صحافة

من يعرّف المصلحة الأمريكية؟ التنافس على قرار الحرب والسلم داخل الحزب الجمهوري

شهد الحزب الجمهوري خلال السنوات الأخيرة تحولاً في بنيته الفكرية والسياسية.  فبعد عقود كان فيها دعم “إسرائيل”، وتعزيز التفوق العسكري الأمريكي، والحفاظ على التحالفات الدولية، ومواجهة الخصوم الاستراتيجيين، عناصر متقاربة داخل التيار الجمهوري، أعادت حركة “لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً” (MAGA) طرح سؤال جوهري وهو هل ينبغي للولايات المتحدة أن تستمر في تحمل تكاليف النظام الدولي والتدخلات الخارجية، أم أن عليها إعادة ترتيب التزاماتها وفق المصالح الأمريكية المباشرة؟

لم يؤدِّ هذا التحول إلى اختفاء التيار الجمهوري التقليدي المؤيد للتدخل الخارجي، بل أنتج ائتلافاً يجمع تيارات تختلف في تعريف القوة الأمريكية وفي تحديد الغايات التي ينبغي توظيفها لتحقيقها.  ويظهر هذا التباين بوضوح في العلاقة مع “إسرائيل”، وفي التعامل مع إيران، وفي الموقف من الحروب الممتدة، وفي توزيع الموارد بين الأمن الداخلي والالتزامات العسكرية الخارجية.  وقد رصدت مجلة Foreign Policy في يوليو/تموز 2025 التباين بين تيار يفضل تقليص الانخراط العسكري الخارجي، وشخصيات جمهورية أكثر استعداداً لاستخدام القوة، من بينها ماركو روبيو.  كما تناولت دراسة لمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، صدرت في ديسمبر/كانون الأول 2025، تزايد الخلاف داخل الحزب الجمهوري بشأن مدى توافق الدعم المستمر لإسرائيل مع مبدأ “أمريكا أولاً”.

في هذا السياق، يمكن تحليل الصراع من خلال ثلاثة اتجاهات:

– اتجاه يمثله روبيو بوصفه أحد أبرز وجوه السياسة الخارجية الجمهورية التقليدية، ويعطي وزناً كبيراً للتحالف مع إسرائيل ومواجهة إيران والحفاظ على الدور الأمريكي العالمي.

– اتجاه “أمريكا أولاً” داخل حركة MAGA ، ويطالب بأن تكون الالتزامات الخارجية خاضعة لحسابات المصلحة الوطنية الأمريكية، بما في ذلك كلفة الحروب ومخاطرها على الاقتصاد والمجتمع والقدرة العسكرية.

– اتجاه شخصنة السلطة حول دونالد ترامب، حيث يتحدد الموقف العملي بدرجة كبيرة وفق تقدير الرئيس للمكاسب السياسية والتفاوضية، وصورته بوصفه قائداً قادراً على فرض إرادته، ومدى توافق القرار مع رؤيته الخاصة للقيادة.

لكن من الضروري التمييز بين التيار السياسي، والشخص الذي يجسد بعض أفكاره، والقرار الذي تتخذه الإدارة في لحظة معينة.  فماركو روبيو ليس ممثلاً حصرياً لمصالح “إسرائيل”، كما أن ماغا ليست حركة مناهضة “لإسرائيل” في مجملها، ولا يمكن اختزال كل قرارات ترامب في مصلحة شخصية مباشرة.  المقصود هو تحديد الأولوية التي يتقدم بها كل اتجاه عند تعارض الأهداف، وليس افتراض أن هذه الأهداف منفصلة دائماً.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن الخلاف لم يعد نظرياً فقط، ففي مارس/آذار 2026، أثارت تصريحات روبيو بشأن توقع تحرك إسرائيلي ضد إيران وما قد يترتب عليه من ردود على القوات الأمريكية جدلاً داخل أوساط ماغا بشأن احتمال انجرار الولايات المتحدة إلى حرب ارتبط توقيتها ومبرراتها بحسابات إسرائيلية.  وفي يونيو/حزيران 2026، تناولت تقارير صحفية انقسامات إضافية داخل الحركة حول مسار الحرب والتفاهمات مع إيران، كما رصدت اختلافاً في النبرة بين روبيو ونائب الرئيس جي دي فانس بشأن العمليات الإسرائيلية ومسار التفاوض.

وعليه، فإن هذه الورقة تنطلق من فرضية أن ما يجري هو صراع على ترتيب الأولويات داخل ائتلاف حاكم، وليس بالضرورة صراعاً بين ثلاثة معسكرات منفصلة يتعلق جوهرها بثلاثة أسئلة مترابطة، هل تُستخدم القوة الأمريكية لخدمة التزامات استراتيجية طويلة الأجل؟ أم تُقاس قيمتها بالعائد المباشر للولايات المتحدة؟ أم تُدار وفق تقدير الرئيس الشخصي للمكاسب والخسائر؟

وستعرض الورقة جذور الاتجاهات الثلاثة، ومصادر نفوذها، ونقاط التقاء مصالحها وتعارضها، ثم تبحث في انعكاساتها على السياسة الأمريكية تجاه “إسرائيل” وإيران والشرق الأوسط، وعلى تماسك الحزب الجمهوري وقدرة مؤسسات الدولة على إنتاج سياسة خارجية مستقرة.

خاتمة الدراسة

تكشف المقارنة بين “إسرائيل أولاً” و”أمريكا أولاً” و”ترامب أولاً” عن ثلاثة مستويات متداخلة من التنافس داخل الإدارة الأمريكية: مستوى الالتزام الاستراتيجي بالتحالفات، ومستوى المصلحة الوطنية وتكاليف الانخراط الخارجي، ومستوى القيادة الرئاسية وطريقة إدارة القرار السياسي.

يمثل ماركو روبيو اتجاهاً يعطي وزناً كبيراً للتحالفات والردع ومواجهة الخصوم، وفي مقدمتهم إيران. وتمثل تيارات داخل ماغا اعتراضاً على أن تتحول هذه الالتزامات إلى حروب مفتوحة أو أعباء لا ترتبط بصورة واضحة بمصلحة المواطنين الأمريكيين. أما ترامب، فيحتل موقعاً مختلفاً لأنه صاحب القرار التنفيذي الذي يستطيع ترجيح أحد الاتجاهين، أو التوفيق بينهما، أو الانتقال من التصعيد إلى التسوية عندما يرى أن ذلك يخدم أهداف إدارته.

لكن الاستنتاج الأهم هو أن هذه الاتجاهات لا تتطابق تماماً مع حدود ثابتة بين الأشخاص. فهناك داخل ماغا من يؤيد “إسرائيل” بقوة، وداخل التيار الجمهوري التقليدي من يدعو إلى ضبط الانخراط العسكري، كما أن ترامب قد يتخذ قراراً يتوافق مع روبيو في مرحلة، ثم يتبنى مساراً تفاوضياً يلقى اعتراضاً من بعض مؤيدي إسرائيل في مرحلة أخرى.

وتوضح تجربة الحرب مع إيران خلال عام 2026، وفق التقارير المشار إليها، أن الخلاف قد يظهر عند بدء العمليات العسكرية، ثم يتجدد عند الانتقال إلى التفاوض وتحديد شروط إنهاء الحرب.  وهذا يؤكد أن التنافس لا يدور فقط حول قرار استخدام القوة، وإنما حول تعريف النجاح الاستراتيجي وحدود التنازلات المقبولة.

وعليه، فإن وصف الصراع بأنه مواجهة بين “إسرائيل أولاً” و”أمريكا أولاً” يلتقط جانباً حقيقياً من الجدل داخل اليمين الأمريكي، لكنه لا يكفي وحده لتفسير جميع القرارات. أما إضافة “ترامب أولاً”، فتساعد على إدخال عامل القيادة الشخصية في التحليل، بشرط ألا تتحول إلى افتراض غير مثبت بشأن دوافع الرئيس في كل حالة.

الخلاصة النهائية هو أنّ جوهر التنافس هو من يمتلك سلطة تعريف المصلحة الأمريكية عند تعارضها مع الالتزامات الخارجية، ومن يحدد متى تُستخدم القوة ومتى تنتهي الحرب، ومن يتحمل تكلفتها. وسيظل هذا التنافس عاملاً أساسياً في فهم السياسة الأمريكية تجاه “إسرائيل” وإيران والشرق الأوسط، كما أنه اختبار لقدرة الإدارة على تحويل شعاراتها المتنافسة إلى استراتيجية متماسكة، واضحة الأهداف، وقابلة للمساءلة.

لتحميل الدراسة من هنا



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: alkhanadeq.com

تاريخ النشر:

الكاتب:

تنويه من موقع “wakalanews”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

wakalanews.com — متابعة الخبر
المصدر:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى