صحافة

عاجل | الفشل الأميركي في إيران: عندما يتحول مضيق هرمز إلى بوابة لانهيار المظلة الردعية

🚨 عاجل
📌 ملخص الخبر:
عاجل | الفشل الأميركي في إيران: عندما يتحول مضيق هرمز إلى بوابة لانهيار المظلة الردعية

قبل أشهر، كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو يقطعون وعوداً بالنصر السريع على إيران. كانت الحرب التي شنوها تهدف إلى وقف تطوير الأسلحة النووية، وتدمير الصواريخ الباليستية، وقطع دعم طهران لحلفائها الإقليميين. لكن النتائج على الأرض جاءت مختلفة تماماً. فما بدأ كحرب شاملة، سرعان ما تراجع ليصبح مجرد محاولة لفتح مضيق هرمز، ليثبت أن النصر السريع لم يكن سوى وهم سرابي.

اليوم، وبعد أن كشفت الحرب عن حقيقة أن إيران قد تهدد المضيق أو تسيطر عليه، يجد صنّاع القرار الأميركي أنفسهم أمام واقع جديد: فشل ذريع في تحقيق أي من الأهداف المعلنة، وتآكل واضح في المظلة الردعية الأميركية التي كانت لعقود حجر الزاوية في النظام الأمني الإقليمي. فهل يصبح مضيق هرمز، الذي تحول إلى بؤرة الصراع، بوابة لانهيار تلك المظلة؟

حكمة “تحديد الأهداف”: عندما تضيع الغايات

لعل خير من يلخّص مأزق واشنطن هو المنظّر العسكري البروسي كارل فون كلاوزفيتز، بقوله: “قيمة الهدف تحدّد حجم التضحيات التي تُقدّم لأجله، وكذلك مدّة الحرب”. واليوم، يجد الجيش الأميركي نفسه أمام معادلة صعبة: نعم، يمتلك القوات اللازمة للسيطرة ولو مؤقتاً على مضيق هرمز، لكن التكاليف قد تكون باهظة – عشرات السفن المعطوبة أو الغارقة، وآلاف الجنود القتلى. والحفاظ على قوة دائمة في الخليج قد يكلّف مئات المليارات من الدولارات.

لكن السؤال الأكثر إلحاحاً: هل يستحق هذا الهدف كل هذه التضحيات؟ يجيب المنطق السليم بـ”لا”، خاصة وأن جزءاً ضئيلاً من التجارة عبر المضيق يصل أصلاً إلى الموانئ الأميركية. والأكثر من ذلك، فإن مبرّرات الحرب الأولية – وقف البرنامج النووي، تدمير الصواريخ، قطع دعم حلفاء إيران – سرعان ما تراجعت لصالح هدف أكثر تواضعاً: مجرد إعادة فتح المضيق.

فقد تحولت أهداف واشنطن من “إسقاط النظام” إلى “فتح المضيق”، ومن “نصر سريع” إلى “خروج بأقل الخسائر”. وهذا التخبط في تحديد الأهداف يعكس أزمة استراتيجية عميقة، فالحرب التي انطلقت بشعارات كبرى انتهت إلى معركة استنزاف في ممر مائي ضيق.

أسطورة “حرية الملاحة”.. والجغرافيا التي لا تُهزم

يصرّ المسؤولون الأميركيون، وعلى رأسهم وزير الخارجية ماركو روبيو، على ضرورة “العودة إلى وضع المضيق قبل هذا الصراع”. لكن الواقع الجغرافي والعسكري يقول غير ذلك.

أولاً، الجغرافيا لا تُهزم: مضيق هرمز لا يتجاوز عرضه 21 ميلاً في أضيق نقطة، وتمتلك إيران أكثر من 1600 كيلومتر من السواحل في كلا اتجاهي المضيق، مما يعني أن قواتها قادرة على شنّ هجمات من خارج حدوده. كما أن جبال زاغروس الشاهقة تجعل إيران حصناً طبيعياً منيعاً.

ثانياً، ثورة المسيّرات: تتجلى قدرات إيران الدفاعية بوضوح في استخدامها المتزايد للطائرات المسيّرة والصواريخ الجوّالة، التي تشكّل دفاعاً عميقاً متعدّد الطبقات يصعب اختراقه. فقد أظهرت التقارير أن إيران لا تزال تمتلك نحو 40% من مخزونها من الطائرات المسيّرة الهجومية، وأكثر من 60% من منصات إطلاق الصواريخ، رغم أشهر من القصف الأميركي. بل إنها نجحت في إسقاط طائرات أميركية من طراز إم كيو-9 “ريبر”، وصرّحت عن فقدان الجيش الأميركي لما لا يقل عن 45 طائرة من هذا الطراز منذ بدء الحرب، بتكلفة تجاوزت 13 مليار دولار.

ثالثاً، شركات الشحن تتردّد: تَحذَر شركات الشحن والتأمين البحري من تعريض سفنها للخطر، خاصة وأن الولايات المتحدة لا تعتمد مباشرة على التجارة عبر المضيق. ففي ذروة الأزمة، لم يجرؤ سوى سفينتين فقط على عبور المضيق في يوم كامل، مقارنة بأكثر من 130 سفينة يومياً قبل الحرب.

رابعاً، السيطرة الإيرانية أمر واقع: يعلن الإيرانيون بثقة أن المضيق “تحت السيطرة الكاملة” للقوات البحرية للحرس الثوري، وأن أي نشاط فيه لا يخرج عن نطاق مراقبتهم. ويؤكدون أن فتحه أو إغلاقه “شأن إيراني خالص” لا يمكن تغييره بسفن حربية أو بتغريدة من ترامب.

“ولاية أميركية” على المضيق: إعلان فشل لا سيادة

في مشهد يعكس التخبط الأميركي بوضوح، صرّح ترامب عزمه جعل مضيق هرمز “ولاية أميركية”. وهذا الإعلان، الذي يأفادنا ببلطجة قراصنة القرن التاسع عشر أكثر مما يأفادنا بسياسة دولة عظمى، ليس سوى اعتراف ضمني بالعجز عن تحقيق السيطرة الفعلية. فالقول بأن ممراً مائياً يبعد آلاف الأميال عن السواحل الأميركية، وتقع مياهه ضمن السيادة الإيرانية والعمانية، سيصبح “أرضاً أميركية”، هو من قبيل الهذيان السياسي أكثر منه استراتيجية قابلة للتنفيذ.

إنه يعكس، في جوهره، يأساً من حل عسكري، ومحاولة يائسة لتغيير قواعد اللعبة عبر مناورة سياسية سخيفة، لن تغير شيئاً في الميدان. فالإيرانيون يردون بإسقاط الطائرات الأميركية، ويواصلون فرض حصارهم على الملاحة، غير مبالين بتصريحات ترامب التي باتت أشبه بالشعارات الانتخابية منها بسياسات الدولة.

تآكل المظلة الردعية: من هيمنة أحادية إلى فراغ متعدد الأقطاب

لم يغب عجز الولايات المتحدة عن حسم معاركها الأخيرة، أو الحرب ككل، عن اللاعبين الإقليميين. وخلق ذلك نوعاً من الفراغ الذي لا تقبله الطبيعة أو السياسة، فإما أن تملأه إيران، وإما أن تملأه أقطاب دولية أخرى، وإما أن تنفجر صراعات لا نهاية لها على حقول النفوذ.

من هنا نفهم “اتفاقية مكة للدفاع المشترك” التي وقعتها السعودية وتركيا وباكستان في 7 أغسطس/آب 2026. فهذا الحلف، الذي ينص على أن أي هجوم على إحدى الدول الثلاث يُعتبر هجوماً على الجميع، يعكس نوعاً من التحوط، سعودياً على وجه الخصوص، إزاء مخاطر عدم قدرة الولايات المتحدة على الوفاء بالتزاماتها أمنياً وعسكرياً، وتآكل مظلتها الردعية في المنطقة.

فالاتفاقية، كما شدّد مسؤولون سعوديون، “ليست تهديداً لأمن أي دولة في المنطقة”، وهي “ليست بديلاً عن الناتو” كما شددت أنقرة. لكنها تعكس، بجلاء، أن حلفاء واشنطن بدأوا يبحثون عن شبكات أمان بديلة، في ظل شكوك متزايدة بقدرة الولايات المتحدة على حمايتهم. وهذا هو جوهر انهيار المظلة الردعية: فقدان الثقة في قدرة الحامي على الحماية.

واللافت أن الحلف جمع تركيا وباكستان، وهما دولتان تحاذيان إيران حدودياً، مما يعني أنهما اختارتا نهجاً مختلفاً عن العدوان العسكري المباشر، وفضّلتا بناء تحالفات دفاعية ردعية، بدلاً من الانخراط في مغامرات عسكرية تحت راية واشنطن.

الاستراتيجية البحرية الجديدة: كوربيت ودوائر النفوذ

في هذا السياق، يطرح الباحث لايل غولدشتاين، مدير برنامج آسيا في مؤسسة “أولويات الدفاع” بواشنطن، رؤية مختلفة. فبعد عقود من الإخفاق، يقترح غولدشتاين أن تنحية المخاوف التقليدية بشأن حرية الملاحة جانباً قد يكون مناسباً الآن، في ظل ظروف معقدة. ويدعو إلى مفهوم استراتيجي بحري جديد يقوم على “التوازن البحري” و”دوائر النفوذ”، مما يتيح للولايات المتحدة التراجع إلى الخلف بثقة وأمان بدل التمدّد في المناطق الساحلية.

وتشير الدكتورة جينيفر كافانا إلى المنظّر البحري جوليان كوربيت، الذي يرى إمكانية تحقيق تأثير كبير بسيطرة مؤقتة على الممرات البحرية الرئيسة لحماية التجارة الحيوية، من دون التورّط في حرب شاملة. وهذا النهج، الذي يفضّل الضبط الاستراتيجي على التمدد، قد يكون أكثر توافقاً مع المصالح الأميركية الحقيقية، بعيداً عن مغامرات “تغيير الأنظمة” و”إعادة تشكيل الشرق الأوسط”.

نحو انفراج؟ الإقليمية بديلاً عن الهيمنة

ثمّة سبب للاعتقاد لبعض المسؤولون الأميركيون بأن “طهران ستُظهر عقلانية في تنظيمها للمضيق”. فقد أجرت إيران مفاوضات مستمرة مع عُمان بشأن إدارة الممر المائي، مما يُظهر جدّيتها في التنظيم متعدّد الأطراف. كما توجد نماذج ناجحة لإدارة المضائق حول العالم – من ملقا إلى السويس إلى بنما إلى الدردنيل – حيث ساد التوازن بين البراغماتية ومصالح الدول المحلية.

وفي 19 تموز/يوليو 2026، اقترح مركز أبحاث في لندن توسيع آلية التحكّم متعدّدة الأطراف في مضيق هرمز لتشمل إلى جانب عُمان وإيران، السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي الأخرى. وقد لاقت هذه الفكرة استحساناً في طهران، مما يُظهر جدوى النهج “الإقليمي” البديل.

بل إن مأفادة التفاهم التي وُقعت في 17 يونيو/حزيران 2026 بين واشنطن وطهران، رغم انتهاكها لاحقاً، تضمنت بنوداً تهدف إلى إعادة فتح المضيق وإدارة الأزمة عبر الحوار. وقد اعتبر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن المأفادة جاءت “في إطار حفظ الكرامة وإظهار القوة”، مؤكداً أنها لم تأتِ من موقف ضعف. وهذا يعكس إدراكاً أميركياً، ولو متأخراً، بأن الحل العسكري غير مجدٍ.

ضبط النفس كخيار استراتيجي

لقد آن الأوان لتدرك واشنطن أن مفهوم “حرية الملاحة”، رغم قوته، قد تحوّل إلى شبه دين يضلّل الأمة في بعض الأحيان. فالواقعيون يدركون أن الخطابات الرنّانة قد تخفي حقائق مُرّة.

فالحرب على إيران، التي انطلقت بهدف “إسقاط النظام” و”تدمير البرنامج النووي”، تحولت إلى حرب استنزاف في مضيق هرمز، يكلف فيها الجيش الأميركي خسائر فادحة دون تحقيق أي انتصار حاسم. وتشير تقديرات معهد “راند” و”المجلس الأطلسي” إلى أن “هذه الحرب مرشحة لأن تطول وتتسع، وأن جميع الأطراف – أميركا وإيران ودول الخليج – ستكون خاسرة”.

والأمر الأكثر خطورة هو تآكل المظلة الردعية الأميركية، التي كانت لسنوات الضامن الأساسي لأمن حلفاء واشنطن في المنطقة. فظهور تحالفات مثل “اتفاقية مكة” يعكس بوضوح أن هؤلاء الحلفاء بدأوا يبحثون عن بدائل، ليس لأنهم يرغبون في ذلك، بل لأنهم لم يعودوا يثقون بقدرة الولايات المتحدة على حمايتهم.

والمفارقة العجيبة أن نهجاً أميركياً أكثر تواضعاً وانعزالاً قد يجعل أميركا ترفع رأسها أعلى بين الدول. فالحكمة ليست في خوض كل المعارك، بل في اختيار المعارك التي تستحق الخوض فعلاً. ومضيق هرمز، رغم أهميته، قد لا يكون واحدة منها – خاصة إذا كان بإمكان الدبلوماسية أن تحقق ما عجزت عنه الحروب. فالفشل في إيران لم يعد فقط هزيمة عسكرية، بل تحول إلى بوابة لانهيار المظلة الردعية التي كانت حجر الزاوية في الوجود الأميركي بالمنطقة. والسؤال الآن: هل تملك واشنطن الجرأة للاعتراف بذلك، والانطلاق نحو استراتيجية جديدة تقوم على الواقعية والتوازن، بدلاً من الأوهام والتبجح؟



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: alkhanadeq.com

تاريخ النشر:

الكاتب:

تنويه من موقع “wakalanews”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المأوضح لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

wakalanews.com — عاجل | الفشل الأميركي في إيران: عندما يتحول مضيق هرمز إلى بوابة لانهيار المظلة الردعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى