صحافة

يوميات معركة كسر الحصار: معادلة الطاقة مقابل الطاقة

يوميات معركة

دخلت المواجهة بين السعودية واليمن مرحلة جديدة خلال الساعات الأخيرة، بعدما انتقل التصعيد من ميادين القتال والغارات على المدن إلى استهداف البنية التحتية للطاقة. فقد قصفت الرياض منشآت شركة النفط اليمنية في صنعاء والحديدة، وردّت صنعاء بالإعلان عن بنك أهداف يطال قلب الاقتصاد السعودي، من مقر أرامكو في الدمام إلى مطار الملك خالد ومصفاة الرياض. وتزامن ذلك مع كلمة سياسية مطوّلة لرئيس المجلس السياسي الأعلى مهدي المشاط في ذكرى ثورة الرابع عشر من أكتوبر، أعاد فيها تعريف الحرب بوصفها معركة تحرر وطني في وجه “احتلال جديد”.

يأتي هذا التقرير ضمن سلسلة يومية ترصد التطورات السياسية والميدانية في الحرب على اليمن، وتقدّم قراءة تحليلية لمساراتها وانعكاساتها الإقليمية والدولية.

المشهد العسكري والميداني: الجبهات ومنشآت الطاقة

أعلن المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية العميد يحيى سريع أن الطيران السعودي شنّ خلال أربع وعشرين ساعة مئة وأربع غارات وصواريخ، نفّذتها طائرات إف-15 وتايفون انطلقت من قاعدتي خميس مشيط والطائف، إلى جانب قصف صاروخي من نجران. وطالت الغارات العاصمة صنعاء ومحافظات ذمار وتعز وعمران ولحج والجوف ومأرب وصعدة والحديدة، وخلّفت شهداء وجرحى من المدنيين، بينهم أسر استُهدفت منازلها، ليرتفع إجمالي الغارات منذ بدء التصعيد الحالي إلى 2281 غارة وصاروخاً.

غير أن التطور الأبرز ليوم الثلاثاء 13/10/2026 تمثّل في استهداف الطيران السعودي للمحطة المركزية لشركة النفط اليمنية في منطقة الصباحة بصنعاء، ومحطة لتموين السيارات تابعة للشركة في مديرية باجل بمحافظة الحديدة. وسبق القصف إنذار سعودي علني بإخلاء الموقع، في أسلوب لم تعتمده الرياض طوال سنوات الحرب الاثنتي عشرة. وتقرأ صنعاء هذا الإنذار باعتباره محاولة لإضفاء طابع إنساني على ضربة تستهدف في جوهرها افتعال أزمة وقود لخنق شعب محاصر أصلاً، في ظل استمرار إغلاق مطار صنعاء وعرقلة الملاحة في ميناءي الحديدة والصليف، وسيطرة الرياض والقوى الموالية لها على ثروات اليمن من النفط والغاز. وأدانت شركة النفط الاستهداف باعتباره اعتداءً على منشآت مدنية خدمية مملوكة للشعب اليمني، مؤكدة أن منشآت الصباحة كانت خالية من أي مخزون، وأنها اتخذت مسبقاً كل التدابير الاحترازية، وأن المشتقات النفطية متوافرة في مواقع آمنة وبكميات تكفي لفترات طويلة.

في المقابل، أعلنت القوات المسلحة اليمنية معادلة ردّ واضحة، فدعت المدنيين إلى الإخلاء الفوري من ثلاثة أهداف هي مقر شركة أرامكو في الدمام ومطار الملك خالد الدولي في الرياض ومصفاة الرياض التابعة لأرامكو، وذلك في حال أقدمت السعودية على تنفيذ ما أعلنته في صنعاء. وجدّدت تحذيرها للخبراء والمهندسين والعمال في جميع المنشآت النفطية السعودية من التواجد في المواقع التي تمثل أهدافاً لها، سواء تلك التي استُهدفت من قبل أو غيرها، كما جدّدت تحذيرها لشركات الطيران والمسافرين والعاملين في الأجواء والمطارات السعودية، في إطار معادلة “الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد”.

وعلى الجبهات البرية، تواصل قوات صنعاء تقدمها في محافظة تعز التي تصفها رويترز بأنها أهم الجبهات، مقابل تقدّم بطيء ومحدود للقوات التابعة للرياض في بعض المحاور. ويأتي ذلك بعد أن سيطرت القوات المسلحة اليمنية الشهر الماضي على مناطق واسعة من الساحل الجنوبي الغربي بينها مدينة المخا. وفي سياق متصل، بثّ الإعلام الحربي مشاهد لاستهداف التجمعات والتحشيدات التابعة للسعودية بطائرات “رجوم” المسيّرة في عدة جبهات.

المشهد السياسي: خطاب التحرر وتفكيك الشرعية

حملت كلمة الرئيس المشاط في الذكرى الثالثة والستين لثورة 14 أكتوبر رسائل متعددة الاتجاهات، أولها موجّه إلى الأنظمة العربية والإسلامية التي تحاول الرياض جرّها إلى الحرب. فقد جدّد المشاط نصحه لهذه الحكومات بأن لا مصلحة لها في المشاركة في عدوان على شعب عربي مسلم، معتبراً أن محاولات توريطها تندرج ضمن مسعى أمريكي–إسرائيلي لإضعاف الدول الإسلامية وإغراقها في حروب بينية، تمهيداً لإعادة تشكيل الشرق الأوسط تحت الهيمنة الإسرائيلية.

وفي رسالة إلى المجتمع الدولي، أكد المشاط أن الملاحة الدولية آمنة وأن اليمن ملتزم بالتزاماته تجاهها، محمّلاً السعودية مسؤولية أي تهديد لسلامتها في باب المندب، لأنها تحوّل المنطقة إلى ساحة حرب، ومطالباً المجتمع الدولي بإدانة ذلك.

وفي الإطار التاريخي، قدّم المشاط السياسات السعودية بوصفها أحد أبرز العوائق التي واجهت مسيرة اليمن نحو الاستقلال، وربط السيادة الوطنية بتحرير الموارد، مؤكداً أن الدولة التي حلم بها ثوار أكتوبر لا تُعطَّل فيها موانئ عدن وحضرموت وشبوة والحديدة من أجل ازدهار موانئ الإمارات والسعودية.

الصحافة الدولية: إجماع على المأزق السعودي

تكاد قراءات كبرى وسائل الإعلام الدولية تتطابق في تشخيص المأزق السعودي، وإن اختلفت زوايا التناول. فقد ركّزت صحيفة فايننشال تايمز على البعد الاستثماري، كاشفة أن كبار التنفيذيين في شركات إكسون موبيل وتوتال إنرجيز وشل وبي بي ألغوا مشاركتهم في مؤتمر مجلس البترول العالمي الذي انطلق في الرياض، بعد الهجوم الصاروخي على مطار العاصمة. وعزت بي بي غيابها إلى اضطرابات السفر، فيما امتنعت الشركات الأخرى عن التعليق، وهو ما رأت فيه الصحيفة مؤشراً على تآكل قدرة المملكة على استضافة الفعاليات الدولية الكبرى.

وفي السياق ذاته، رأت صحيفة نيويورك تايمز أن الهجمات نقلت تداعيات الحرب إلى الداخل السعودي، وأضعفت شعور الأمان الذي حافظت عليه المملكة طوال سنوات حملتها، في مواجهة خصم بات أقوى وأكثر خبرة مما كان قبل عقد. ونقلت عن غريغوري غوز من معهد الشرق الأوسط أن إنهاء الحرب هو الحل الواقعي الوحيد أمام الرياض، وأن الأضرار التي تلحق بالبنية التحتية السعودية تفوق ما يتكبده اليمن. وأشارت الصحيفة إلى أن التصعيد بدأ في تموز/يوليو بغارة جوية على مطار صنعاء، يرجّح محللون ألا تكون القوات الموالية للرياض قد نفذتها لافتقارها إلى سلاح جو فاعل.

وقدّمت شبكة سي إن إن قراءة في جذور المأزق، ناقلة عن دبلوماسيين ومراكز أبحاث أن سلسلة من الأخطاء في التقدير وضعت السعودية تحت النار، إذ شكّلت تحالفاً غير متجانس سرعان ما تصدّع، وراهنت على استعداد ترامب لدعمها عسكرياً متى طلبت، واعتمدت على فصائل متفرقة اقتتلت فيما بينها. ونقلت عن السفير الأمريكي السابق لدى الرياض مايكل راتني أن السعوديين لم يمتلكوا يوماً تصوراً لبناء جيش يخوض الحروب منفرداً، وأنهم بنوا رؤيتهم للعالم بأكملها على الاعتماد على الولايات المتحدة. كما نقلت عن مستشار في المعهد الأوروبي للسلام أن أي تفاهم دبلوماسي منفصل بين دول الخليج وإيران لن يحل الصراع في اليمن.

حرب الكلفة وسلّم التصعيد

تعكس أحداث يوم الثلاثاء 14/10/2026 تحولاً جوهرياً في طبيعة الصراع، إذ لم تعد المعادلة تُقاس بالسيطرة الميدانية وحدها، بل بقدرة كل طرف على تحمّل الكلفة. وهنا يبرز خلل بنيوي يعمل لصالح صنعاء، فاليمن المحاصر منذ اثني عشر عاماً لا يملك الكثير ليخسره، فيما يقوم المشروع الاقتصادي السعودي كله على صورة الاستقرار. ولذلك فإن الصاروخ الذي يصل إلى مطار الرياض لا يُقاس بأضراره المادية، بل بأثره على قرار مستثمر أو شركة طيران أو منظّم مؤتمر. وهذا ما تعنيه عملياً معادلة “الحصار بالحصار”: نقل الحصار من الجغرافيا اليمنية إلى الاقتصاد السعودي.

ويلفت الانتباه في هذا السياق تبادل الطرفين التهديد بصورة علنية ومسبقة، في ما يمكن وصفه بـ”حرب الإنذارات”. فالرياض أنذرت بإخلاء منشأة الصباحة قبل قصفها، في محاولة لتقديم ضرب منشأة مدنية بأنه عملية منضبطة أمام الرأي العام الدولي، مع الضغط على الداخل اليمني عبر ملف الوقود. غير أن خلوّ المنشأة من المخزون أفقد الضربة قيمتها العملية تقريباً. في المقابل، حوّلت صنعاء ردّها إلى معادلة ردع محددة، طاقة مقابل طاقة، عبر تسمية الأهداف بأسمائها وربط تنفيذها بالخطوة السعودية التالية. والرسالة هنا مزدوجة: صنعاء لا تسعى إلى توسيع الحرب، لكنها قادرة على رفع سقفها إلى مستوى لا تحتمله الرياض. والأخطر بالنسبة إلى السعودية أن التفاوت في القيمة الاقتصادية بين أهداف الطرفين هائل، إذ تقف محطة وقود فارغة في صنعاء في مقابل منشآت أرامكو ومطار العاصمة.

ويضاعف التوقيت من حدة هذا المأزق، فذروة الهجمات تأتي قبل أسبوعين من مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار، ما يجعل المؤتمر نقطة ضغط زمنية حاسمة. وإذا كان انسحاب شركات الطاقة من مؤتمر البترول العالمي سابقة، فإن تكرار المشهد في “دافوس الصحراء”، أو وقوع ضربة خلال انعقاده، سيحمل كلفة رمزية تتجاوز كل الخسائر المادية، وهو ما يرفع حاجة الرياض إلى تهدئة سريعة أو إلى ضمانات بتحييد العاصمة على الأقل.

وفي هذا الإطار، يبقى سؤال الوساطة مطروحاً، فإشارة المعهد الأوروبي للسلام إلى احتمال تفاهم خليجي–إيراني منفصل تعزز الاستنتاج بأن المسار اليمني يتحرك وفق حساباته الخاصة، وأن أي تسوية إقليمية لن تكفي ما لم تعالج مباشرة ملفات الحصار والتعويضات.

وانطلاقاً من هذه المعطيات، تبدو الأيام المقبلة مفتوحة على ثلاثة احتمالات. أقربها على المدى القصير تصعيد متبادل يطال منشآت الطاقة لدى الطرفين، بما يحمله من اضطراب في أسواق النفط وضغط دولي متزايد على الرياض. ويتمثل الاحتمال الثاني في تهدئة مؤقتة تفرضها حاجة الرياض إلى تأمين انعقاد مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار، وقد تتم عبر وساطة إقليمية تفتح نافذة للتفاوض، تتمسك فيها صنعاء بشروطها في رفع الحصار وفتح المطار والموانئ ودفع التعويضات. أما الاحتمال الثالث، وهو الأضعف حتى الآن، فيتمثل في انتقال واشنطن إلى المشاركة المباشرة في الضربات، وهو خيار قد يوسّع رقعة المواجهة لتشمل الملاحة والقطع الأمريكية في البحر الأحمر، ويعيد إلى الأذهان ما انتهت إليه تجربة العام الماضي. وأياً يكن المسار الذي ستسلكه الأحداث، فإن هامش المناورة السعودي يضيق يوماً بعد يوم، ما يجعل الأسابيع المقبلة، ولا سيما تلك التي تسبق مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار، حاسمة في تحديد وجهة هذه الحرب.


المصدر الأصلي: alkhanadeq.com

wakalanews.com — متابعة الخبر
المصدر:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى