من غزة إلى هرمز وباب المندب: كيف أعاد الإسناد رسم جغرافيا الصراع وموازين القوة؟

بعد ثلاثة أعوام على السابع من أكتوبر، لم يعد السؤال مشروعاً حول ما جرى في ذلك اليوم، بل حول ما فتحه من مسارات. فالعملية التي انطلقت من غزة لم تكن فقط هجوم عسكري، بل كانت زلزالاً سياسياً وأمنياً أعاد ترتيب الأولويات الإقليمية والدولية. لقد انتقل الصراع من كونه صراعاً فلسطينياً – “إسرائيلياً” محصوراً في جغرافيا ضيقة، إلى مواجهة متعددة الساحات تمتد من غزة إلى جنوب لبنان، ومن البحر الأحمر إلى باب المندب، ومن الخليج إلى هرمز. هذا التحول لم يكن نتيجة قرار واحد، بل نتاج تراكم من الحصار والاستيطان والاقتحامات وتراجع أفق التسوية، إضافة إلى تحولات بنيوية في طبيعة القوى الفاعلة.
في جوهر التحول، فهل قرار السابع من أكتوبر، كان قرار حماس أم قرار المحور؟ تقول الروايات الفلسطينية إن القرار كان حماسياً خالصاً، فكرة وتخطيطاً وتنفيذاً، وأنه اتُخذ داخل حلقة ضيقة من قيادة كتائب القسام، ولم يُطلع عليه حتى كثير من قيادات حماس. وتشير مراسلات نُشرت لاحقاً إلى أن الشهيد يحيى السنوار طرح ثلاثة سيناريوهات: مواجهة إقليمية كبرى، حملة وسطية، أو حد أدنى. وقد قُدّم سيناريوهان لمحور المقاومة، بينما غُيّب السيناريو الثالث الذي نُفّذ. هذا لا يعني أن إيران أو حزب الله كانا في غرفة العمليات، لكنه يعني أن قرار التنفيذ كان فلسطينياً، وأن الإسناد جاء لاحقاً بوصفه خياراً استراتيجياً، لا تنفيذاً لأمر خارجي. الفرق بين القرار والإسناد هو مفتاح فهم المرحلة.
في لبنان، لم يتأخر حزب الله؛ ففي اليوم التالي، فُتحت جبهة الإسناد؛ لم تكن مجرد تضامن رمزي، بل كانت محاولة لربط الساحات وإرباك الجيش “الإسرائيلي” ومنع تركيزه الكامل على غزة. لكنها حملت في داخلها مخاطر كبرى. فقد تحولت القرى الحدودية إلى مناطق نزوح، ودفع لبنان ثمناً باهظاً على مستوى البنية والاقتصاد والقيادات. ومع ذلك، رأى الحزب أن ترك غزة وحيدة يعني خسارة عقيدة “وحدة الساحات”، وأن الحياد سيجعله الطرف التالي. هنا يظهر سؤال الدور الإيراني: هل كان قرار الحزب قراراً إيرانياً؟ الواقع أن طهران تدعم الحزب وتسلّحه وتنسق معه، لكنها لا تملك دائماً حق الفيتو على توقيت المواجهة. العلاقة بينهما ليست تبعية مطلقة، بل تحالف استراتيجي معقد، تتداخل فيه العقيدة والمصلحة والحسابات المحلية.
كذلك لم تكن إيران صاحبة قرار التنفيذ لـ”طوفان الأقصى”. هذا التمييز جوهري. فطهران لم تأمر حماس بالهجوم، ولا تملك حق الفيتو على توقيت المقاومة الفلسطينية. لكنها بعد الهجوم، احتضنت الحدث سياسياً وأمنياً، وحوّلته إلى فرصة لإعادة تعريف قواعد الاشتباك. إيران لا تريد حرباً شاملة، لأنها تعرف أن ثمنها قد يكون ضربات على منشآتها النووية واقتصادها. وفي الوقت نفسه، لا تستطيع أن تتخلى عن “وحدة الساحات”، لأن ذلك يعني خسارة رأس المال الاستراتيجي الذي بنته على مدى عقود. فاختارت معادلة دقيقة: إدارة التصعيد من دون الانزلاق إلى الهاوية. أطلقت صواريخ ومسيّرات باتجاه “إسرائيل” في أكثر من مناسبة، لكنها حرصت على إبقاء الرسالة مضبوطة: نحن قادرون على الضرب، ونحن نتحمل التصعيد، لكننا لا نريد الحرب الكبرى. وهكذا تحولت من راعٍ للمقاومة إلى مدير لأزمة إقليمية.
أما العراق، فهو الجبهة التي غابت عن كثير من التحليلات، مع أنها الأقرب إلى قلب المعادلة الأميركية. فبعد السابع من أكتوبر، برزت “المقاومة الإسلامية في العراق” كإطار جامع لفصائل متعددة، شنت هجمات متكررة على القواعد الأميركية في العراق وسوريا، واستهدفت أهدافاً “إسرائيلية” بالطائرات المسيّرة والصواريخ. لم يكن الهدف إسقاط “إسرائيل”، بل إجبار واشنطن على دفع الثمن، وإرباك قواعدها، وإيصال رسالة بأن العراق ليس ساحة خلفية آمنة. والعراق، بموقعه الجغرافي، يمثل الجسر البري الذي يربط إيران بسوريا ولبنان.
أما اليمن، فقد قدّم النموذج الأكثر إثارة للدهشة. فحكومة صنعاء، التي تعيش حرباً وحصاراً منذ سنوات، لم تتذرع بظروفها الداخلية للابتعاد عن فلسطين. بل حولت موقفها السياسي إلى فعل عسكري. أطلقت صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة باتجاه أهداف مرتبطة بـ”إسرائيل”، ونفذت هجمات على سفن في البحر الأحمر وخليج عدن. وهكذا دخل باب المندب المعادلة. لم يعد الصراع فقط مواجهة على الحدود، بل صار يشمل أحد أهم الممرات البحرية في العالم. ورداً على ذلك، شُكّل تحالف “حارس الازدهار” بقيادة واشنطن، ووُجّهت ضربات أميركية وبريطانية على الحديدة وصنعاء ومطار صنعاء. ثم جاءت الضربات “الإسرائيلية” لتؤكد أن اليمن لم يعد ساحة هامشية.
المفارقة أن الإعلام العربي لم يتابع معظم هذه الضربات بالحجم الذي تستحقه. فالكلفة البشرية والمادية التي دفعها اليمن ظلت شبه غائبة عن المشهد. ومع ذلك، نجحت صنعاء في تحويل موقعها الجغرافي إلى ورقة ضغط استراتيجية. فمن يسيطر على باب المندب، أو يهدد الملاحة فيه، يمسك بجزء من الاقتصاد العالمي. وحين يتكامل هذا الضغط مع القدرة الإيرانية على إغلاق هرمز، تتشكل معادلة جغرافية مركبة: ضغط من الجنوب وضغط من الشرق. هذه ليست حرباً تقليدية، بل حرب عقد وممرات وموانئ وخطوط إمداد.
في هذا السياق، لم تعد جغرافيا الصراع جغرافيا حدود، بل جغرافيا عقد. غزة عقدة، جنوب لبنان عقدة، باب المندب عقدة، هرمز عقدة. وكل عقدة لها منطقها المحلي، لكنها مرتبطة بشبكة أوسع. “إسرائيل” والولايات المتحدة تحاولان تفكيك هذه الشبكة عقدة تلو الأخرى. تارة باغتيال القيادات، وتارة بالضربات الجوية، وتارة بالحصار والضغط السياسي. لكن كلما ضُربت عقدة، ظهرت أخرى. هذا هو جوهر الإسناد: ليس الانتصار العسكري الحاسم، بل جعل الحرب طويلة وممتدة ومكلفة.
عربياً، كشفت الحرب عن عمق الأزمة؛ الموقف الرسمي ظل في معظمه متحفظاً، يتراوح بين القلق والدعوة إلى التهدئة. بعض الأنظمة راهنت على التسوية والتطبيع، واعتبرت أن الاستقرار الاقتصادي أهم من القضية الفلسطينية. لكن الشارع العربي لم يكن على هذه الحالة. خرجت مظاهرات في عواصم عربية عدة، وارتفعت أصوات ترفض العدوان. وهكذا وقعت الأنظمة بين ضغط الشارع وضغط واشنطن. النتيجة أن العرب فقدوا المبادرة. لم يقدموا مشروعاً سياسياً بديلاً، ولم يفرضوا وقفاً لإطلاق النار، ولم يحموا غزة. وبدا أن خياراتهم محصورة بين إدارة الأزمة والانتظار.
لكن السؤال الأهم: هل غيّر الإسناد موازين القوة؟ عسكرياً، يمكن القول إن “إسرائيل” هُزمت من الناحية العسكرية والاستخباراتية، كما فقدت الردع المطلق. وذلك على الرغم من امتلاكها التفوق الجوي والاستخباري، كما أن المقاومة ما زالت تملك القدرة على المبادرة، لكنها لا تستطيع تحرير فلسطين وحدها. ما حدث هو تحول إلى حرب استنزاف. “إسرائيل” تريد إنهاء المقاومة، والمقاومة تريد إبقاء القضية حية. واشنطن تريد احتواء الصراع، وإيران تريد توسيع مساحة الضغط. كل طرف يريد أن يفرض معادلة، لكن لا أحد قادر على فرضها كاملة.
من هنا، يمكن القول إن السابع من أكتوبر لم يغيّر جغرافيا الصراع فقط، بل غيّر قواعد اللعبة. فلم يعد ممكناً فصل غزة عن لبنان، ولا لبنان عن اليمن، ولا اليمن عن الخليج. صار أي تصعيد في غزة يعني توتراً في البحر الأحمر، وأي ضربة في لبنان تعني رداً من العراق أو اليمن. هذه هي “وحدة الساحات” في صورتها العملية. ليست وحدة عقائدية فقط، بل وحدة جيوسياسية تفرضها الجغرافيا والسلاح والممرات.
بعد ثلاثة أعوام، المطلوب ليس فقط تقييم ما حدث، بل استشراف ما سيأتي. الحرب مرشحة لمزيد من التصعيد، خصوصاً أن واشنطن وتل أبيب تعتبران أن لحظة التفوق النسبي تسمح بتقويض ساحات المقاومة تباعاً. لكن التاريخ يقول إن القضايا الوطنية لا تُقتل بالضربات. قد تُضعف، لكنها تعود. والسؤال الحقيقي هنا: هل تختار الأنظمة أن تكون فاعلة في رسم التسوية، أم تكتفي بردود الفعل؟ وهل يفهم الغرب أن السلام دون عدالة لا يدوم؟
ففي النهاية فإن السابع من أكتوبر فتح مرحلة جديدة. من غزة إلى هرمز وباب المندب، لم تعد المنطقة كما كانت. الجغرافيا تغيّرت، والتحالفات تغيّرت، وموازين القوة تغيّرت. وما لم تكن هناك تسوية عادلة تعيد الحقوق، فإن الصراع سيبقى مفتوحاً على كل الاحتمالات. والعرب، في النهاية، أمام خيارين: إما استعادة المبادرة، وإما البقاء في هامش التاريخ.
المصدر الأصلي: alkhanadeq.com




