عين على العدو

مفهوم العدو في عصر الشبكات والمنصات العابرة للحدود

مفهوم العدو في عصر الشبكات والمنصات العابرة للحدود

 


لم يعد «العدو» بالضرورة كيانًا يرتبط بحدود جغرافية واضحة أو جيش نظامي يتحرك على خطوط التماس التقليدية. ففي البيئة الرقمية، قد يتخذ التهديد شكل شبكات من البيانات والخوارزميات والمنصات وأدوات التأثير العابرة للحدود، بما يجعل تحديد مصدره وقياس أثره والاستجابة له أكثر تعقيدًا.

إن التحول الأساسي لا يكمن في اختفاء التهديدات التقليدية، بل في اتساع المجال الذي تُمارَس فيه القوة، وتداخل الأدوات العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والمعرفية في تشكيل موازين التأثير.

🔹 تحولات مفصلية في طبيعة الصراع

1. من الجغرافيا إلى البيانات: لم تعد القوة تُقاس بالموارد المادية والقدرات العسكرية وحدها؛ إذ أصبحت السيطرة على البنية التحتية الرقمية والقدرة على جمع البيانات وتحليلها وتوظيفها عوامل مؤثرة في حسابات القوة. وتساعد مقاربة جوزيف ناي للقوة السيبرانية على فهم كيف أصبح الفضاء الرقمي مجالًا جديدًا لممارسة النفوذ والتنافس الاستراتيجي.

2. من الجيوش المرئية إلى الشبكات العابرة للحدود: لم تعد الدول وحدها قادرة على تشكيل البيئة الاستراتيجية؛ فالمنصات الرقمية والشركات التكنولوجية وشبكات الفاعلين من غير الدول أصبحت تؤثر بدرجات متفاوتة في تدفق المعلومات وتوجيه الاهتمام العام. ويتيح تصور مانويل كاستلز حول «مجتمع الشبكات» فهم العلاقة بين التحكم في تدفقات المعلومات وممارسة السلطة.

3. من استهداف القدرات إلى التأثير في الإدراك: لم يعد الصراع يستهدف البنية التحتية والقدرات المادية فحسب، بل قد يمتد إلى تشكيل تصورات الجمهور، والتأثير في الثقة بالمؤسسات، وتوجيه النقاش العام، والتشويش على عملية صنع القرار. وهنا تبرز عمليات التأثير والتضليل والتلاعب بالمعلومات بوصفها أدوات يمكن توظيفها ضمن استراتيجيات أوسع للصراع.

🔹 ملامح «التهديد الشبكي»

لا يعني التهديد الشبكي بالضرورة وجود عدو واحد أو جهة مركزية تتحكم في جميع عناصره؛ فقد ينشأ عن فاعل معادٍ، أو شبكة من الجهات المتعاونة، أو استغلال نقاط الضعف في البنية التحتية الرقمية، أو الاعتماد المفرط على منصات وتقنيات خارجية.

_ ويمكن تمييز أبرز ملامحه في ثلاثة أبعاد:

1. صعوبة الإسناد: قد يصعب تحديد الجهة المسؤولة عن الهجوم أو حملة التأثير، والتمييز بين الفاعل المباشر والجهات التي توفر له الدعم أو البنية التقنية.
2. تجاوز الحدود الإقليمية: تسمح الشبكات الرقمية بامتداد آثار النشاط الواحد إلى دول ومجتمعات متعددة، بما يعقّد الاستجابة القانونية والأمنية ويختبر فعالية أدوات الردع التقليدية.
3. استهداف البيئة الإدراكية: قد تسعى بعض العمليات إلى تعميق الاستقطاب، وإضعاف الثقة العامة، أو التأثير في تقدير المخاطر والخيارات المتاحة أمام صانع القرار.

وتكمن الأهمية الاستراتيجية لهذه التحولات في أن امتلاك البيانات لا يعني بالضرورة امتلاك القوة؛ فالقوة تتوقف أيضًا على القدرة على التحكم في تدفق المعلومات، وتفسيرها، وتحويلها إلى قرارات ونتائج سياسية ملموسة. وقد تمتلك دولة موارد رقمية كبيرة، لكنها تعجز عن تحويلها إلى نفوذ فعلي إذا افتقرت إلى الخبرة المؤسسية والاستقلال التكنولوجي والقدرة على اتخاذ القرار.

🔹 الترابط الرقمي: مصدر للقوة ومكمن للهشاشة

تساعد مقاربة الاعتماد المتبادل المعقّد لدى روبرت كيوهان وجوزيف ناي على تفسير هذه المفارقة؛ فالشبكات الرقمية التي تتيح التعاون وتبادل المنافع قد تنشئ، في الوقت نفسه، أشكالًا جديدة من التبعية. وكلما ازداد اعتماد الدولة على بنى تحتية أو منصات أو خدمات رقمية لا تملك التحكم الكافي فيها، ازدادت احتمالات تعرضها للضغط أو التعطيل أو التأثير الخارجي.

لذلك، لا تتحدد المكانة الاستراتيجية للدول بمجرد حضورها في الفضاء الرقمي، بل بمدى قدرتها على إدارة هذا الترابط، وتنويع مصادرها التكنولوجية، وتقليص مواطن الهشاشة، وتحويل الاعتماد المتبادل إلى مصدر للمنفعة بدل أن يصبح أداة للضغط.

الخلاصة:

في عصر الشبكات، لا يكفي أن تسأل الدولة: من هو عدوي؟ بل ينبغي أن تبحث أيضًا عن مصادر التهديد، ومسارات انتقاله، ونقاط الضعف التي يستغلها، والجهات القادرة على تحويل المعلومات إلى نفوذ وتأثير في القرار.

ولا يعني ذلك أن السيادة الإقليمية فقدت أهميتها، بل إن حمايتها أصبحت مرتبطة أيضًا بأبعاد رقمية ومعرفية. فالأمن الاستراتيجي يتطلب حماية البنية التحتية، وتعزيز الاستقلال التكنولوجي، وتطوير القدرة على تحليل المعلومات، إلى جانب ترسيخ التفكير النقدي والتربية الإعلامية والتحقق من المصادر. فالهدف ليس تحصين المجتمع من كل تأثير خارجي، وهو أمر غير واقعي، بل تمكينه من التمييز بين المعلومات الموثوقة ومحاولات التلاعب، والحفاظ على استقلال قراره.

_ سؤال للنقاش:
في عالم أصبحت فيه البيانات وتدفقات المعلومات أدوات للقوة والنفوذ، هل ستُقاس سيادة الدول مستقبلًا بقدرتها على حماية حدودها فقط، أم أيضًا بقدرتها على التحكم في نقاط ضعفها الرقمية وصون استقلال قراراتها؟

✍️ برحايل حمزة | باحث في العلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية


https://www.facebook.com/wakalanewsPage

https://www.facebook.com/groups/WakalanewsGroup/

https://x.com/wakalanews_

https://t.me/wakalanewsOfficial

https://www.instagram.com/wakalanews?stkn=MTh1cWwyN2ZhOHAxcA==

wakalanews.com — متابعة الخبر
بقلم:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى