تحقيقات استقصائية
أخر الأخبار

تقرير الأحداث النشطة   ساحات التأثير05102026

 

 

تقرير الأحداث النشطة

  ساحات التأثير

 

 


  • التغطية 04 اكتوبر / تشرين الاول  2026
  • تاريخ الإصدار 05 اكتوبر / تشرين الاول 2026

  المحتويات

أولا: الوضعية العامة 3

ثانيا: المجريات الميدانية في لبنان. 3

ثالثا: المجريات السياسية في لبنان. 7

رابعا : خلاصات ونتائج. 12

خامسا : تقدير موقف.. 13


أولا: الوضعية العامة

الساحة اللبنانية تعمل حالياً تحت معادلة ضغط عسكري إسرائيلي مستمر من دون الانتقال إلى حرب شاملة، ومسار تفاوضي قائم من دون قدرة على إنتاج انسحاب أو وقف فعلي للأعمال العسكرية.

ميدانياً، تحتفظ إسرائيل بحرية العمل وبالمبادرة. مركز الثقل الناري بقي جنوباً، خصوصاً المنصوري ومحور كفرتبنيت–ميفدون وحداثا–برعشيت، فيما امتد نشاط المسيّرات إلى بيروت والضاحية والبقاع وبعلبك. هذا الفصل بين نطاق النيران ونطاق الاستطلاع يسمح لإسرائيل بإدامة الضغط جنوباً، بالتوازي مع مراقبة العمق وإبقاء القدرة على توسيع بنك الأهداف من دون الحاجة إلى رفع مستوى التصعيد فوراً.

المؤشرات الإسرائيلية المرتبطة بتجهيز مواقعها لفصل الشتاء واستمرار التحصين والتفجيرات لا تنسجم مع فرضية انسحاب قريب. الأرجح أن إسرائيل تبني وضعاً ميدانياً يسمح لها بالتفاوض من موقع الاحتفاظ بالأرض وحرية الضرب، على أن يصبح الانسحاب تدريجياً ومشروطاً بما تعتبره إجراءات قابلة للتحقق ضد البنية العسكرية لحزب الله.

لبنانياً، لم تعد العقدة محصورة في السلاح أو الانسحاب، بل أصبحت في ترتيب التنفيذ ومن يملك حق وضع شروطه. الحكومة تعتبر حصرية السلاح مساراً قائماً يجب تنفيذه بالتوازي مع استعادة الدولة لدورها في الجنوب. حزب الله يعتبر أن المسار الحكومي نفسه يحتاج إلى مراجعة قبل العودة إلى حوار فعلي. نتيجة ذلك أن الفجوة السياسية الداخلية تسبق أي نقاش تقني حول آليات التنفيذ.

الولايات المتحدة تمسك بالإطار السياسي والتفاوضي، فيما تعمل فرنسا وأوروبا على تثبيت الجيش ومعالجة مرحلة ما بعد اليونيفيل ودعم الدولة مالياً وأمنياً. لا يظهر حتى الآن مسار دولي بديل يفرض على إسرائيل انسحاباً سريعاً، بل مسار يحاول تثبيت الدولة وتوسيع حضورها وربط الدعم بالإصلاحات وبسط السلطة وحصرية السلاح.

ثانيا: المجريات الميدانية في لبنان

الجهد الناري بقي مركزاً في الجنوب، مع استمرار المنصوري كنقطة الضغط الرئيسية، يليها محور كفرتبنيت–ميفدون ثم حداثا–برعشيت. في المقابل، حافظ النشاط المسيّر على تغطية واسعة للعمق اللبناني، من بيروت والضاحية إلى البقاع وبعلبك، من دون انتقال مماثل في مستوى النيران إلى هذه المناطق.

سُجل خلال اليوم 123  واقعة، منها 77  للمسيّرات، 28 واقعة قصف مدفعي و6 غارات جوية، إضافة إلى عمليات تفجير وتمشيط وإطلاق نار. تركزت الاعتداءات المباشرة في الجنوب، مع ثلاثة محاور رئيسية: المنصوري غرباً، كفرتبنيت–ميفدون–أرنون ووادي الحجير وسطاً، وحداثا–برعشيت–وادي السلوقي شرقاً.

كانت المنصوري مركز الثقل الأبرز، إذ تعرضت لغارتين، وثماني وقائع قصف مدفعي، وتمشيط بالأسلحة الرشاشة، وعملية تفجير، إلى جانب تحليق متكرر للمسيّرات.

في المحور الأوسط، تعرضت كفرتبنيت لغارة وثلاث وقائع قصف مدفعي، وميفدون لثلاث وقائع قصف، فيما استُهدفت المنطقة بين أرنون وكفرتبنيت، ونُفذت غارة على وادي الحجير جهة الغندورية–القصير.

شرقاً، تعرضت حداثا لغارتين وواقعتَي قصف مدفعي، فيما تعرضت برعشيت للقصف وعملية تفجير، وسُجلت قنبلة صوتية بين برعشيت وشقرا. كما طال القصف وادي السلوقي، الخيام، حولا وكونين.

سُجلت عمليات تفجير في برعشيت، المنصوري ومجدل زون، وتمشيط وإطلاق نار باتجاه المنصوري وزوطر الشرقية. كما ورد بلاغ ميداني عن إحراق منازل في زوطر الشرقية.

عند نحو الساعة 19:21، سقطت قذائف مدفعية قرب آلية للجيش اللبناني على أوتوستراد كفررمان–الميدنة من دون إصابات.

النشاط المسيّر اتسع إلى خارج نطاق الضربات، وشمل بيروت والضاحية الجنوبية، الشويفات، الساحل جنوب بيروت، البقاع الغربي، بعلبك–الهرمل، إضافة إلى معظم محاور الجنوب. جغرافياً، تصدرت النبطية بـ31 تنبيهاً، صور بـ23، ومرجعيون بـ14.

 

المقاومة: الرواية والعمليات

لم يظهر ضمن النافذة المرصودة بيان عملياتي جديد معلن من حزب الله في المقابل، تحدثت Ynet عن إطلاق صواريخ من لبنان باتجاه صفد، من دون تبنٍّ معلن من الحزب، خطاب المنار ركز على استمرار الغارات والقصف والتفجيرات الإسرائيلية في الجنوب، وعلى بقاء الاحتلال وحرية العمل الجوي والميداني. مركز الرواية بقي أن الحرب لم تُغلق وأن استمرار الاحتلال والاعتداءات يبقي مبررات المواجهة قائمة.

في الإعلام اللبناني غير المحسوب على الحزب برز نقاش حول الفجوة بين خطاب الانتصار والواقع القائم جنوباً، مع تركيز على تثبيت إسرائيل وقائع ميدانية جديدة واحتمال تحويل بعض نقاط وجودها إلى حضور طويل الأمد.

الرواية الإسرائيلية الرسمية والعسكرية

الجيش الإسرائيلي أعلن إصابة جندي بجروح خطرة وضابط بجروح متوسطة خلال نشاط في جنوب لبنان، من دون تقديم تفاصيل واسعة عن مجمل العمليات الجارية.

أفيخاي أدرعي أعاد خلال 4 تشرين الأول إبراز عمليات سابقة ضد بنى ومقار لحزب الله. أهمية ذلك ليست في الواقعة القديمة نفسها، بل في استمرار ضخ رواية أن الحزب يتعرض لاستنزاف متواصل وأن إعادة بنائه ما زالت تحت الرصد والاستهداف.

القناة 12 دفعت برواية أن حزب الله ينقل جزءاً من قدراته إلى مناطق أعمق داخل لبنان. لم تثبت هذه التفاصيل مستقلاً، لكنها تكشف اتجاهاً إسرائيلياً واضحاً نحو توسيع مفهوم التهديد من الانتشار الحدودي إلى منظومة إعادة البناء في العمق.

المحللون ومراكز الفكر

آفي يسسخاروف حذر من أن الضغط المفرط على مؤسسات الدولة اللبنانية قد يعطي حزب الله فرصة لاستعادة الالتفاف الداخلي حوله، مع تأييده استمرار الضغط على الحزب نفسه.

يوسف يهوشع ركز على ضرورة منع فترة هدوء تسمح بإعادة بناء القدرات.

ساريت زهافي ومركز «ألما» يقدمان حزب الله كمنظومة لم تفقد القدرة على إعادة التنظيم، مع تركيز على الصواريخ والمسيّرات والتجنيد والتدريب والإنتاج، إضافة إلى البنية الاجتماعية والسياسية الداعمة.

الاتجاه الأوضح في مراكز الفكر الإسرائيلية هو التعامل مع إعادة بناء الحزب كملف يتجاوز السلاح إلى البيئة السياسية والاجتماعية والنفوذ داخل الدولة.

مستوطنو الشمال

سلطات الشمال تواصل الضغط باتجاه عدم العودة إلى قواعد ما قبل الحرب. مطلبها الأساسي هو منع عودة تهديد حزب الله إلى الحيز الحدودي، وليس الاكتفاء بعودة السكان أو انخفاض وتيرة النيران. هذا الضغط يضيّق هامش الحكومة في أي تفاهم لا يتضمن ترتيبات أمنية أكثر تشدداً على الجبهة الشمالية.

المعارضة الإسرائيلية

لم يظهر ضمن النافذة موقف جديد نوعي للمعارضة الإسرائيلية يجعل لبنان محور خلاف مستقل مع الحكومة. النقاش بقي تقوده الحكومة والجيش والمعلقون الأمنيون وسلطات الشمال.

 

1- الوضعية الإنسانية في لبنان
النزوح والإيواء

المنظمة الدولية للهجرة – آخر تحديث: 29-09-2026

بلغ عدد النازحين داخلياً 329,686 شخصاً، بينهم 14,277 نازحاً داخل 154 مركز إيواء و315,409 خارج مراكز الإيواء.

بلغ عدد الذين بدأوا العودة إلى مناطقهم 877,203 أشخاص. النسبة الأكبر من النازحين باتت خارج مراكز الإيواء، ما يرفع الضغط على الإيجارات والاستضافة العائلية والخدمات المحلية.

 

2-الصحة والضحايا

وزارة الصحة العامة – آخر حصيلة وطنية منشورة: 25-09-2026

منذ 2 آذار 2026:

  • 4,386 شهيداً
  • 12,413 جريحاً

منذ 8 تشرين الأول 2023:

  • 8,953 شهيداً
  • 30,649 جريحاً
3- القطاع الصحي

الصليب الأحمر اللبناني – آخر بيانات تشغيلية متاحة حتى 05-10-2026

منذ تصعيد آذار:

  • 40,933 حالة إسعاف ونقل مرضى
  • 13,641 وحدة دم موزعة
  • 91,762 مستفيداً من الرعاية الصحية الأولية
  • 80,381 خدمة دوائية
  • 399,322 مادة إغاثية
  • 217,558 ليتراً من المياه

 

4-الأطفال

اليونيسف – آخر تحديث: 02-10-2026

منذ 2 آذار:

  • 261 طفلاً شهيداً على الأقل
  • 1,056 طفلاً جريحاً
  • 436 مدرسة متضررة أو مدمرة
  • نحو 100 ألف طفل مهددون بعدم توفر مقاعد دراسية مناسبة.

اليونيسف – تحديث 30-09-2026

  • 80% من الأسر تواجه صعوبة في تأمين الاحتياجات الأساسية.
  • 22% أفادت بأن أطفالها ناموا جائعين خلال الأسبوعين السابقين.
  • 31% لم تتمكن من تأمين رعاية صحية لازمة لأطفالها.
  • 14% أفادت بوجود طفل واحد على الأقل يعمل.
5-التعليم

وزارة التربية والتعليم العالي / اليونيسف – آخر تحديث: 02-10-2026

من أصل 1,089 منشأة تعليمية شملها المسح:

  • 436 منشأة متضررة
  • 37 منشأة مدمرة

استمرار النزوح واستخدام عدد من المدارس للإيواء يضغط مباشرة على انتظام العام الدراسي.

6-الأمن الغذائي

برنامج الأغذية العالمي – آخر تحديث متاح حتى 05-10-2026

نحو 1.24 مليون شخص في لبنان يواجهون انعدام أمن غذائي حاد، أي قرابة شخص من كل أربعة.

ارتفعت أسعار الغذاء بنحو 18% خلال 2026.

7-النساء والحوامل

صندوق الأمم المتحدة للسكان – آخر تحديث: 24-09-2026

نحو 390 ألف امرأة في سن الإنجاب بين النازحات والعائدات، بينهن قرابة 16 ألف حامل.

استمرار تعطل بعض المرافق الصحية وصعوبة الوصول إلى مناطق الجنوب والنبطية يزيد الضغط على خدمات الحمل والولادة والصحة الإنجابية.

8-المأوى والحماية

المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين – آخر تحديث: 30-09-2026

لا تزال عائلات غير قادرة على العودة الفعلية إلى منازلها بسبب الدمار أو عدم صلاحية السكن أو فقدان مصدر الدخل، رغم تسجيلها ضمن حركة العودة.

الحاجة مستمرة إلى:

  • إصلاح المساكن.
  • مساعدات الإيجار.
  • دعم المأوى.
  • خدمات الحماية.
9-الجنوب والبنية التحتية

وزارة الأشغال العامة والنقل / المصلحة الوطنية لنهر الليطاني – تحديث: 04-10-2026

بدأ العمل على إنشاء عبارة مائية بديلة للجسر المدمر في طيرفلسيه لتأمين الحركة بين مناطق الزهراني وصور.

بلدية صور / مؤسسة عامل الدولية – تحديث: 04-10-2026

افتُتح مركز آمن للفتيات والنساء والأطفال في صور، لتقديم خدمات الحماية والدعم للفئات المتضررة.

10-الاستجابة الأممية

الأمم المتحدة – خطة لبنان للاستجابة 2026، آخر تحديث: 18-09-2026

تركز الاستجابة الحالية على النزوح، العودة، الإيواء، الصحة، الغذاء، الحماية، التعليم، وإعادة تأهيل الخدمات الأساسية.

مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية – آخر تحديث شامل: 31-08-2026

بلغ التمويل المتاح للاستجابة نحو 332.4 مليون دولار من أصل 639.9 مليون دولار مطلوبة، أي نحو 52% فقط.

حتى نهاية فترة الرصد، تبقى الأرقام المرجعية الأحدث: 329,686 نازحاً، 14,277 داخل 154 مركز إيواء، و877,203 عائدين.

 

ثالثا: المجريات السياسية في لبنان  

 

لبنانياً

الموقف الأكثر دلالة داخل النافذة صدر عن رئيس الحكومة نواف سلام، لا لأنه حمل تغييراً في أصل السياسة الحكومية، بل لأنه أعاد ضبط العلاقة بين ثلاثة ملفات يجري خلطها عمداً في السجال الداخلي: الانسحاب الإسرائيلي، حصر السلاح، ومسار التفاوض. سلام قال بوضوح إن المطلوب هو الانسحاب الإسرائيلي الكامل إلى الحدود المعترف بها دولياً، وإن «اتفاق الإطار» يجب أن يُنفذ وفق التبادلية والمرحلية، لكنه اعتبر أن الحلقة المفقودة هي الجدول الزمني. وفي المقابل، فصل بين الانسحاب وبين التزام الدولة بحصر السلاح، مؤكداً أن بسط سلطة الدولة وحصرية السلاح التزام لبناني سابق لاتفاق الإطار، يعود إلى الطائف والقرارات الدولية واتفاق وقف الأعمال العدائية في تشرين الثاني 2024، وأنه لم يحصل ربط مباشر يقول إن إسرائيل لا تنسحب إلا بعد تسليم السلاح. كما نفى وجود اتفاق سري، ووصف «الإطار» بأنه خريطة طريق سياسية وليس معاهدة ترتّب التزامات قانونية جديدة.

الأهم في كلام سلام أنه لم يعلن انتهاء الحرب، ولم يبنِ خطابه على فرضية أن إسرائيل في طور الانسحاب. على العكس، أقر بأن القتال والاحتلال والاعتداءات ما زالت قائمة، لكنه رفض تجميد عودة الدولة والخدمات والإعمار إلى حين التسوية. لذلك ربط جولاته في النبطية وصور عملياً بإعادة المياه والكهرباء، ترميم المدارس، تنفيذ التلزيمات وعودة السكان، وأقر في الوقت نفسه بأن الموارد اللبنانية غير كافية وأن مسار التعافي يحتاج إلى تمويل خارجي. هذه المقاربة تحوّل حضور الدولة في الجنوب من عنوان سياسي مجرد إلى منافسة فعلية على وظيفة الحماية والخدمة وإعادة الإعمار، وهي تحديداً النقطة التي دار حولها جانب واسع من السجال السياسي بعد زيارته الأخيرة للنبطية.

في المقابل، رفع «حزب الله» سقف المواجهة السياسية مع السلطة. رئيس مجلسه التنفيذي علي دعموش قال إن الحزب لا يرى جدوى في إعادة الحوار قبل تراجع السلطة عما وصفه بـ«قرارات تجريم المقاومة»، ورفض المنطق الذي يحكم المسار الحالي مع إسرائيل، معتبراً أن الدولة لم تقدم مساراً يؤدي إلى التحرير والعودة والإعمار. الكلام مهم لأنه ينقل الخلاف من نقاش حول كيفية حصر السلاح إلى خلاف على شرعية المسار الرسمي نفسه وشروط العودة إلى الحوار. الحزب لا يغلق باب الحوار من حيث المبدأ، لكنه يضع قبله تراجعاً سياسياً من السلطة؛ بينما سلام، في المقابلة نفسها، قال إن الحوار لم ينقطع لكنه لا يرى سبباً للعودة إلى نقطة الصفر، بل للانتقال إلى تنفيذ ما سبق الاتفاق عليه. هاتان الصيغتان لا تلتقيان حالياً: الحكومة تتعامل مع حصرية السلاح كقرار قائم يحتاج إلى تنفيذ، والحزب يتعامل مع جانب من قراراتها باعتباره أساس المشكلة الواجب الرجوع عنه قبل الحوار.

داخل المساحة الشيعية نفسها لم تكن الصورة أحادية. السيد علي فضل الله رحّب بزيارة سلام إلى النبطية وطالب بأن تؤسس لمرحلة جديدة في علاقة الحكومة بالجنوب وأهله. هذه ليست اصطفافاً سياسياً مع الحكومة بقدر ما تعكس وجود مساحة تفصل بين الاعتراض على سياسات السلطة وبين رفض عودة مؤسساتها إلى الجنوب. وفي المستوى السياسي الأوسع، رصد تقرير لـ«الشرق الأوسط» تراجع ظهور عدد من الحلفاء السابقين لـ«حزب الله» في مناسباته الأخيرة وقرأه كتآكل لشبكة التحالفات التي راكمها خلال العقدين السابقين. هذه قراءة صحافية مبنية على مؤشرات حضور وغياب ومواقف سياسية، وليست إعلاناً رسمياً عن انهيار تحالفات؛ لكنها تتقاطع مع انتقال عدد من القوى التي كانت قريبة من الحزب إلى مواقف أكثر استقلالاً عنه في ملف الدولة والسلاح والتفاوض. ياصور

الحزب التقدمي الاشتراكي و«اللقاء الديمقراطي» بقيا في منطقة دعم التفاوض مع الاعتراض على مردوده. هادي أبو الحسن، شارحاً موقف وليد جنبلاط، أكد تأييد التفاوض للوصول إلى نتيجة لكنه وصف المسار الحالي بأنه لم يحقق نتيجة، وحمّل غياب الضغط الأميركي الفعلي على إسرائيل جزءاً من مسؤولية المراوحة. بالتوازي، أعطى اللقاء الذي رعاه تيمور جنبلاط في بيروت، بحضور وزير الداخلية أحمد الحجار وشخصيات سياسية، غطاءً واضحاً لفكرة أن الأولوية هي تثبيت الدولة في الجنوب وأن التفاوض مقبول متى أنتج انسحاباً وعودةً وحلاً لملف الأسرى. الدلالة هنا أن الاعتراض الوسطي على المفاوضات لا يتحول إلى رفض لمبدأ التفاوض، بل إلى ضغط لتحسين شروطه ونتائجه.

جبران باسيل حافظ بدوره على خطاب لا يندمج بخطاب «حزب الله» لكنه يتجنب الانتقال إلى القطيعة معه: شدد خلال جولته في جبيل على أن الخلاف السياسي لا يبرر الاستخفاف بتضحيات الآخرين، واضعاً سقفاً اجتماعياً ووطنياً للصراع الداخلي. عملياً، يبقى التيار في موقع التمايز عن الحزب في خيارات الدولة والسياسة من دون اعتماد لغة الصدام المستخدمة من خصوم الحزب الآخرين، وهو ما يفسر بقاء قنوات الحركة بين الجانبين رغم التراجع الكبير في التحالف السابق.

بالتوازي مع ملف الحرب والسلاح، عاد قانون الانتخاب صباح 5 تشرين الأول إلى واجهة الاشتباك السياسي. اللجنة الفرعية برئاسة نائب رئيس المجلس إلياس بو صعب تستأنف البحث في حزمة واسعة من الاقتراحات، وبينها البطاقة الممغنطة، الـ«ميغاسنتر»، اقتراع المغتربين وصيغ أخرى تمس بنية النظام الانتخابي. دخول «القوات اللبنانية» على الخط عبر مسؤولين وحسابات مرتبطة بها في السوشيال ميديا ركّز على أن فتح ملفات انتخابية خلافية الآن قد يشتت الأولوية عن ملف سلاح «حزب الله»، مع قبول معالجة التعديلات الضرورية فقط. أما الكلام المتداول في بعض الصحف عن أن إعادة فتح الملف قد تمهّد لتمديد نيابي جديد، فيبقى حتى الإقفال تقديراً لمصادر سياسية وتسريباً غير مثبت، لا قراراً ولا اتجاهاً رسمياً في المجلس. .

وعلى خط مالي موازٍ، حملت أسرار صحف صباح 5 تشرين الأول معلومات عن محاولة رفع مستوى التفاوض مع صندوق النقد وربط المرحلة المقبلة بمشروع قانون مالي قيد الإعداد، مع نقاش حول ترتيب تحميل الخسائر بحيث يتحمل المساهمون في المصارف المتعثرة جزءاً منها قبل حماية الودائع. قيمة هذه المادة أنها تتقاطع مع ما قاله السفير الفرنسي لاحقاً عن استمرار الضغط الدولي لإنجاز التشريعات المالية، لكنها تبقى في جزء منها معلومات صحافية غير معلنة رسمياً بعد.

 

إسرائيلياً

في الساحة الإسرائيلية ظهر خلال النافذة مساران متكاملان: تثبيت الوجود العسكري جنوباً، ورفع سقف الشروط التفاوضية. تقرير نقل عن «واينت» أن الجيش الإسرائيلي يهيئ مواقع داخل جنوب لبنان لإقامة ممتدة خلال الشتاء، مع تحسين التحصينات وطرق الوصول والمولدات والمرافق في مواقع انتشار القوات. بالتزامن استمرت عمليات التفجير والقصف، وبينها تفجيرات المنصوري وبرعشيت وإحراق منازل في زوطر الشرقية. المعطى المتعلق بالشتاء ليس قراراً حكومياً معلناً بضم المنطقة أو إلغاء التفاوض، لكنه مؤشر عملياتي يناقض أي افتراض بوجود انسحاب وشيك على كامل الحزام الذي يحتله الجيش الإسرائيلي.

الأكثر حساسية جاء صباح 5 تشرين الأول عبر معلومات نسبتها «النهار» إلى مصادر دبلوماسية حول الشروط الإسرائيلية للجولة العسكرية المقبلة. وفق هذه المصادر، تطلب إسرائيل تنسيقاً أوسع مع الجيش اللبناني ضد «حزب الله»، ودخول الجيش إلى مواقع وأنفاق للحزب قبل التقدم في الانسحاب، وتدرس نقل نموذج «المناطق التجريبية» إلى قرى لا تحتلها مباشرة لكنها تسيطر عليها نارياً، مع ذكر النبطية الفوقا ومواقع في إقليم التفاح، إضافة إلى منع عناصر الحزب من العودة أو البقاء في مناطق محددة.

مع ذلك، يتطابق جوهر التسريب مع السلوك الإسرائيلي المعلن منذ اتفاق الإطار: إسرائيل تربط تخفيف عملياتها والانسحاب بتقدم ملموس في تفكيك البنية العسكرية للحزب، وتحتفظ عملياً بحق التحرك العسكري. الفارق الجديد هو أن النقاش، إذا صحت المعلومات، لم يعد يدور فقط حول «حصر السلاح» كهدف عام، بل حول مدى دخول إسرائيل والولايات المتحدة في تفاصيل إجراءات الجيش اللبناني ومناطق انتشاره وآلية التحقق. وهذا يفسر رفض المؤسسة العسكرية اللبنانية، وفق المصدر نفسه، أي تدخل في تشكيل وحداتها أو آليات عملها.

وفي البيئة البحثية الإسرائيلية، عالج مركز «ألما» زيارة سلام الأخيرة للنبطية باعتبارها جزءاً من محاولة الدولة اللبنانية استعادة الحضور المدني والسيادي جنوباً. قيمة هذه القراءة ليست في دقتها المطلقة ــ فالمركز ينطلق من منظور أمني إسرائيلي واضح ــ بل في أنها تظهر أن إسرائيل لا تقرأ تحرك الحكومة في الجنوب كملف خدمات فقط، وإنما كجزء من الصراع على من يملأ المجال الذي يُفترض أن يتراجع منه «حزب الله». وبذلك يصبح الإعمار والبلديات والخدمات، في القراءة الإسرائيلية أيضاً، جزءاً من بنية الصراع السياسي والأمني وليس هامشاً إنسانياً منفصلاً.

 

عربياً وخليجياً

الصحافة الخليجية التي تابعت الملف صباح 5 تشرين الأول ركزت على استمرار معادلة الضغط المتبادل: لبنان ينتظر دوراً أميركياً يترجم الانسحاب، وإسرائيل تربط أي انسحاب بتقدم ضد سلاح الحزب. وهذا لا يُعامل كموقف رسمي خليجي، لكنه يكشف أن القراءة السائدة في هذه المنابر باتت ترى العقدة في التسلسل التنفيذي أكثر مما تراها في غياب إطار سياسي. كما أن تغطية «الخليج» لمعلومات التحضير الإسرائيلي للبقاء طوال الشتاء رفعت منسوب الشك العربي في أن الجولة المقبلة ستنتج انسحاباً سريعاً.

أما الحضور العربي المباشر داخل بيروت فظهر سياسياً أكثر عبر القوى اللبنانية المتصلة بهذه البيئة: اللقاء الذي رعاه تيمور جنبلاط، وموقف وزير الداخلية أحمد الحجار من أولوية الجنوب، أبقيا خيار الدولة والتفاوض في صلب الخطاب، من دون نقل أي مبادرة خليجية جديدة إلى العلن خلال ساعات التغطية.

 

إقليمياً وإسلامياً

إيران ردت مباشرة على المسار الذي فتحه سلام في نيويورك. المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أكد في 4 تشرين الأول أن لقاء الرئيس مسعود بزشكيان وسلام تناول قضية السفير الإيراني في بيروت والعلاقات الدبلوماسية، وقال إن طهران عرضت موقفها وإنها تريد معالجة سوء الفهم بالحوار. اللافت أنه أضاف أن المسألة لا تحظى، برأيه، بإجماع حتى داخل لبنان. يأتي الرد في وقت كان سلام يعلن مساء اليوم نفسه رغبته في «صفحة جديدة» مع إيران على قاعدة الاحترام المتبادل وعدم التدخل، ويطلب تسمية سفير إيراني جديد، بعدما مُددت إقامة السفير السابق ثلاثة أشهر بصفته الفردية لا بالصفة الدبلوماسية السابقة. الخلاف بين الطرفين لم يعد مكتوماً، لكنه انتقل من التراشق إلى محاولة تنظيمه داخل قناة دولة-لدولة.

سلام أضاف إلى ذلك موقفاً سياسياً له وزن إقليمي عندما قال إن لبنان لا يستطيع انتظار تسوية أميركية–إيرانية كي يتحرك. هذه العبارة جاءت فيما بقي المسار الأميركي–الإيراني نفسه متعثراً، مع استمرار الخلاف حول ترتيبات تنفيذ تفاهمات حزيران وملف مضيق هرمز، وفق ما نقلته رويترز في 4 تشرين الأول. لذلك لا تبدو العبارة تفصيلاً خطابياً: الحكومة اللبنانية تحاول علناً فصل تنفيذ قراراتها الداخلية ومسار الجنوب عن توقيت التسوية الكبرى بين واشنطن وطهران.

في المقابل، برز نبيه بري كقناة إقليمية مطلوبة من أكثر من عاصمة. المعلومات المنشورة في 4 تشرين الأول تحدثت عن دعوة رسمية من تركيا لزيارة أنقرة ولقاء الرئيس رجب طيب أردوغان، إضافة إلى دعوة من باكستان ودعوات متكررة من باريس. مصادر عين التينة خفضت التوقعات بشأن زيارة تركية قريبة، لكنها أكدت وجود هذه الدعوات. وزن الواقعة ليس في السفر بحد ذاته بل في استمرار التعامل الخارجي مع بري كقناة منفصلة وضرورية في الملفات المرتبطة بالشيعة، «حزب الله»، الجنوب والتسوية الداخلية، من دون أن يعني ذلك تبنيه لمواقف الحزب في كل تفصيل.

 

أوروبياً وأممياً

الموقف الأوروبي الأوضح صدر عن السفير الفرنسي الجديد باتريك دوريل. في مقابلة نُشرت مع بداية 5 تشرين الأول، أعاد تثبيت أن فرنسا تعتبر القرار 1701 المرجعية المركزية، وتدعم «اتفاق الإطار»، لكنها ترى خطراً فعلياً في حصول فراغ أمني بعد انتهاء مهمة «اليونيفيل». دوريل تحدث عن عمل فرنسي–إيطالي على تصور لقوة يمكن أن تشارك فيها دول أخرى وتعمل تحت مظلة الأمم المتحدة لمساندة الجيش، لا لتحل محله. وفي الوقت نفسه تحدث عن مقترح أوروبي لمساندة لبنان في المجال الأمني وعن حزمة أوروبية إضافية بقيمة نحو 503 ملايين يورو للاستقرار والأمن والمساعدات والإصلاح.

فرنسا لا تفصل هذا الدعم عن الأداء اللبناني. دوريل أبدى قلقاً من استمرار العمليات الإسرائيلية، تعثر المفاوضات، بطء انتشار الجيش واقتراب انتهاء مهمة «اليونيفيل»، لكنه في الوقت نفسه ربط الاستقرار بتنفيذ الدولة التزاماتها وبسط سلطتها. كما نفى وجود خلاف فرنسي–أميركي جوهري حول المسار اللبناني، وهو تفصيل مهم لأن النقاش الداخلي يحاول أحياناً بناء رهان على مسار أوروبي بديل عن واشنطن؛ المتاح داخل النافذة يشير إلى اختلاف في الأدوات واللغة أكثر منه إلى وجود مشروعين متعارضين.

في الملف المالي، أعاد السفير الفرنسي ربط الدعم بإنجاز قانون معالجة الفجوة المالية والتقدم نحو اتفاق مع صندوق النقد، وهو ما يتقاطع مع التسريبات اللبنانية الصباحية عن رفع مستوى الاتصالات مع الصندوق. هنا تتحول المساعدة الأوروبية إلى مسارين متلازمين: دعم أمني للجيش ولما بعد «اليونيفيل»، وضغط إصلاحي يسبق إطلاق تمويل أوسع للدولة والاقتصاد.

أما الأمم المتحدة نفسها، فلم يبرز حتى ساعة الإقفال موقف مؤسسي جديد يغير المعادلة داخل نافذة الرصد. مركز الثقل بقي في سؤال ما بعد اليونيفيل: لبنان يريد بقاء مظلة أممية وعدم ترك الجنوب أمام تماس مباشر بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي، وفرنسا تعمل على صيغة بديلة أو لاحقة تحت تلك المظلة، فيما لم تتبلور بعد بنية نهائية معلنة لهذه القوة. ولذلك لا يصح حتى الآن التعامل مع أي صيغة فرنسية–إيطالية باعتبارها قراراً أممياً منجزاً.

 

أميركياً

واشنطن بقيت مركز إدارة المسار اللبناني–الإسرائيلي، الجديد ظهر من خلال الاتصالات والتسريبات حول الجولة المقبلة. «الشرق الأوسط» أفادت بأن اتصالات بيروت–واشنطن مستمرة لترتيب لقاء عسكري لبناني–إسرائيلي برعاية أميركية في فلوريدا، وتحدثت عن 20 تشرين الأول موعداً مرجحاً، مع وفد لبناني يُتداول أن يرأسه السفير السابق سيمون كرم ويضم السفيرة ندى حمادة مع فريق عسكري برئاسة مدير العمليات في الجيش العميد جورج رزق الله. في المقابل، قالت «لبنان24» صباح 5 تشرين الأول إن لبنان لم يتبلغ بعد موعداً رسمياً، وإن التداول يدور أيضاً حول 22–24 تشرين الأول. لذلك المؤكد هو اتجاه انعقاد جولة في تامبا/فلوريدا؛ أما اليوم النهائي وتشكيلة الوفد فليسا مثبتين رسمياً .

الجانب اللبناني يريد إدخال ملف الأسرى، تثبيت وقف النار، وآلية التحقق من انتشار الجيش وسيطرته على المناطق التي تنتقل إليه ضمن جدول أعمال الجولة. أما التسريبات اللبنانية فتقول إن واشنطن تريد إبقاء الجولة فنية–عسكرية للحفاظ على مسار «الإطار» حياً قبل الانتخابات الإسرائيلية والأميركية، حتى لو تعذر تحقيق اختراق سياسي. هذه القراءة تفسر الخشية اللبنانية من تحول الاجتماع إلى أداة لإدارة الوقت بدلاً من تنفيذ الانسحاب.

في المستوى الأكثر حساسية، نقلت «النهار» عن مصادر دبلوماسية أن واشنطن تتشدد في ملف «حزب الله»، وتصر على استمرار التفاوض ولا تضغط حالياً بما يكفي لوقف العمليات الإسرائيلية قبل إحراز تقدم في ملف السلاح. لا يوجد حتى الساعة بيان أميركي رسمي داخل النافذة يثبت بهذه الصيغة كل ما نُسب إلى واشنطن، لذلك يجب إبقاء هذا الجزء في خانة معلومات القنوات الدبلوماسية. لكن اتجاهه يتفق مع الموقف الأميركي المعلن سابقاً: دعم تنفيذ «الإطار»، توسيع سلطة الدولة والجيش، إنشاء آلية تحقق، وربط المساعدة السياسية والمالية بالتقدم في حصر السلاح ومكافحة شبكات تمويل «حزب الله» وإيران.

بذلك أصبحت واشنطن عملياً أمام عقدة لا تتعلق بوجود اتفاق سياسي من عدمه، بل بترتيب التنفيذ: بيروت تطلب جدولاً واضحاً لانسحاب إسرائيلي متزامن ومتصاعد مع بسط سلطة الدولة؛ إسرائيل تريد إجراءات لبنانية أسبق وأعمق ضد البنية العسكرية للحزب؛ و«حزب الله» يرفض أصل المسار كما تطبقه السلطة ويشترط تغييراً في موقفها قبل العودة إلى الحوار. الجولة العسكرية المقبلة، وفق المواد المنشورة داخل النافذة، تُبنى على هذه الفجوة تحديداً، لا على تفاهم مسبق على كيفية إغلاقها.

رابعا : خلاصات ونتائج

 إسرائيل تحتفظ بالمبادرة العسكرية وبورقة الأرض والضغط الناري؛ الحكومة اللبنانية تدفع باتجاه تثبيت الدولة والتفاوض وربط ذلك بالخدمات وإعادة الإعمار؛ حزب الله يرفض التسلسل الذي تعتمده السلطة ولا يمنحها غطاءً سياسياً لمسار حصرية السلاح؛ والولايات المتحدة تدير التفاوض من دون أن يظهر حتى الآن ضغط يفرض انسحاباً إسرائيلياً سريعاً. لذلك بقيت عناصر الضغط قائمة فيما لم تتشكل بعد معادلة تنفيذ متبادلة قادرة على نقل الساحة من إدارة الصراع إلى تسويته.

  • الجنوب بقي مسرح الضغط الناري الفعلي، فيما بقي العمق اللبناني تحت ضغط الاستطلاع والمراقبة. تسجيل 123 واقعة، بينها 77 نشاطاً للمسيّرات مقابل 28 واقعة قصف مدفعي و6 غارات، يثبت أن توسيع النشاط الجوي إلى بيروت والبقاع وبعلبك لم يترافق مع توسيع مماثل للنيران. مركز الثقل بقي المنصوري ثم كفرتبنيت–ميفدون ومحور حداثا–برعشيت.
  • النمط الإسرائيلي ليس قصفاً متفرقاً بل ضغطاً مركباً على حزام محدد: غارات، مدفعية، تفجيرات، تمشيط وإطلاق نار وإحراق منازل. استمرار هذا النمط، ولا سيما في المنصوري وبرعشيت ومجدل زون وزوطر الشرقية، يحافظ على عدم الاستقرار السكاني والميداني ويمنع تحول العودة إلى واقع طبيعي ومستقر.
  • الانتشار الواسع للمسيّرات في العمق يتجاوز متطلبات الضربات المنفذة خلال اليوم. تقديرياً، الفارق بين حجم الرصد الجوي وحجم النيران يشير إلى استمرار بناء صورة استخبارية ومراقبة الحركة وإبقاء بنك الأهداف تحت التحديث، مع الاحتفاظ بإمكانية الانتقال إلى الضرب عند الحاجة من دون أن يكون القرار قد اتخذ بتوسيع الجبهة نارياً.
  • لم يظهر تحول عملياتي معلن لدى حزب الله خلال النافذة. لا يوجد تبنٍّ معلن لعملية جديدة، فيما بقي إطلاق الصواريخ الذي تحدثت عنه Ynet باتجاه صفد بلا تبنٍّ من الحزب. عملياً، الفعل الإسرائيلي المعلن والميداني أكثر كثافة من الفعل المعلن للمقاومة خلال هذه النافذة، فيما يحافظ الحزب إعلامياً على معادلة أن الاحتلال والاعتداءات يمنعان اعتبار الحرب منتهية.
  • إسرائيل تتعامل مع إعادة بناء حزب الله كملف يتجاوز جنوب الليطاني. الخطاب العسكري والإعلامي ومراكز البحث يوسّع تعريف التهديد إلى نقل القدرات إلى العمق، الصواريخ والمسيّرات والتجنيد والإنتاج والبنية السياسية والاجتماعية. النتيجة أن أي تفاهم يقتصر على الانتشار الحدودي لن يكون، وفق المقاربة الإسرائيلية الحالية، كافياً لإغلاق الملف.
  • المؤشرات الإسرائيلية لا تدعم فرضية انسحاب قريب وشامل. تهيئة المواقع لفترة الشتاء، تحسين التحصينات وطرق الوصول، واستمرار التفجيرات والعمليات الميدانية تعني أن الجيش الإسرائيلي يبني قدرته على البقاء بالتوازي مع التفاوض، ولا يتعامل مع الجولة المقبلة باعتبارها محطة انسحاب محسومة.
  • الخلاف اللبناني انتقل من كيفية تنفيذ حصرية السلاح إلى شرعية المسار نفسه وتسلسل خطواته. الحكومة تعتبر حصرية السلاح قراراً قائماً ومستقلاً في أساسه عن الانسحاب، بينما يعتبر حزب الله أن السلطة اتخذت قرارات يجب التراجع عنها قبل استئناف الحوار. لذلك لم تعد العقدة تقنية بين الدولة والحزب، بل سياسية تتعلق بمن يحدد شروط الحوار وأسبقية الالتزامات.
  • الدولة تحاول نقل المنافسة في الجنوب إلى وظيفة الحضور والخدمة وإعادة الإعمار. تحرك الحكومة في النبطية وصور، وربط العودة بالمياه والكهرباء والمدارس والخدمات، يجعل استعادة الدولة لدورها المدني جزءاً من الصراع على المجال السياسي والاجتماعي في الجنوب، وهي قراءة يتعامل معها الجانب الإسرائيلي أيضاً باعتبارها ذات بعد سيادي وأمني.
  • لا تتشكل حتى الآن جبهة لبنانية واسعة رافضة لمبدأ التفاوض. الاشتراكي واللقاء الديمقراطي يؤيدان التفاوض مع الاعتراض على ضعف مردوده، وباسيل يحافظ على التمايز عن حزب الله من دون الذهاب إلى قطيعة، فيما ظهرت داخل البيئة الشيعية أصوات تفصل بين الاعتراض على السلطة وبين رفض حضور الدولة في الجنوب. النتيجة أن الخلاف الداخلي يتركز أكثر على شروط التفاوض ونتائجه وتسلسل التنفيذ، لا على إسقاط مبدأ التفاوض نفسه.
  • واشنطن هي مركز إدارة المسار، وفرنسا ليست مساراً بديلاً عنها. الفرنسيون يعملون على دعم الجيش وترتيبات ما بعد اليونيفيل وحزمة مساعدة أوروبية، لكن باريس نفسها تنفي وجود خلاف جوهري مع واشنطن. الفارق بين الطرفين في الأدوات ودرجة التركيز، لا في الهدف العام المتعلق بتوسيع سلطة الدولة وحصرية السلاح.
  • الجولة العسكرية المقبلة تُحضّر لإدارة فجوة التنفيذ أكثر مما تُبنى على تفاهم سابق لإغلاقها. لبنان يريد الأسرى ووقف النار وآلية تحقق مرتبطة بالانسحاب وانتشار الجيش؛ إسرائيل تريد إجراءات أسبق وأعمق ضد بنية الحزب؛ وواشنطن تدفع لاستمرار المسار. لذلك يبقى احتمال أن تتحول الجولة إلى آلية لحفظ «الإطار» وإدارة الوقت أعلى من احتمال إنتاج تسوية كاملة إذا لم يحصل اتفاق مسبق على التسلسل التنفيذي.
  • الملف الإنساني لم يعد نتيجة جانبية للحرب بل أحد قيود القرار السياسي والأمني. وجود 329,686 نازحاً رغم تسجيل أكثر من 877 ألف عائد، مع أضرار واسعة في التعليم، ضغط صحي وغذائي وسكني، يعني أن «العودة» الإحصائية لا تساوي استعادة الاستقرار. استمرار العمليات والدمار وفقدان السكن والدخل يبقي شريحة واسعة في حالة عودة ناقصة وهشة.

 

خامسا : تقدير موقف

الاحتمال الأرجح خلال المدى القريب هو استمرار الاستنزاف المنضبط مع إبقاء باب التفاوض مفتوحاً، لا الذهاب إلى حرب واسعة ولا الوصول إلى تسوية نهائية.

إسرائيل لا تحتاج حالياً إلى توسيع الحرب ما دامت تحقق ثلاثة أهداف بكلفة مضبوطة: الاحتفاظ بحرية الاستهداف، منع حزب الله من استعادة وضعه السابق جنوباً، واستخدام السيطرة الميدانية كورقة ضغط داخل التفاوض. في المقابل، لا توجد حتى الآن مؤشرات كافية على استعدادها لدفع ثمن انسحاب واسع قبل الحصول على إجراءات تعتبرها ملموسة وقابلة للرقابة.

حزب الله، من جهته، لا يظهر داخل النافذة استعداداً للعودة إلى نمط عملياتي واسع، لكنه في الوقت نفسه لا يمنح الحكومة تفويضاً سياسياً لتنفيذ مسار حصرية السلاح وفق الصيغة الحالية. لذلك سيحاول الحفاظ على موقعه السياسي والاجتماعي ومنع تحول الضغط العسكري إلى آلية تفرض عليه تنازلات أحادية، من دون المبادرة إلى مواجهة شاملة طالما بقي الضغط دون مستوى يهدد بنيته الأساسية أو بيئته مباشرة.

الحكومة تراهن على استعادة الوظيفة وليس فقط السيادة النظرية: الجيش، الخدمات، الإعمار، المدارس، المياه والعودة. نجاح هذا المسار سيحدد تدريجياً قدرة الدولة على ملء الفراغ في الجنوب. لكنه سيبقى محدوداً ما دام الاحتلال مستمراً والتمويل الخارجي مشروطاً والداخل منقسماً حول السلاح ومسار التفاوض.

الجولة المقبلة من المفاوضات، إذا انعقدت، يُرجح أن تكون جولة تثبيت إطار وآليات أكثر من كونها جولة حل نهائي. الفجوة بين المطالب اللبنانية والإسرائيلية واسعة: بيروت تريد ربط الانسحاب ووقف النار وانتشار الجيش ضمن مسار متبادل؛ إسرائيل تريد إجراءات أمنية لبنانية أسبق؛ واشنطن تسعى إلى إبقاء المسار حياً ومنع انهياره.

  • السيناريو الأرجح – استمرار الاستنزاف المضبوط والتفاوض البطيء | احتمال مرتفع، استمرار الغارات والقصف والتفجيرات في الجنوب، نشاط استخباري واسع في العمق، وبقاء المواقع الإسرائيلية القائمة مع تعديلات تكتيكية محدودة. تستمر المفاوضات من دون اختراق حاسم، وتُبحث آليات تحقق وانتشار الجيش وخطوات جزئية متبادلة. لا انسحاب شامل ولا عودة إلى حرب مفتوحة. هذا السيناريو ينسجم أكثر مع السلوك الحالي للأطراف.
  • سيناريو تقدم جزئي – تفاهمات محدودة وانسحابات موضعية | احتمال متوسط ، قد توافق إسرائيل على الانسحاب من نقاط أو قطاعات محددة مقابل انتشار أوسع للجيش اللبناني وآليات تحقق أكثر صرامة. يتيح ذلك للحكومة إظهار نتيجة سياسية ويمنح واشنطن إمكانية تثبيت المسار، فيما يبقى الخلاف على السلاح والعمق اللبناني قائماً. النتيجة ستكون خفضاً جزئياً للنيران لا إنهاءً للصراع.
  • سيناريو التصعيد الواسع – انهيار الضبط والعودة إلى مواجهة كبيرة | احتمال أدنى لكنه قائم، يمكن أن ينتج عن عملية نوعية توقع خسائر إسرائيلية مرتفعة، توسع استهداف العمق، أو محاولة إسرائيل فرض تغيير ميداني أكبر بالقوة. عندها ينتقل الرد من إدارة الضغط إلى توسيع بنك الأهداف والنيران، ويصبح العمق اللبناني أكثر تعرضاً. لا توجد داخل نافذة الرصد مؤشرات تجعل هذا المسار هو الأرجح حالياً.
  • سيناريو جمود سياسي مع توسع الوقائع الميدانية الإسرائيلية | احتمال متوسط ، تفشل الجولة المقبلة في إنتاج تقدم، فيما تواصل إسرائيل تثبيت مواقعها وتحسين بنيتها اللوجستية وتوسيع شروطها المتعلقة بحزب الله والجيش اللبناني. خطورة هذا السيناريو أنه يحول المؤقت إلى واقع أطول أمداً، ويجعل أي تفاوض لاحق يبدأ من وضع ميداني أكثر ملاءمة لإسرائيل.

 

المسار الحاكم للساحة ليس اقتراب تسوية، بل محاولة كل طرف تحسين موقعه قبلها. إسرائيل تحسن موقعها بالنار والأرض والاستطلاع؛ الحكومة اللبنانية تحاول تحسين موقعها بتوسيع حضور الدولة والجيش والخدمات؛ حزب الله يحاول منع تحويل هذا المسار إلى نزع تدريجي لموقعه تحت الضغط؛ والولايات المتحدة تدير الوقت والإطار بانتظار تقليص فجوة التنفيذ.

بالتالي، نقطة التحول الحقيقية لن تكون انعقاد جولة تفاوض جديدة بحد ذاتها، بل ظهور أحد ثلاثة مؤشرات: بدء انسحاب إسرائيلي فعلي قابل للقياس، قبول لبناني داخلي بآلية تنفيذ مشتركة للسلاح والانتشار، أو انتقال إسرائيل من الاستنزاف المحدود إلى ضرب منظومات الحزب في العمق على نطاق أوسع. قبل ذلك، تبقى الساحة في مرحلة إدارة صراع لا إغلاقه.


https://www.facebook.com/wakalanewsPage

https://www.facebook.com/groups/WakalanewsGroup

/https://x.com/wakalanews_

https://t.me/wakalanewsOfficial

https://www.instagram.com/wakalanews?stkn=MTh1cWwyN2ZhOHAxcA==

wakalanews.com — متابعة الخبر
بقلم:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى