تحقيقات - ملفات

البحر الأحمر صراع على طرق الموارد بين مضيقين


إعداد: د. أحمد علو
عميد متقاعد

لكي نفهم أهمية البحر الأحمر في استراتيجيات الدول الكبرى،
لا بد أن ننطلق مما تختزنه الدول المشاطئة لهذا البحر أو تلك المطلة عليه من موارد تتنافس الدول الكبرى للسيطرة عليها..
أما الثمن فتدفعه شعوب الدول
صاحبة الموارد:
فوضى وتخلّف ودماء…

بطاقة هويّة
يطلق إسم البحر الأحمر اليوم، على المسطح المائي الذي يفصل ما بين قارتي آسيا (من الشرق)، وأفريقيا (من الغرب)، وهو يربط ما بين المحيط الهندي وبحر العرب (من الجنوب)والبحر الأبيض المتوسط (من الشمال).
كان هذا البحر معروفًا في التاريخ باسم «بحر القلزم»، أمّا شهرته بالبحر الأحمر فتعود إلى لون بعض الطحالب التي تنبت، وتنتشر على سواحله، خلافًا للاعتقاد السائد الذي كان يعزو سبب التسمية إلى كثرة الشعب المرجانية، التي تعطيه هذا اللون.
كذلك كان يعرف بالبحر الجنوبي، وفق رأي المؤرخ اليوناني هيرودوت، لتمييزه عن البحر المتوسط الذي كان يعرف بالبحر الشمالي. كما أن بعض المؤرخين، والجغرافيين القدماء أطلقوا عليه اسم «بحر العرب»، أو «بحر مصر»، لأنه يشاطىء شرقاً وغرباً شعوبًا، في أغلبيتها عربية.
 
الموقع الجيوبوليتيكي
يقع البحر الأحمر ما بين خطي الطول 32و44 شرقي خط غرينيتش، وما بين خطي العرض 12 و30 شمالي خط الإستواء.
يتمدّد هذا البحر بانحناء نحو الغرب، من الجنوب إلى الشمال على مسافة تقارب 1900 كلم، ويراوح عرضه ما بين 25 كلم عند مضيق باب المندب، و355 كلم ما بين إريتريا واليمن، وينتهي بخليجي العقبة، و السويس، وعبر قناة السويس إلى البحر الأبيض المتوسط. معدل عرضه حوالى 200 كلم, أقصى عمق له هو 2200م في الوسط، أمّا معدل العمق فيبلغ 200م فقط. تقدر مساحته بحوالى 438 ألف كلم2.
تكمن الأهمية الجيوبوليتيكية للبحر الأحمر في مكونات وموارد الدول المشاطئة لمياهه، وهذه الدول هي من الشرق: اليمن، المملكة العربية السعودية. من الشمال الأردن، وفلسطين المحتلة وشبه جزيرة سيناء المصرية. أمّا من الغرب، فهي: جمهورية مصر العربية، جمهورية السودان، جمهورية إريتريا، دولة دجيبوتي، الواقعة على مضيق باب المندب المدخل الجنوبي للبحر.
يحتوي هذا البحر على عدد كبير من الجزر الإستراتيجية، أهمها: جزيرة بريم، الواقعة في فم مضيق باب المندب، وجزر فرسان السعودية، وجزر دهلك الإريترية، وجزر حنيش اليمنية، بعد نزاع  ما بين اليمن وإريتريا على ملكيتها.
تمتلك السعودية أطول الشواطئ على هذا البحر، تليها مصر، ثم إريتريا، والسودان، ثم اليمن، فدجيبوتي، أما الدولتان الباقيتان (فلسطين، والأردن)، فشواطئهما قصيرة نسبياً، ولكنهما تتمتعان بموقع إستراتيجي (ميناء إيلات، والعقبة، وطابا، في الشمال)، وتتمتع اريتريا ودجيبوتي واليمن في الجنوب، أيضًا بموقع استراتيجي على المضيق، الذي يتحكم بحركة الدخول إلى هذا البحر، باتجاه الشمال وقناة السويس ومنه إلى البحر المتوسط.
 
الأهمية الجيوستراتيجية
تكمن الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر في موقعه الجغرافي الوسيط, كرابط ما بين المحيط الهندي وبحر العرب من الجهة الجنوبية والبحر الأبيض المتوسط من الجهة الشمالية عبر قناة السويس التي شكلت منذ إنشائها  بعدًا استراتيجيًا، لأنها ربطت الدول المشاطئة له بالبحر المتوسط واوروبا والغرب عبر أقصر الطرق وسهلت حركة التجارة والإنتقال ما بين هذه الدول وغيرها، وبالعكس. أما البعد الآخر للقناة، ففي كونها تشكل مع مضيق باب المندب في الجنوب، معبرين استراتيجيين  متلازمين مهمين كوّنا البعد الجيوستراتيجي للبحر الأحمر، كطريق آمن وقصير ما بين الشرق الأقصى والخليج العربي من جهة، واوروبا والقارة الأميركية، من جهة أخرى. وهذه الطريق تختصر آلاف الكيلومترات أمام حركة الملاحة البحرية لنقل البضائع، والبترول، والغاز، بدلًا من الدوران حول القارة الأفريقية.
 
مضيق باب المندب
يمكن إعتبار مضيق باب المندب، (25 إلى 29 كلم، عرضًا) من أهم المعابر المائية، الضرورية لحركة التجارة ونقل الطاقة، في العالم، إذ تتحرك عبره حوالى 15% من السفن العالمية ذهابًا وإيابًا.
يقع المضيق ما بين سواحل اليمن من الشرق، ودجيبوتي  من الغرب، وتقع فيه جزيرة بريم اليمنية، والتي تقسمه إلى معبرين شرقي بعرض 3 كلم، قليل العمق (30مترًا)، وغربي بعرض حوالى22كلم، وبعمق حوالى 300متر، وهذا المعبر هو الأكثر اعتمادًا لحركة السفن.
ولا يمكن فصل هذا المضيق من الناحية الاستراتيجية عن خليج عدن واليمن وبحر العرب والصومال من جهتي الجنوب والشرق، وكذلك عن إثيوبيا وإريتريا من جهتي الشمال والغرب.
 
الصراع على البحر الأحمر
• مكونات الصراع وتاريخيته:
يمتاز البحر الأحمر بأنه من أكثر بحار العالم ملوحة، (40 إلى 50 بالألف)، لقلة الأنهار التي تصب فيه، وهو من أكثرها غنى بالكائنات والأعشاب البحرية والشعب المرجانية، كذلك أكثرها غنى بالمناظر الطبيعية الخلابة، وأسماكه النادرة تشكل مطلبًا لهواة الغطس والسباحة، كما أن حرارة الماء الدافئة فيه طوال  أيام السنة، تجعل منه موقعاً سياحياً ممتازاً، في معظم شواطئه.
لا تكمن أهمية البحر الأحمر بذاته فقط بل بموقعه وموارد الدول المشاطئة له، من مصر إلى السعودية واليمن والسودان، فهذه الدول تمتلك كميات ضخمة من النفط والغاز وعلى سواحلها تقوم الأنابيب و المحطات والمرافئ لتصدير هذه المواد الضرورية إلى الدول شرقاً وغرباً: من اليابان والصين وحتى اوروبا والقارة الأميركية. لذلك تعتبر هذه الدول أن موارد الطاقة الموجودة في هذه المنطقة من العالم (حوالى 60%من الإحتياطي العالمي)، والضرورية جداً لتقدمها وصناعاتها ورخاء شعوبها وأمنها القومي، لا يمكن أن تترك للصدفة، أو عرضة لمخاطر محلية أو دولية تمنع وصولها اليها بأسرع الطرق وأقلها كلفة. وقد شرعت منذ زمن في فرض وجودها غير المباشر ومن ثم المباشر على الأرض حيث الموارد، لتأمين استخراجها وضمان خطوط نقلها عبر البحار إلى بلادها، وذلك بوجودها المستمر في البحار والمضائق من السويس إلى باب المندب ومضيق هرمز على الخليج العربي-الفارسي ومضيق  مالاقا  الإندونيسي، عبر المحيط الهندي، وعبر البحر المتوسط الى جبل طارق،  فالمحيط الأطلسي.
لم يكن البحر الاحمر طوال تاريخه خارج صراع الدول الموجودة على ضفافه أو صراع الأمبراطوريات التي احتلت هذه المنطقة،  فمنذ الدولة المصرية القديمة (قبل 5000عام) مروراً بالأمبراطورية الفارسية وأمبراطورية الإسكندر وخلفائه ثم الأمبراطورية الرومانية فالإسلامية والعثمانية والبريطانية ومن بعدها الأميركية في عصرنا الحاضر، شكل البحر الأحمر عنصرًا مهمًا في حركة التجارة والحروب ما بين القوى المتصارعة للسيطرة على حركة التجارة ما بين الشرق والغرب. وما إنشاء قناة السويس في القرن التاسع عشر (وبعد محاولات عديدة لإنشائها منذ آلاف السنين) إلاّ تعبير عن الحاجة لوصل الشرق والغرب عبر أقصر الطرق وأسهلها لحركة الأساطيل التجارية والحربية للدول العظمى، وتأمين سرعة تحركها للتدخل في شؤون الأمم الشرقية من أفريقيا وحتى الصين، وصورة عن التنافس والصراع الإستعماري ما بين هذه الدول على الموارد والأسواق.
كذلك لا يمكن استبعاد الصراع الأميركي -السوفياتي على هذا البحر ودوله عن هذه الصورة طوال مرحلة الحرب الباردة بينهما (1945-1991).
 
• حاضر الصراع:
سعت «دولة إسرائيل» منذ احتلالها أرض فلسطين العربية وإنشاء الكيان الصهيوني إلى أن يكون لها موطئ قدم على شاطئ البحر الأحمر، ولذلك عمدت إلى احتلال قرية «أم الرشراش» المصرية، الواقعة على خليج العقبة وإبادة من كان فيها (10 آذار 1949) وذلك بعيد انتهاء الحرب العربية الإسرائيلية، وأقامت مكانها مدينة وميناء أطلقت عليها إسم «إيلات». وهكذا حجزت مقعدًا لها للتدخل في شؤون البحر الاحمر ودوله منذ تلك الفترة، واصبحت أحد اللاعبين الإستراتيجيين الأساسيين فيه وعبره للحفاظ على أمنها ولنقل صادراتها الى شرق أفريقيا وعبر المحيط الهندي إلى الشرق الأقصى.
كذلك، يعتبر ميناء العقبة الأردني المنفذ البحري الوحيد للمملكة الأردنية على البحار (عدة كيلومترات)، وعاملًا اساسيًا في حركة تجارتها البحرية مع دول العالم.
أمّا المملكة العربية السعودية فتمتلك أطول ساحل على هذا البحر (1700كلم)، ويمتد من حدود الأردن في الشمال وحتى حدودها مع اليمن في الجنوب، وعليه تقع مدينة جدّة وميناؤها (وهي اهم مرفأ لتصدير النفط والغاز الى الغرب عبر قناة السويس). كذلك يعتبر مرفأ جدة نقطة وصول (terminal) للكثير من خطوط الأنابيب الممتدة عبر المملكة لنقل النفط والغاز حتى من  المنطقة الشرقية وآبارها وحقولها وذلك لتخفيف الضغط على مضيق هرمز في الخليج العربي، وتقصير المسافة على الناقلات الضخمة، بخاصة تلك المتوجهة إلى دول الغرب. وقد كان للحرب العراقية الإيرانية دور كبير في هذا التوجه للتركيز على موانئ البحر الأحمر، بسبب زرع الألغام في مياه الخليج في أثناء الحرب أو قصف الناقلات العابرة فيه، حتى أن البحر الأحمر لم يسلم بدوره من عمليات التلغيم خلال هذه الحرب.
وتزداد هذه الأهمية اليوم بسبب التوتر في منطقة الخليج، سواء بسبب الخلافات بين بعض دوله، أو ما بين الولايات المتحدة والدول الاوروبية وإيران، على خلفية الملف النووي الإيراني والتهديدات الاميركية والإسرائيلية بضرب إيران وما يمكن أن ينتج عن ذلك من تداعيات ونتائج قد تؤدي الى إغلاق مضيق هرمز وتوقف نقل الطاقة إلى دول العالم المختلفة.
أمّا اليمن فهي الأخرى تمتلك شاطئاً طويلاً على هذا البحر (440كلم) ولكنها تتميز عن غيرها من الدول المشاطئة بإشرافها على مضيق باب المندب وجزر بريم من الشرق وحركة العبور باتجاه البحر الأحمر او باتجاه بحر العرب والمحيط الهندي، وهي بذلك تمتلك موقعًا استراتيجيًا مهمًا شكل منذ القدم ومازال بعدًا جيوستراتيجيًا في علاقاتها الدولية، وأهمية لا يستغنى عنها في نظرة الدول الكبرى لحماية مصالحها، ونقطة لاصطدام هذه المصالح او تلاقيها.
من الجهة المقابلة لليمن والمضيق تقع دولة دجيبوتي العربية التي تمتلك شاطئاً على البحر الأحمر يزيد على 50كلم وهي تشرف على المضيق مباشرة من جهة الغرب، ولكنها ايضاً تمتلك ساحلاً طويلاً يشرف على خليج عدن وصولاً إلى الصومال التي تشترك معها في الإشراف على هذا الخليج الحيوي. وبسبب هذا الموقع المهم لدجيبوتي فقد تمركزت في باب المندب قواعد فرنسية وأميركية وقطع بحرية غربية متعددة لضمان أمن المضيق وتأمين سلامة العبور فيه وللتدخل في أي مسرح مجاور قد يتهدد أمن المضيق والبحر الأحمر، وبخاصة عمليات القرصنة الصومالية.
إريتريا من الدول التي تمتلك أطول الشواطىء على هذا البحر الأحمر بعد السعودية ومصر (حوالى 1100كلم). وهي الدولة الوحيدة غير العربية التي تشاطئه (طبعاً إذا استثنينا دولة إسرائيل التي تحتل فلسطين) ودولة إثيوبيا التي تطل على البحر من خلال اتفاقات خاصة مع دولة إريتريا عبر «ميناء عصب» وبعد صراع دام بينهما استمر عقودًا للوصول إلى البحر) .  ومن هنا يمكن فهم السعي الذي كان قائماً، ما بين كل من إسرائيل وإثيوبيا وإريتريا لإقامة تحالف استراتيجي وأمني، بالتنسيق مع الولايات المتحدة الأميركية لتسهيل العمل المشترك في البحر الأحمر وبعض جزره وكذلك على أرض الدول الأخرى المشاطئة مثل اليمن والسعودية والسودان والصومال.
ولكن من اللافت، تنامي العلاقات الإيرانية الإريترية مؤخرًا والحديث عن قواعد إيرانية في بعض موانئ إريتريا وعن دعمها الحركة الحوثية في اليمن من خلال التدريب وتزوّد السلاح، وهذا يشير إلى أهمية البحر الأحمر الاستراتيجية  بالنسبة إلى دول المنطقة وحتى تلك البعيدة عنه.
 تمتلك السودان شاطئاً طويلاً على البحر الاحمر (اكثر من 500كلم) ومع أنه غير صالح للملاحة, والرسو في أكثر أجزائه، لكن أهميته تتركز في ميناء «بورت سودان» حيث يتم تصدير النفط واستيراد مختلف البضائع.وتعتبر الصين إحدى أهم الدول التي تستورد النفط السوداني، وكذلك إحدى أهم مقوماته الاستراتيجية ومن كبار اللاعبين فوق مسرحه وحوله.
يرتبط البحر الأحمر بمصر أكثر من غيرها من الدول المشاطئة له، وذلك بسبب التاريخ المصري العريق وكونها كانت تسيطر على اكثر شواطئه منذ القدم، ولأنها هي التي أعطت لهذا البحر أهميته في العصر الحديث من خلال إنشاء قناة السويس التي منحت البحر الأحمر أهميته الجيوستراتيجية والتجارية كمعبر اقتصادي مهم ما بين الشرق والغرب.
تمتلك مصر شواطىء على هذا البحر تزيد على 1200كلم تمتاز بجمالها ومنتجعاتها السياحية التي تستقطب ملايين السواح من مختلف أنحاء العالم، وهي كذلك تصدّر من هذا الشاطئ النفط والغاز إلى الشرق والغرب.
 
أهمية البحر الأحمر
البحر الأحمر اليوم مسرح تنافس دولي ما بين الدول المشاطئة له أو المطلة عليه وما بين الدول الكبرى، فهو بقعة جيوستراتيجة بامتياز كونه يتوسط مناطق مصادر الطاقة في منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي وأفريقيا  الشرقية وهو معبر سهل وقصير واقتصادي ما بين هذه المصادر ودول الإستيراد وبخاصة دول الغرب. كما أنه ممر استراتيجي لحركة الأساطيل الحربية مابين البحر المتوسط والمحيط الهندي وأفريقيا وصولاً حتى الصين واليابان والمحيط الهادئ. لذلك لم يعد من المستغرب أن يشهد هذا الحشد الهائل من حركة الأساطيل الحربية المتعددة الجنسيات والتي تتحرك وتنتشر فيه أو عبره إلى خليج عدن وبحر العرب وشواطئ الصومال وحتى المحيط الهندي. ولعلّ ما يحدث من مشاكل في بعض البلدان المطلة عليه ليس بعيدًا من سياسات الدول الكبرى واستراتيجياتها لتأمين مواطئ أقدام سياسية وعسكرية لها لضمان أمنها القومي ومواردها الضرورية، سواء أكان ذلك لاستمرار تطورها أم لاستمرار تفوقها. وبما أن منطقة الشرق الأوسط والخليج وشرق أفريقيا تحتوي أكثر من ثلثي الإحتياط العالمي من مصادر الطاقة (نفط وغاز) وفي غياب بديل جاهز أو وشيك لهذه الطاقة، فإن الدول الكبرى تتنافس للوصول أو للإستيلاء على هذه الموارد  وبأي ثمن. هذا الثمن تدفعه اليوم كما في الأمس دول هذه المناطق وشعوبها: فوضى، وتخلّف، ودماء…
 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى