها.
بنية النفوذ المؤيد لـ”إسرائيل”
في أيلول/سبتمبر 2025، رصد سيرج حليمي وبيير ريمبير في لوموند ديبلوماتيك القوة المتنامية للوبي المؤيد لـ”إسرائيل” في فرنسا. وهو ائتلاف غير متجانس يضم منظمات تمثيلية، كالمجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية (CRIF)، إلى جانب شبكات برلمانية ووسائل إعلام وشخصيات عامة. ويلتقي كثير من مكوّناته على تقديم “إسرائيل” بوصفها خط الدفاع عن “القيم الغربية”، وعلى ربط التضامن مع الفلسطينيين بالإسلاموية وانعدام الأمن ومعاداة السامية. وبهذا تتحول العلاقة مع الكيان من خيار في السياسة الخارجية إلى معيار للانتماء إلى معسكر سياسي وثقافي. كما يتقاطع خطاب الدفاع عنه مع خطاب “صدام الحضارات“، فيجمع اليمين واليمين المتطرف وقطاعات من الوسط في مواجهة اليسار.
وجاءت أحداث أكتوبر لتقدّم مثالاً ملموساً على هذا التوظيف. فقد ربط بنيامين نتنياهو، في تصريحات نقلتها لوموند، العنف في فرنسا بالهجرة المسلمة وبما سمّاه الخضوع للدوائر الإسلامية واليسار “الووك”. وذهب معلقون إسرائيليون، ومركز أبحاث قريب من الائتلاف الحاكم، إلى تصوير التضامن مع فلسطين تقاطعاً بين اليسار الراديكالي والشبكات الإسلامية. وتكمن خطورة هذا الخطاب في أنه يوسّع الاتهام ليطال جماعات بأكملها، فيما تُهمَّش قضايا المعيشة التي أشعلت الاحتجاج. ويتضاعف أثره في ظل ما وثّقه مرصد ملكية الإعلام الأوروبي من تركّز ملكية الإعلام الفرنسي بيد مجموعات مالية وصناعية كبرى. فتأجيج الانقسام لا يحتاج إلى دعوة صريحة إلى العنف، بل يكفيه تعميم الاتهام وتصوير الخصوم تهديداً حضارياً.
صناعة العدو الداخلي
عند هذه النقطة تلتقي أزمة الحكم بنفوذ الشبكات المؤيدة للكيان، إذ يتيح الخطاب الأمني تحويل أسئلة المعيشة إلى أسئلة عن “الخطر الداخلي”. ولا يشترط ذلك خطة موحدة، بل يكفيه تلاقي مصالح أطراف عدة: حكومة تسعى إلى تخفيف الضغط عنها، ويمين يوسّع أجندته المناهضة للهجرة، وإعلام يميل إلى الإثارة، وشبكات ترى في الأزمة فرصة للنيل من المتضامنين مع فلسطين. ويعمل الخطاب الهوياتي عبر سلسلة إيحاءات متدرجة: من مشتبه به مجهول الدوافع، إلى أصله الديني، إلى مشكلة الاندماج، فالإسلاموية، وصولاً إلى “تهديد حضاري” مزعوم. ويستثمر اليمين المتطرف هذه السردية ليجد في الخطاب المؤيد للكيان غطاءً دولياً لتصوراته الأمنية، ويلتقي الطرفان على نقل النقاش من السياسات الإسرائيلية إلى هوية منتقديها.
اليسار وفلسطين
لا ينفصل الهجوم على اليسار عن التحولات التي أحدثتها حرب غزة، إذ بات الموقف من الاحتلال جزءاً من التنافس الداخلي، وبرز حزب “فرنسا الأبية” بوصفه الأشد انتقاداً للسياسات الإسرائيلية. ويقوم استهدافه على مطابقة متعمدة بين التضامن مع الشعب الفلسطيني، ومعارضة السياسات الإسرائيلية، وتأييد العمل المسلح. فحين تُمحى الفروق بين هذه المواقف، يُطالَب المتضامن بإثبات براءته قبل مناقشة الوقائع، ويتحول الخلاف السياسي إلى قضية “أمن جمهوري”. وتتعدد مؤشرات هذا الاستهداف: الكيل بمكيالين في تقييم التحريض، والضغط على الصحفيين والجامعات، وإلغاء الفعاليات السلمية، واستخدام تهمة معاداة السامية بلا سند. وهو ما يُفقد مكافحة الكراهية نفسها صدقيتها.
يهدد استمرار هذا المسار بتعميق الاستقطاب وتآكل الثقة بالمؤسسات. ويهدد كذلك بتعزيز اليمين المتطرف الذي يحوّل الاضطرابات إلى دليل دعائي على صحة مواقفه، وبتقليص حرية التعبير عبر رقابة ذاتية تتسع لدى الصحفيين والأكاديميين. ومن المرجح أن تنتقل هذه الآليات إلى دول أوروبية أخرى، لأن ثنائيات الهجرة والأمن وفلسطين باتت عناصر مشتركة في التنافس السياسي الأوروبي.
إن المعركة الحقيقية في فرنسا تدور حول من يملك حق تفسير الأزمة وتسمية العدو. فالنفوذ السياسي لا يعمل بالضرورة عبر الأوامر السرية، بل عبر تحديد الأولويات، وتكرار الرسائل، ورفع كلفة الاعتراض، وإعادة تعريف المقبول في المجال العام. وحين يتقاطع هذا النفوذ مع خطاب أمني مناهض للهجرة ومع رغبة في إضعاف اليسار، تُستثمر الأزمة الاجتماعية لتشويه المعارضة والتضامن مع فلسطين معاً. عندها ينتقل النقاش من مسؤولية السلطة إلى اتهام فئات المجتمع، ومن مساءلة سياسات “إسرائيل” إلى التشكيك في نيات منتقديها. ومواجهة ذلك لا تكون بتبرير العنف، بل بالإصرار على المحاسبة الفردية وفق القانون، ورفض توظيف الأمن والهجرة لإغلاق النقاش السياسي أو إعفاء أصحاب النفوذ من المساءلة.
تنويه من موقع “wakalanews”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.





