صحافة

يملك العراق واحداً من أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم، لكن هذه الثروة لا تتحوّل تلقائياً إلى قرار اقتصادي مستقل

يملك العراق واحداً من أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم، لكن هذه الثروة لا تتحوّل تلقائياً إلى قرار اقتصادي مستقل. فالطريق بين بيع البرميل والتصرّف بثمنه يمرّ عبر بنية مالية تملك واشنطن مفاتيح أساسية فيها. منذ ترتيبات ما بعد الاحتلال عام 2003 وحتى اليوم، بقيت العائدات النفطية العراقية مرتبطة بحساب لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. وبقيت المصارف العراقية عرضة للعقوبات والقيود على التعامل بالدولار، فصار المال العراقي أداة ضغط على خيارات بغداد السياسية والاقتصادية. وفي هذه الورقة، يفكّك الدكتور وائل شري آليات هذا النفوذ وكلفته على الاقتصاد والمواطن. ثم يطرح مساراً متدرّجاً لاستعادة السيادة، يبدأ بإصلاح المصارف وبناء القدرات النفطية الوطنية، ويمتد إلى تنويع العملات والاحتياطيات وقنوات الدفع، من دون مغامرة بالقطيعة ولا استبدال تبعية بأخرى.

فتتناول هذه الورقة بعنوان «تحرير اقتصاد العراق: استراتيجيات استعادة السيادة على الثروة والأموال والقرار الاقتصادي» إشكالية المسافة بين امتلاك العراق ثروته النفطية وقدرته الفعلية على التصرّف بعائداتها. وتنطلق من فرضية مفادها أن الهيمنة المعاصرة لم تعد تحتاج إلى السيطرة على الأرض أو الحقول، بل يكفيها التحكّم بالقنوات المالية الواصلة بين بيع البرميل والحصول على ثمنه. وتسعى الدراسة إلى تفكيك آليات النفوذ الأميركي على الأموال العراقية، مع التنبيه إلى أن اختزال المسألة في عبارة «أميركا تملك أموال العراق» يحجب طبيعتها. فهي تميّز بين ملكية المورد وتشغيل الحقل والتسويق وحفظ العائدات وإدارة الاحتياطيات وتنفيذ المدفوعات، وترى أن السيادة الفعلية تكمن في القدرة على وصل هذه الحلقات وضمان استمرارها عند تعطّل أي قناة خارجية.

تستعرض الدراسة الجذور التاريخية لهذا النفوذ، بدءاً من «صندوق تنمية العراق» الذي أُنشئ بعد غزو 2003 بموجب القرار الأممي 1483. وتوضح أن انتهاء هذه الترتيبات عام 2011، ثم انتهاء الحماية الأميركية الخاصة للأموال العراقية عام 2014، لم يُنهِ ارتباط العائدات النفطية بحساب العراق لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. وتبيّن أن هذا النفوذ يتجلّى بوضوح أكبر في القطاع المصرفي، مستشهدةً بالإجراءات الأميركية ضد مصرف الهدى عام 2024، وضد مصرف التنمية الدولي للاستثمار والتمويل عام 2026. وتلاحظ أن الشركات الأميركية لا تسيطر على الإنتاج النفطي، إذ تعمل إلى جانبها شركات صينية وأوروبية وعراقية، فيما تحتفظ واشنطن بنفوذ واسع على القنوات المالية.

ثم تنتقل إلى الكلفة الاقتصادية والسياسية لهذه التبعية. فتأخير التحويلات وتقييد التعامل بالدولار يدفعان المستوردين إلى وسطاء أعلى كلفة، ويغذّيان السوق الموازية وارتفاع سعر الدولار مقابل الدينار، وتنتقل هذه الأعباء في النهاية إلى المواطن. كما تتحوّل هذه القيود إلى أداة ضغط على خيارات بغداد في التعامل مع دول أو شركات خاضعة للعقوبات. وتعترف الدراسة بأن الفساد والتهريب وضعف النظام المصرفي، إلى جانب اعتماد الدولة على النفط في أكثر من 90% من إيراداتها، تضاعف هشاشة العراق أمام هذه الضغوط.

وتطرح الدراسة مسارين متكاملين للمعالجة:

– بناء السيادة من الداخل، ويشمل إصلاح المصارف ومكافحة غسل الأموال وربط التحويلات إلكترونياً بالجمارك والضرائب للحدّ من الفواتير الوهمية. ويشمل كذلك بناء القدرات النفطية الوطنية عبر اشتراط نقل المعرفة في العقود مع الشركات الأجنبية وإعادة التفاوض عليها تدريجياً، وإنشاء صندوق للاستقرار المالي يُغذّى من الفوائض النفطية لمواجهة الأزمات.

– استعادة مفاتيح الثروة خارجياً، ويبدأ بالتفاوض مع واشنطن على قواعد واضحة للوصول إلى العائدات، ثم تنويع أماكن حفظ الأموال، وتوزيع الاحتياطيات بين اليورو واليوان والذهب. ويتضمّن أيضاً تسوية جزء من مبيعات النفط بعملات المشترين كاليوان والروبية، وهنا تقدّم الدراسة آلية تطبيقية تفصيلية تربط بيع النفط بتمويل الاستيراد وتنويع الاحتياطي. ويُستكمل هذا المسار بتطوير شبكة مصارف مراسلة واستخدام نظام المدفوعات الصيني (CIPS)، مع إدارة الانتقال تدريجياً حمايةً لاستقرار الدينار.

وتحدّد الدراسة مؤشرات لقياس التنفيذ، منها حصة العائدات المحصّلة بغير الدولار، وعدد المصارف المراسلة، وكلفة التحويلات ومدّتها، واستقرار سعر الصرف. وتقترح كذلك خطة طوارئ لضمان استمرار المدفوعات الأساسية في حال تشديد القيود الأميركية.

وتخلص في خاتمتها إلى أن السيادة المالية لا تُستعاد بقرار يغيّر عنوان الحساب أو بعملة بديلة تُرفع شعاراً، بل بمؤسسات قادرة على حماية المال وإدارة الموارد. وتشدّد على أن المطلوب ليس القطيعة مع الولايات المتحدة، بل هيكلة الاقتصاد على نحو يمنع أي دولة منفردة من تحويل خلاف سياسي إلى تهديد حاسم لاستقراره. وترى أن التحوّلات الجارية في النظام المالي الدولي تمنح العراق فرصة ينبغي المبادرة إلى استثمارها، لا انتظار اكتمالها.

لتحميل الدراسة من هنا



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: alkhanadeq.com

تاريخ النشر:

الكاتب:

تنويه من موقع “wakalanews”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

wakalanews.com — متابعة الخبر
المصدر:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى