صحافة

متغيّرات العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية من التحالف إلى إعادة تعريف قواعد الشراكة

متغيّرات

تدخل العلاقة الأميركية–الإسرائيلية مرحلة مختلفة من تطورها التاريخي، لا يمكن توصيفها بدقة باعتبارها مرحلة قطيعة أو تفكك للتحالف، كما لا يصح اختزالها في استمرار الوضع التقليدي نفسه. فالمعطيات التي تعرضها الدراسات والمقالات محل البحث تكشف عن مفارقة أساسية، فالبنية الاستراتيجية للتحالف ما تزال قوية ومؤسسية، لكن البيئة السياسية التي كانت تجعل هذا التحالف يبدو غير قابل للنقاش بدأت تتغير بصورة واضحة.

لقد تأسست العلاقة الأميركية–الإسرائيلية على مجموعة من المصالح المتداخلة، في مقدمتها اعتبار أمن الكيان الصهيوني جزءًا من الحسابات الاستراتيجية الأميركية، والحفاظ على تفوقه العسكري النوعي في المنطقة، وتطوير التعاون الدفاعي والتكنولوجي والاستخباري. ويظهر ذلك بوضوح في طبيعة المساعدات الأميركية، وفي انتقال التعاون من مجرد تمويل عسكري إلى شراكة دفاعية مؤسسية تشمل الدفاع الصاروخي، والذكاء الاصطناعي العسكري، والطائرات المسيّرة، والأمن السيبراني ومكافحة الأنفاق. وتؤكد الدراسات أن الولايات المتحدة تنظر إلى الحفاظ على «التفوق العسكري النوعي» للكيان باعتباره جزءًا من أمنها القومي.

لكن هذا الثبات الاستراتيجي يترافق مع متغيرات سياسية متصاعدة داخل الولايات المتحدة. فقد بدأت قضية الدعم للكيان الصهيوني تنتقل تدريجيًا من كونها مسألة شبه محسومة داخل الحزبين إلى موضوع قابل للنقاش السياسي والانتخابي والتشريعي. وفي الوقت الذي لا تزال فيه الأغلبية الساحقة داخل الكونغرس تؤيد استمرار الدعم الدفاعي للكيان، فإن ظهور أصوات تطالب بوضع شروط على المساعدات أو ربطها بالقانون الدولي وحقوق الإنسان، إلى جانب تصاعد الاعتراض على الحروب الخارجية، يكشف عن تغير مهم في طبيعة النقاش حتى وإن لم يؤد بعد إلى تغير جذري في جوهر السياسة.

وتكتسب هذه التحولات أهمية أكبر مع انتقال العلاقة الأميركية–الإسرائيلية من نطاق الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي إلى نطاق الحرب المباشرة مع إيران. فهنا لم يعد السؤال الأميركي مقتصرًا على كيفية حماية “إسرائيل“، وإنما أصبح أكثر تعقيدًا بسؤال أكثر اهمية وهو، إلى أي مدى يمكن للولايات المتحدة أن تتحمل تكلفة استراتيجية وعسكرية وسياسية لحماية الكيان الصهيوني إذا تعارضت أولويات الحكومة الإسرائيلية مع المصالح الأميركية المباشرة؟

ومن هنا تنطلق هذه القراءة من فرضية مركزية مفادها أن العلاقة الأميركية–الإسرائيلية لا تتجه في المدى المنظور إلى الانفصال، وإنما إلى إعادة تعريف قواعد التحالف وإدارة التباينات داخله. فالتحول المحتمل ليس من التحالف إلى القطيعة، بل من تحالف يقوم على قدر كبير من التطابق السياسي إلى تحالف يسمح بقدر أكبر من الاختلاف حول الوسائل والأهداف والتكاليف.

واستنادًا إلى القراءة المفصلة المرفقة أدناه، يمكن صياغة التقدير الاستشرافي المركزي على النحو الآتي: العلاقة الأميركية–الإسرائيلية لا تتجه إلى الانهيار، وإنما إلى التحول من تحالف يقوم على درجة عالية من الإجماع السياسي إلى تحالف يقوم بصورة متزايدة على إدارة الخلافات.

وهذا التحول له أربعة أبعاد رئيسية:

أولًا – استراتيجيًا: سيبقى” أمن إسرائيل” والتفوق العسكري النوعي جزءًا ثابتًا من السياسة الأميركية.

ثانيًا – سياسيًا: يتراجع تدريجيًا مفهوم الدعم غير المشروط، ويزداد النقاش حول وضع شروط على المساعدات.

ثالثًا – داخليًا: أصبح الكيان الصهيوني موضوعًا أكثر حضورًا في الصراع الحزبي والانتخابي الأميركي، مع صعود تيار تقدمي داخل الحزب الديمقراطي وتيار غير تدخلي داخل الحزب الجمهوري.

رابعًا – عسكريًا: تمثل إيران نقطة الاختبار الحقيقية؛ لأنها تنقل العلاقة من دعم الكيان الصهيوني إلى احتمال مشاركة الولايات المتحدة في حرب واسعة قد لا تتطابق أهدافها بالكامل مع أهداف الحكومة الإسرائيلية.

ومن ثم فإن المتغير الأكثر أهمية في المرحلة المقبلة لن يكون حجم الدعم الأميركي للكيان الصهيوني بحد ذاته، وإنما قدرة واشنطن على الفصل بين الالتزام بأمن “إسرائيل” وبين الالتزام بكل الخيارات الاستراتيجية للحكومة الإسرائيلية.

إذا نجحت واشنطن في هذا الفصل، فسوف نشهد تحالفًا أكثر براغماتية وأقل أيديولوجية. أما إذا فشلت، واستمر الكيان الصهيوني في دفع الولايات المتحدة نحو حروب طويلة تتعارض مع أولوياتها، فقد تنتقل العلاقة إلى مرحلة من التوتر الاستراتيجي غير المسبوق، من دون أن يعني ذلك بالضرورة نهاية التحالف.

وعليه، يمكن اختزال اتجاه العلاقة في المعادلة التالية:

ثبات التحالف الأمني + تراجع الإجماع السياسي + تصاعد الكلفة الانتخابية + تنامي الرقابة التشريعية + اتساع الخلاف حول إيران = إعادة تعريف قواعد العلاقة الأميركية–الإسرائيلية.

وعليه، فإن التحول الذي ينبغي مراقبته ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة ستتخلى عن الكيان الصهيوني، فهذا الاحتمال لا تدعمه المعطيات الحالية. إنّما التحول الأهم هو أن الكيان الصهيوني لم يعد قادرا بالدرجة نفسها على افتراض أن كل احتياجاته الأمنية والسياسية ستتحول تلقائيًا إلى أولويات أميركية، وأن كل حكومة إسرائيلية تستطيع أن تحظى بالدعم الأميركي نفسه بصرف النظر عن خياراتها.

وبالمقابل، فإن القوى الأميركية التي تطالب بتغيير العلاقة لم تصل بعد إلى امتلاك القوة المؤسسية اللازمة لإحداث قطيعة أو تغيير جذري؛ وهو ما تؤكده الدراسات التي ترى أن نفوذ المؤيدين للكيان الصهيوني داخل الكونغرس ما يزال قويًا، رغم تراجع احتكارهم للنقاش وظهور أصوات أكثر قوة تطالب بالشروط والقيود.

لذلك، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا ليس “نهاية التحالف”، وإنما “نهاية بعض قواعده القديمة” والقاعدة الجديدة التي قد تتبلور تدريجيًا هي: الولايات المتحدة ستستمر في حماية الكيان، لكنها ستسعى بصورة متزايدة إلى حماية مصالحها هي أيضًا من الكيان.

وهذه، في التقدير الاستشرافي، هي نقطة التحول الأعمق في مستقبل العلاقة.

لتحميل الدراسة من هنا


المصدر الأصلي: alkhanadeq.com

wakalanews.com — متابعة الخبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى