ثقافة
عاجل | الإمبريالية والحرب: من «الغطاء الحضاري» إلى الهمجية المكشوفة

📌 محتوى المقال
🚨 عاجل
📌 ملخص الخبر:
عاجل | الإمبريالية والحرب: من «الغطاء الحضاري» إلى الهمجية المكشوفة
ليست الحرب في النظام الرأسمالي الإمبريالي حادثاً عرضياً، ولا انحرافاً أخلاقياً مؤقّتاً يمكن تفسيره بسوء القيادة أو بأخطاء السياسة الخارجية، بل هي وظيفة بنيوية في عملية إعادة إنتاج الهيمنة العالمية. فالإمبريالية لا تقوم فقط على السيطرة العسكرية المباشرة، بل على منظومة متكاملة من نقل القيمة، والهيمنة المالية، واحتكار السرد الإعلامي، وتسليح القانون، وإعادة تعريف العنف نفسه بحيث يصبح عنف المركز «أمناً» و«دفاعاً عن الديمقراطية»، بينما تُجرَّم مقاومة الشعوب بوصفها «إرهاباً» أو «تهديداً للنظام الدولي».
من هنا، فإنّ فهم الحرب المعاصرة—من غزة إلى إيران، ومن فنزويلا إلى العراق وليبيا—لا يمكن أن يتم عبر اللغة الليبرالية السائدة التي تفصل الاقتصاد عن الجغرافيا السياسية، أو تفصل الرأسمالية عن العنف المنظّم. فالحرب ليست خارج الاقتصاد؛ إنها أحد أشكاله العليا.
الحرب كآلية تراكم لا كفشل سياسي
أحد أكبر الأوهام الليبرالية هو اعتبار الحرب فشلاً للدبلوماسية أو ابتعاداً مؤقّتاً عن «الطبيعة السلمية» للرأسمالية. لكنّ التاريخ الإمبريالي، من الهند البريطانية إلى فلسطين، يثبت العكس: الحرب هي أداة منتظمة لإعادة تنظيم شروط التراكم.
وكما بيّنت الباحثة الهندية أوتسا باتنايك في تحليلها لمسألة «نزيف الهند»، لم يكن الاستعمار البريطاني مجرد احتلال سياسي، بل كان نظاماً منظّماً لنقل الفائض الاقتصادي من الهند إلى بريطانيا عبر التجارة القسرية، والخدع المالية (مثل خدعة سندات المجلس) والضرائب، وحتى تصدير الغذاء أثناء المجاعات نفسها. لم تكن المجاعة حدثاً طبيعياً، بل كانت شكلاً من أشكال الحرب الاقتصادية المستمرة.
والمنطق نفسه يتكرر اليوم بأشكال أكثر تطوراً. فالعقوبات، وتجميد الأصول السيادية، والحصار المالي، والاستيلاء على الاحتياطيات الوطنية، كلها أدوات حرب اقتصادية حديثة. إن الاستيلاء على الأصول الإيرانية والفنزويلية أو العراقية مثلاً، واستخدام نظام التحويلات المالي (سويفت) كسلاح سياسي، كل هذه الأساليب ليست «عقوبات» بالمعنى الإداري، بل جباية إمبريالية معاصرة.
وكما يوضح علي القادري، فإنّ الإمبريالية المعاصرة لم تعد تكتفي بالاستخراج من خلال الدمج، بل انتقلت أيضاً إلى التراكم عبر التدمير: عندما لا يمكن دمج منطقة ما بصورة مربحة وآمنة، يصبح تدميرها نفسه مجالاً لإنتاج القيمة. العراق، ليبيا، سوريا، غزة، ولبنان، كلها أمثلة صارخة على هذا النمط.
من خدعة «النظام القائم على القواعد» إلى الوقاحة العلنية للقوة
خلال العقود الماضية، قدّمت الدول الإمبريالية نفسها بوصفها حامية «النظام الدولي القائم على القواعد»، وراعية الديمقراطية وحقوق الإنسان. ولطالما حاول المطبّلون للاستعمار إقناعنا بأن التقدّم والتنمية والازدهار لا يمكن أن تتأتّى إلا عبر القيم والأخلاق البورجوازية. لكن ما نشهده اليوم هو انهيار متسارع لهذا الغطاء.
لقد أصبحت اللغة أكثر صراحة وأكثر فجاجة. لم تعد الإمبريالية تحتاج دائماً إلى التبرير الأخلاقي القديم. تصريحات من نوع «سوّوا غزة بالأرض»، أو «لقد سوّينا برلين وطوكيو، ويمكننا أن نفعل الشيء نفسه هنا»، ليست زلات فردية لسيناتور أميركي (لندسي غراهام) أو لرئيس مخبول، بل تعبير صريح عن المنطق الحقيقي الكامن خلف النظام.
عندما يقول وزير الحرب الأميركي إنّ وظيفة القوة الأميركية هي فرض الردع عبر التدمير الشامل، فإننا لا نكون أمام انحراف خطابي، بل أمام إزالة القناع. وعندما يدافع سياسيون وإعلاميون غربيون عن التجويع الجماعي أو قصف المستشفيات والمدارس بوصفه ضرورة أمنيّة، فإنهم لا يخرجون عن النظام الليبرالي، بل يكشفون جوهره حين يشعرون أن الهيمنة أصبحت مُهدَّدة.
إنّ ما يحدث في غزة هو المثال الأكثر كثافة لهذا الانكشاف: إبادة جماعية تُبثّ مباشرة، ومجاعة تُستخدم كسلاح مُعلن، وتدمير منهجي للبنية المدنيّة، مع دعم أميركي وأوروبي كامل. لم يعد هناك حتى محاولات اللجوء إلى الجهد القديم للحفاظ على اتّساق أخلاقي شكلي.
الصهيونية كوظيفة إمبريالية لا كمسألة محلية
لا يمكن فهم الحرب في فلسطين باعتبارها مجرد نزاع قومي أو صراع حدودي. فالمشروع الصهيوني، منذ نشأته، ارتبط بالبنية الإمبريالية العالمية بوصفه مشروعاً استيطانياً وظيفياً.
قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الرقم 3379 عام 1975 لم يأتِ من فراغ، بل نصّ صراحة على أنّ «الصهيونية شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري»، وقد أُقرّ بأغلبية 72 صوتاً مقابل 35، قبل أن يُلغى عام 1991 في سياق إعادة ترتيب النظام العالمي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وضغط الولايات المتحدة من أجل مؤتمر مدريد.
أهمية هذا القرار ليست قانونية فقط، بل تحليلية: فهو يربط بين المشروع الصهيوني ومنطق الاستعمار الاستيطاني، لا بوصفه انحرافاً قوميّاً خاصاً، بل كجزء من بنية عالمية أوسع من السيطرة العرقية والإحلال السكاني.
إسرائيل ليست فقط حليفاً للغرب، بل قاعدة متقدّمة للإمبريالية في قلب المشرق العربي، تؤدّي وظيفة استراتيجية: منع الوحدة الإقليمية، تفتيت المجال العربي، السيطرة على الموارد والممرات، وتحويل المنطقة إلى فضاء دائم للحرب والاستنزاف.
ولهذا فإن الحرب على غزة ليست مجرد «رد عسكري»، بل جزء من وظيفة تاريخية أعمق ألا وهي إعادة إنتاج الهيمنة الإقليمية عبر الإبادة والتطهير والترويع على المستوى الجماعي.
عاجل | الإمبريالية والحرب: من «الغطاء الحضاري» إلى الهمجية المكشوفة



