عاجل عاجل | تشير التسجيلات الصوتية إلى أن "غريبي الأطوار في عالم حوت العنبر" يطورون لهجتين مختلفتين
صحافة

عاجل | من هرمز إلى لبنان.. كيف تُعاد هندسة النظام الإقليمي بعد الحرب؟

🚨 عاجل
📌 ملخص الخبر:
عاجل | من هرمز إلى لبنان.. كيف تُعاد هندسة النظام الإقليمي بعد الحرب؟

في الشرق الأوسط، لا تكمن أهمية الحروب في كيفية اندلاعها بقدر ما تكمن في الكيفية التي تنتهي بها. فالحروب تخلق وقائع جديدة على الأرض، لكن الاتفاقات التي تعقبها هي التي تحدد كيفية إدارة تلك الوقائع لسنوات وربما لعقود. ومن هذه الزاوية تحديداً، تبدو المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران حدثاً يتجاوز بكثير مسألة البرنامج النووي أو العقوبات أو الأموال المجمدة. فما يجري في جوهره ليس تفاوضاً على ملف بعينه، بل بداية تفاوض على شكل النظام الإقليمي الذي سيخرج من الحرب.

كثير من القراءات تركز على نسب التخصيب، وآليات رفع العقوبات، وحجم الأموال الإيرانية المجمدة. لكن هذه التفاصيل، رغم أهميتها، تبدو أقرب إلى أدوات داخل عملية أكبر. فالمسألة الأساسية التي تكشفها التسريبات المتداولة هي أن واشنطن وطهران لا تتفاوضان فقط على النووي، بل على قواعد إدارة مرحلة جديدة في الخليج والمشرق بعد أشهر من المواجهات العسكرية والضغوط المتبادلة.

ومن هنا يمكن فهم الإصرار الإيراني على إبقاء حق التخصيب خارج دائرة التنازل، واستبعاد القدرات الصاروخية من المفاوضات، والتمسك بدور أساسي في مضيق هرمز. فهذه ليست مطالب تقنية بقدر ما هي محاولة لتثبيت اعتراف سياسي بحدود النفوذ الإيراني وموقعه داخل المعادلة الإقليمية المقبلة. بكلمات أخرى، تحاول طهران تحويل ما تعتبره قدرة على الصمود في الحرب إلى موقع تفاوضي يضمن لها مكاناً في أي ترتيبات مستقبلية.

غير أن التطور الأكثر أهمية قد لا يكون في الملف النووي أو حتى في مضيق هرمز، بل في لبنان.

فإدراج الساحة اللبنانية ضمن التفاهمات المقترحة يحمل دلالة استراتيجية تتجاوز الحدود اللبنانية نفسها. فعندما يصبح إنهاء الحرب في لبنان جزءاً من تفاوض أميركي ـ إيراني، فإن ذلك يعني أن لبنان لم يعد يُنظر إليه كساحة منفصلة عن التحولات الكبرى الجارية في المنطقة. بل أصبح جزءاً من عملية إعادة ترتيب أوسع تشمل توازنات الخليج والمشرق معاً.

وهنا تبرز نقطة بالغة الأهمية. فعلى امتداد عقود، كان لبنان يُستخدم بوصفه مساحة تعكس الصراعات الإقليمية أكثر مما يصنعها. أما اليوم، فإن مجرد إدخاله إلى صلب التفاوض يكشف أن القوى الإقليمية والدولية باتت تنظر إليه باعتباره جزءاً من منظومة الاستقرار الإقليمي التي يجري العمل على إعادة تشكيلها. وهذا لا يعني انتهاء الصراع على لبنان، لكنه يعني انتأوضحه من ساحة مواجهة مفتوحة إلى عنصر داخل معادلة أكبر لإدارة النفوذ في المنطقة.

في المقابل، يكشف الجدل الدائر حول مضيق هرمز عن طبيعة التحول الأعمق الذي يشهده الشرق الأوسط. فهرمز ليس مجرد ممر مائي تمر عبره ناقلات النفط. إنه أحد أهم العقد الجيوسياسية في العالم. ومن يملك القدرة على التأثير في هذا الممر لا يؤثر فقط في دول الخليج، بل في حركة الاقتصاد العالمي بأسره.

ولعل هذه النقطة تكشف كيف تغير مفهوم القوة في المنطقة. ففي الماضي كان النفوذ يُقاس بحجم الأراضي أو عدد القوات العسكرية. أما اليوم، فأصبح يُقاس بالقدرة على التحكم بالتدفقات؛ تدفقات الطاقة، والتجارة، والاستثمار، وسلاسل الإمداد العالمية. ولهذا فإن الصراع على هرمز ليس صراعاً على الجغرافيا بقدر ما هو صراع على موقع داخل النظام الاقتصادي الدولي.

ومن هذه الزاوية تحديداً، يبدو لبنان وهرمز جزءاً من قصة واحدة. فكلاهما يقع على خطوط تدفق حيوية. الأول عند تقاطع المشرق وشرق المتوسط، والثاني عند بوابة الخليج والطاقة العالمية. ولهذا فإن إدراجهما معاً داخل إطار تفاوضي واحد لا يعكس مجرد توسع في جدول الأعمال، بل يكشف أن المنطقة بدأت تُدار وفق منطق جديد يتجاوز الحدود التقليدية للصراعات المحلية.

لكن التحول لا يقتصر على إيران والولايات المتحدة وحدهما. فالحرب الأخيرة دفعت مختلف القوى الإقليمية إلى إعادة النظر في أولوياتها الاستراتيجية. السعودية تبدو أكثر اقتناعاً من أي وقت مضى بأن الاستقرار الإقليمي أصبح شرطاً ضرورياً لاستمرار مشاريع التحول الاقتصادي الكبرى. وعُمان تحاول الحفاظ على موقعها كجسر تواصل ووسيط في لحظة تتزايد فيها الحاجة إلى القنوات الدبلوماسية. أما الإمارات، فقد أظهرت التطورات الأخيرة مدى ارتباط أمن المراكز المالية والتجارية الكبرى باستقرار البيئة الجيوسياسية المحيطة بها.

وهذا ما يجعل المشهد الحالي أكثر تعقيداً من مجرد تفاهم أميركي ـ إيراني. فالقضية لا تتعلق فقط بعلاقة دولتين متخاصمتين، بل بإعادة توزيع الأدوار داخل النظام الإقليمي نفسه. فالحرب دفعت جميع اللاعبين إلى مراجعة حساباتهم، وأجبرت الجميع على إعادة التفكير في حدود القوة، وكلفة التصعيد، وإمكانية الاستمرار في إدارة المنطقة عبر المواجهات المفتوحة.

وفي هذا السياق، تبدو الولايات المتحدة معنية بأكثر من مجرد احتواء البرنامج النووي الإيراني. فواشنطن تدرك أن استمرار حالة الفوضى في الشرق الأوسط يهدد أسواق الطاقة، ويستنزف حلفاءها، ويعقّد أولوياتها العالمية في وقت تحاول فيه تركيز مواردها على ملفات دولية أخرى. ولذلك فإن الهدف الأميركي لا يبدو إنهاء الخلاف مع إيران بقدر ما يبدو السعي إلى بناء إطار يمنع انفجار الإقليم بصورة مستمرة.

لكن الأهم من ذلك كله أن ما يجري اليوم قد يمثل انتأوضحاً من مرحلة تاريخية إلى أخرى. فعلى مدى سنوات طويلة، كان الشرق الأوسط يعيش في ظل منطق الصراع على النفوذ. أما اليوم، فتشير المؤشرات إلى بداية مرحلة مختلفة تقوم على التفاوض حول النفوذ نفسه. والفارق بين المرحلتين كبير. ففي الأولى كانت القوى تسعى إلى توسيع مواقعها بالقوة العسكرية، أما في الثانية فهي تسعى إلى تثبيت تلك المواقع وتحويلها إلى ترتيبات سياسية قابلة للاستمرار.

لهذا السبب، قد لا يكون السؤال الأهم هو ما إذا كانت المأفادة ستُوقع أم لا، ولا حجم الأموال التي سيُفرج عنها، ولا حتى تفاصيل الملف النووي. فهذه كلها عناصر مهمة لكنها تبقى تفاصيل داخل مشهد أكبر.

السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت المنطقة تشهد بداية عملية إعادة هندسة شاملة للنظام الإقليمي الذي سيتشكل بعد الحرب.

فحين يصبح لبنان جزءاً من التفاوض، وهرمز جزءاً من التفاوض، والعقوبات جزءاً من التفاوض، والنفوذ الإقليمي نفسه جزءاً من التفاوض، فإن ما يجري يتجاوز كثيراً حدود اتفاق بين واشنطن وطهران. إنه يعكس إدراكاً متزايداً لدى جميع الأطراف بأن الحروب غيّرت موازين القوة، وأن المرحلة المقبلة لن تكون صراعاً على رسم الخرائط بقدر ما ستكون صراعاً على تحديد القواعد التي ستُدار وفقها تلك الخرائط.

وهنا تكمن أهمية اللحظة الحالية. فالتاريخ الإقليمي لا يتغير عندما تتوقف الحروب فقط، بل عندما تبدأ القوى المتنافسة بالتفاوض على النظام الذي سيليها. وما نشهده اليوم قد يكون أول فصل في عملية طويلة لإعادة هندسة الشرق الأوسط، ليس عبر الجيوش والصواريخ هذه المرة، بل عبر التفاهم على حدود النفوذ وقواعد إدارة القوة في الإقليم بأسره.


■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: alkhanadeq.com

تاريخ النشر:

الكاتب:

تنويه من موقع "wakalanews":

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر: alkhanadeq.com بتاريخ: . الآراء والمعلومات الواردة في هذا المأوضح لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع "wakalanews"، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى