صحافة

يوميات كسر الحصار: غرفة العمليات السعودية في عدن في مرمى معادلة الردع

يأتي هذا التقرير ضمن سلسلة يومية ترصد التطورات السياسية والميدانية في الحرب على اليمن. وقد حمل يوم الخميس 15/10/2026 تحولاً لافتاً في جغرافيا المواجهة، فبعد أن طالت الضربات اليمنية العمق الاقتصادي السعودي في الظهران والرياض، انتقلت إلى العقدة القيادية للعمليات السعودية داخل اليمن نفسه، عبر استهداف غرفة العمليات المشتركة في قصر المعاشيق بعدن. وتزامن ذلك مع اشتداد معركة الرواية، بعدما أعلنت الرياض اعتراض صاروخ في منطقة المدينة المنورة، وسارعت صنعاء إلى نفي أي صلة لها به.

المشهد الميداني

أعلنت صنعاء أن قوتها الصاروخية استهدفت مقر عمليات حربية يديره ضباط سعوديون في قصر المعاشيق بعدن، إضافة إلى مخازن أسلحة تابعة لهم. وأكد مصدر عسكري سقوط عدد من الضباط السعوديين بين قتيل وجريح، فيما أفادت مصادر محلية بفرض طوق أمني على مستشفيات المدينة للتكتم على الخسائر وبتهديد من يسرّب المعلومات بالاعتقال. ووضع العميد يحيى سريع الضربة في سياق “المعادلة المعلنة” بضرب التحشيدات السعودية أينما كانت، معتبراً أي وجود عسكري سعودي هدفاً مشروعاً، مع التأكيد على أن العمليات لا تستهدف أبناء المحافظات الجنوبية. وتكتسب الضربة أهميتها من كون عدن القاعدة الخلفية التي تنطلق منها التحشيدات نحو باب المندب وتعز.

في المقابل، شنّ الطيران السعودي خمساً وستين غارة خلال أربع وعشرين ساعة على صنعاء ولحج والحديدة وتعز وعمران وصعدة ومأرب، بطائرات إف-15 وتايفون من قاعدتي خميس مشيط والطائف، مع قصف صاروخي من جيزان، ليتجاوز عدد الغارات منذ استئناف التصعيد ألفين وثلاثمئة وخمسين غارة. ونشرت القوات المسلحة حصيلة عمل الدفاع الجوي منذ انتهاء خفض التصعيد في الثالث من تموز/يوليو، وتشمل إسقاط طائرة إف-15 إس في مأرب وإصابة طائرة تايفون في صعدة، وإسقاط خمس وعشرين طائرة استطلاع، بينها طائرات صينية من طرازي “وينغ لونغ 2″ و”سي إتش-4” وتركية من طرازي “أكنجي” و”كاريال”، والتصدي لأربعين تشكيلاً قتالياً.

وفي تعز، دعت القوات المسلحة قيادات التحشيدات داخل المدينة إلى الاستجابة لمبادرات الوجهاء والاستفادة من العفو، محذرة من استمرار إغلاق منافذ المدينة. وأعلن القائم بأعمال المحافظ أحمد المساوى مبادرة تتيح للمسلحين الخروج الآمن بسياراتهم وأسلحتهم الشخصية عبر طريق نجد قسيم–التربة–عدن. وعلى الجبهة الأمنية، أعلنت وزارة الداخلية تفكيك خلية نفذت أربعة تفجيرات بعبوات ناسفة في صنعاء وحاولت نصب كمائن على الطرق، وأسفرت المداهمة عن استشهاد رجل أمن ومقتل عنصرين واعتقال ثالث.

المشهد السياسي والإنساني

على الصعيد الدبلوماسي، وجّهت وزارة الخارجية مذكرات إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن تؤكد أن الطرق المؤدية إلى تعز مفتوحة ومؤمّنة من جانب صنعاء، وأن إغلاقها تتحمله التحشيدات السعودية. وردّ العميد سريع على المتحدث باسم التحالف، معتبراً اتهامات استهداف المقدسات زعماً كاذباً، ومذكّراً بأن تحذيرات صنعاء لشركات الطيران استثنت دائماً أجواء مكة المكرمة والمدينة المنورة، ومؤكداً أن العمليات دفاعية وستستمر حتى إنهاء العدوان والحصار.

وفي مؤتمر صحفي عقدته في تعز، أعلنت وزارة الصحة ارتفاع الحصيلة التراكمية للحرب إلى ثلاثة وخمسين ألفاً ومئتين وخمسة عشر شهيداً وجريحاً، بينهم ستة عشر ألفاً وثلاثمئة وتسعة وأربعون شهيداً. وأوضحت أن التصعيد بين الثالث من أيلول/سبتمبر والخامس من تشرين الأول/أكتوبر وحده خلّف أربعمئة وسبعة وعشرين شهيداً وجريحاً، أكثر من ستين في المئة منهم نساء وأطفال. ورسمت الوزارة صورة قاتمة لقطاع صحي خرج أكثر من نصف منشآته عن الخدمة، مع نقص في أكثر من ألف وستمئة صنف دوائي، ومعاناة نحو ثلاثة ملايين وستمئة ألف طفل من سوء التغذية الحاد، ووجود أربعة وعشرين مليون يمني بحاجة إلى المساعدة، محمّلة الصمت الدولي وانسحاب المنظمات الإنسانية جزءاً من المسؤولية.

في الصحافة الأجنبية

تصدّر ملف المدينة المنورة التغطيات. فقد نقلت وكالة الصحافة الفرنسية إعلان التحالف بقيادة السعودية اعتراض صاروخ كروز في منطقة المدينة المنورة، مقابل نفي صنعاء تنفيذ أي هجوم من هذا النوع. ولاحظ موقع “هاوس أوف سعود” المتخصص أن بيان التحالف لم يحدد مصدر الإطلاق ولا مساره ولا الهدف المقصود، وأنه لم ينسب الإطلاق إلى أي جهة.

وفي قراءة لمعادلة الاستنزاف، نقلت أسوشيتد برس عن أحمد ناجي من مجموعة الأزمات الدولية أن صنعاء تراهن على الضغط فيما تراهن الرياض على الوقت. وكشفت الوكالة أن أكثر من ثلاثة آلاف رحلة جوية من المطارات السعودية أُلغيت خلال أسبوع وفق شركة “سيريوم”، وأن المملكة تعاني نقصاً في الصواريخ الاعتراضية وتضغط على حلفائها كالولايات المتحدة لزيادة الدعم. ونقلت عن محمد البخيتي أن مسقط تحاول إعادة الطرفين إلى التفاوض، فيما تواصلت روسيا والصين عبر إيران. وكانت تقارير سابقة قد أفادت بأن أحد الصواريخ على مطار الملك خالد أدى إلى مقتل مواطن أمريكي، ما دفع وزير الخارجية ماركو روبيو إلى إدانة الهجمات. كما نقلت تايمز أوف إسرائيل عن وول ستريت جورنال تقييماً لمجموعة رصد أسلحة يتحدث عن سعي اليمنيين لتطوير نسخة من صاروخ “خيبر شكن” الإيراني بمدى قد يبلغ 1900 كيلومتر.

يكشف استهداف المعاشيق انتقال صنعاء من ضرب الأطراف إلى ضرب مراكز القيادة والسيطرة. فالضربة تستهدف تعطيل الإدارة السعودية المباشرة لمعركة الساحل الغربي من قاعدتها الخلفية، وتحمل رسالة سياسية إلى الجنوب مفادها أن الوجود السعودي، لا اليمنيين الجنوبيين، هو المستهدف. وهي بذلك تكمّل معادلة “الطاقة مقابل الطاقة” بمعادلة موازية: القيادة مقابل التحشيد.

أما ملف المدينة المنورة، فيعكس تحوّل الرواية الدينية إلى أداة تعبئة إقليمية. فالرياض تسعى، عبر خطاب حماية الحرمين، إلى استدعاء تحالفات إسلامية كاتفاق الدفاع مع باكستان وتركيا، بما يوسّع دائرة الصراع ويمنحه غطاءً عابراً للحدود. غير أن غموض البيان السعودي وامتناعه عن تسمية الجهة المطلِقة يُضعفان هذه الرواية، في حين حرصت صنعاء على تحصين موقفها مسبقاً عبر استثناء أجواء الحرمين من تحذيراتها منذ بداية التصعيد.

وفي تعز، تتواجه روايتان إنسانيتان متعارضتان، فبينما تتحدث الصحافة الغربية عن مدينة محاصرة، تقدّم صنعاء نفسها جهةً تفتح الطرق والممرات الآمنة وتراسل الأمم المتحدة لتثبيت ذلك. ويشير عرض الخروج الآمن للمسلحين إلى أن صنعاء تفضّل حسم المدينة بالتفاوض والاستنزاف بدل الاقتحام المكلف بشرياً وسياسياً. وتفكيك الخلية في صنعاء يكشف بدوره سعي الرياض إلى فتح جبهة أمنية داخلية تعوّض عجزها الميداني.

وفي ميزان الاستنزاف، تبدو مقولة “الضغط مقابل الوقت” محكومة بمعطيات لا تخدم الرياض: نقص الصواريخ الاعتراضية، وتراجع حركة الطيران، وإسقاط الطائرات الحربية والمسيّرة، وتطوير صواريخ أبعد مدى. ومع مقتل مواطن أمريكي في الرياض، تزداد الضغوط على واشنطن لتحديد موقفها، في وقت تتحرك فيه مسقط وموسكو وبكين بحثاً عن مخرج.

يؤكد مسار يوم الخميس أن الحرب لم تعد تُخاض على خطوط التماس وحدها، بل على ثلاثة مستويات متوازية: ضرب مراكز القرار العسكري، وحرب الرواية الدينية والإنسانية، واستنزاف القدرة الدفاعية والاقتصادية. وإذا كانت الرياض تراهن على عامل الوقت، فإن المعطيات الميدانية والاقتصادية تشير إلى أن هذا الرهان يفقد قيمته يوماً بعد يوم، وأن نافذة الوساطات المفتوحة قد تكون الفرصة الأخيرة قبل انتقال الحرب إلى مستويات أخطر.



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: alkhanadeq.com

تاريخ النشر:

الكاتب:

تنويه من موقع “wakalanews”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

wakalanews.com — متابعة الخبر
المصدر:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى