طهران تستعد للحرب ونتنياهو يستعجلها.. هل دخلت المنطقة مرحلة العدّ التنازلي؟

لم يعد المشهد الإيراني “الإسرائيلي”–الأمريكي يُقرأ من زاوية التصريحات والتهديدات المتبادلة فحسب، بل من زاوية الوثائق والتقارير الاستخبارية التي باتت تتحدث بلغة العمليات لا بلغة الردع. ما كشفته “نيويورك تايمز” و”وول ستريت جورنال” و”فايننشال تايمز” خلال الأيام الماضية لم يعد فقط تسريبات صحافية هامشية، بل خريطة طريق مكتملة الأركان لحرب محتملة، تتقاطع فيها الخطط العسكرية الأمريكية و”الإسرائيلية” مع حسابات سياسية داخلية، وتتقاطع فيها الاستعدادات الإيرانية مع قناعة متزايدة في طهران بأن الهدف النهائي ليس البرنامج النووي، بل إسقاط النظام نفسه. السؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل نحن أمام حرب نفسية تُدار عبر الإعلام، أم أن المنطقة تقف فعلاً على حافة مواجهة أوسع، والعدّ التنازلي قد بدأ فعلياً؟
طهران: من الردع إلى يقين المواجهة
المفارقة الكبرى في المشهد الإيراني أن طهران لم تعد تتحدث بلغة “الردّ المناسب” أو “الردع المتوازن”، بل بلغة “الرد بلا قيود” و”بلا سقف”. ما نقله المصدر المطلع لقناة “بريس تي في” الإيرانية الناطقة بالإنجليزية ليس تصريحاً هامشية، بل رسالة استراتيجية موجهة إلى واشنطن وتل أبيب معاً: أي اعتداء أو عملية اغتيال ستُقابل بردّ من دون ضبط نفس، وضرب مصالح المعتدين وداعميهم بأقصى درجات القوة. والحرس الثوري، في خطابه الرسمي، لم يكتف بذلك، بل أعلن امتلاك قدرات لم تدخل ساحة المواجهة بعد، وأوراق قوة لم تستخدم حتى الآن.
هذه اللغة ليست جديدة في التصعيد الإيراني، لكن الجديد هو السياق الذي تُقال فيه: سبعة شروط إيرانية مطروحة على الطاولة، وربط صريح بين فتح مضيق هرمز والمسار التفاوضي، ورفض قاطع لفكرة “الضربة القصيرة” التي تُنهي الحرب في 72 ساعة كما يتصور المخططون الأمريكيون. مهدي محمدي، المستشار البارز للمفاوض الإيراني محمد باقر قاليباف، وصف هذا التصور بـ”الخيال”، مؤكداً أن إيران هي التي ستحدد موعد انتهاء الحرب، وأن الهجمات المقبلة ستكون أشد وأكثر ابتكاراً. هذا ليس تفاوضاً، بل إعلان استعداد لمواجهة طويلة.
والأهم من ذلك، أن طهران لم تعد تكتفي بالتهديد العسكري التقليدي، بل وسّعت بنك أهدافها ليشمل مراكز البيانات وكابلات الإنترنت البحرية والسفن التجارية والبنية التحتية للطاقة. سبعة كابلات إنترنت مهمة تمر تحت مياه مضيق هرمز، وإيران تعلن صراحة أنها ستستهدفها إذا ما تعرضت بنيتها التحتية لأي ضرر. هذه ليست تهديدات هامشية، بل رسالة بأن الحرب القادمة لن تكون حرباً عسكرية فقط، بل حرباً اقتصادية ورقمية شاملة تطال الاقتصاد العالمي بأسره.
نتنياهو: الحرب كطوق نجاة سياسي
في “تل أبيب”، تتقاطع الحسابات العسكرية مع حسابات سياسية أكثر تعقيداً. فنتنياهو، الذي يترنح في استطلاعات الرأي قبل انتخابات الكنيست المقررة في السابع والعشرين من أكتوبر، يجد في الحرب ضد إيران طوق نجاة محتملاً. “فايننشال تايمز” كشفت عن ثلاثة مصادر تؤكد أن نتنياهو دفع باتجاه شن عدوان عسكري على إيران في العاشر من أكتوبر، لكن ترامب رفض ذلك. و”وول ستريت جورنال” أكدت أن “إسرائيل” أعدّت مطلع أكتوبر خطة لقصف إيران على مدى عدة أيام، تستهدف منشآت مدنية ونووية وأهدافاً مرتبطة بالنظام، لكن الخطة لم تُنفذ بعد معارضة ترامب استئناف الحرب قبل انتخابات الثالث من نوفمبر.
المنطق هنا واضح: نتنياهو يحتاج إلى حرب تُؤجل الانتخابات أو تُعيد ترتيب المشهد السياسي الداخلي لصالحه. المحللة السياسية مزال معلم، مؤلفة سيرة نتنياهو، تشير إلى أن الدعوة إلى حكومة طوارئ واسعة خيار متاح له، لكنه سيواجه شكوكاً كبيرة من خصومه. والأهم من ذلك، أن شن حرب هجومية سيكون أصعب عليه من التعامل مع هجوم إيراني يبدأ أولاً. وهنا تكمن المفارقة: نتنياهو لا يريد حرباً إيرانية فحسب، بل يريدها أن تبدو وكأنها ردّ إيراني على استفزاز “إسرائيلي”، ليُعيد ترتيب أوراقه الداخلية تحت ذريعة “الطوارئ الوطنية”.
واشنطن: بين استكمال الحشد وترامب المتردد
على الجانب الأمريكي، المشهد أكثر تعقيداً. فالبنتاغون يجهّز مجموعة من الخيارات لمهاجمة إيران، مع تعزيزات بحرية وجوية واسعة: مجموعتان قتاليتان لحاملات الطائرات في المنطقة، ومجموعة ثالثة تتحرك من المحيط الهادئ، وسفينة هجومية برمائية إضافية تحمل قوات من مشاة البحرية، ونحو عشرين سفينة حربية قد يرتفع عددها إلى أكثر من أربع وعشرين. الحشد العسكري سيكتمل بحلول مطلع نوفمبر، وسيضم ثلاث حاملات طائرات وآلافاً من مشاة البحرية ومقاتلات وقوات عمليات خاصة. هذه ليست تعزيزات ردع، بل استعدادات حرب.
لكن ترامب، الذي يقف على بعد أسابيع من انتخابات التجديد النصفي، يتردد. “نيويورك تايمز” كشفت أنه رفض خلال العام الحالي عدة خطط لاستئناف العمليات العسكرية الكبرى، وليس خطة أكتوبر وحدها. قائد عسكري أمريكي نقل عنه أن “التكرار المستمر للتحضير للهجوم ثم إلغائه أحدث حالة من التقلب والارتباك اليومي لدى المخططين العسكريين”. وترامب نفسه يدرك أن حرباً ضد إيران قد تكون مدمرة للحزب الجمهوري في الانتخابات، وخاصة إذا ارتفعت أسعار البنزين داخل الولايات المتحدة، وهو ما يفسر استبعاد مصافي النفط والبنية التحتية النفطية من بنك الأهداف في بعض السيناريوهات.
لكن هذا لا يلغي أن قرار الحرب موجود، وأن ما قام به ترامب هو تأجيله لا إلغاؤه. والفرق بين التأجيل والإلغاء هو الفرق بين انتظار اللحظة المناسبة وانتظار الظرف السياسي المناسب. وكلاهما قد يتغير في أي لحظة.
إيران: قدرات لم تدخل المعركة بعد ومنطق حرب جديد
في مقابل القراءات الأمريكية التي تختزل القدرات الإيرانية في خانة الردع التقليدي، يكشف الموقف الرسمي الإيراني عن بنية عسكرية واستراتيجية أكثر تعقيداً مما تتصور واشنطن. فالحرس الثوري أعلن صراحة امتلاكه قدرات لم تدخل ساحة المواجهة بعد، وأوراق قوة لم تستخدم حتى الآن، وهو ما يعني أن أي حساب أمريكي–”إسرائيلي” للحرب المقبلة يستند إلى معطيات المرحلة السابقة سيكون حساباً خاطئاً. وقد تطوّرت القدرات الصاروخية الإيرانية ليس من ناحية العدد فحسب، بل من ناحية التكنولوجيا أيضاً، حتى تراجع العدو أكثر من خمسمئة كيلومتر من بحر عمان والخليج، وتضررت قواعده في المنطقة، وأصبحت القوات الإيرانية قادرة على تهديد سفنه بالصواريخ.
والأخطر من ذلك، أن طهران وسّعت بنك أهدافها الاستراتيجي ليشمل مراكز البيانات وكابلات الإنترنت البحرية والسفن التجارية والبنية التحتية للطاقة، وأعلنت أن سبعة كابلات إنترنت مهمة تمر تحت مياه مضيق هرمز باتت في مرمى قوتها إذا ما تعرضت بنيتها التحتية لأي ضرر. هذه ليست تهديدات هامشية، بل إعادة تعريف كاملة لطبيعة الحرب القادمة: حرب اقتصادية ورقمية شاملة لا تقتصر على المنشآت العسكرية، بل تطال الاقتصاد العالمي بأسره. وإيران، التي أثبتت قدرتها على تحمل الضغوط الاقتصادية والحصار البحري والعقوبات، ترفض منطق “الضربة القصيرة” الذي يروّج له المخططون الأمريكيون. كما يؤكد مهدي محمدي “أن إيران هي التي ستحدد موعد انتهاء الحرب، وأن الهجمات المقبلة ستكون أشد وأكثر ابتكاراً واختلافاً عن السابق، وأن خططاً قوية أُعدت بالفعل. فمن يتوهم أنه يشن حرباً قصيرة ضد طهران، عليه أن يقرأ جيداً ما تقوله طهران: الحرب ستبدأ حين تريدون، لكنها ستنتهي حين نريد نحن”.
الحسابات الخليجية: الحرب التي لا يريدها أحد
في خضم هذا التصعيد، تقف دول الخليج في موقع الحرجة. التقارير الإيرانية تتحدث صراحة عن أن الحرب إذا ما بدأت فإن “الممالك في الكويت والسعودية وقطر والبحرين والإمارات كلهم ينبغي أن يغادروا”، لأن هذه الأنظمة “ضالعة في الحرب ضد الشعب الإيراني” من خلال استضافة القواعد الأمريكية وتزويد الطائرات بالوقود. هذه لغة تصعيدية غير مسبوقة، تعكس قناعة إيرانية بأن الحسابات الخليجية لم تعد محصنة ضد التداعيات.
والواقع أن دول الخليج تواجه بالفعل انكماشاً اقتصادياً وأزمة متصاعدة، وإعادة الحرب لن تكون مدمرة للجانب الأمريكي فقط، بل للحلفاء العرب أيضاً. واشنطن نفسها أمرت يوم الأربعاء الموظفين الحكوميين غير الأساسيين وأفراد عائلاتهم بمغادرة السعودية، مع استمرار الهجمات اليمنية على منشآت داخل المملكة. هذه الخطوة تعكس قلقاً أمريكياً حقيقياً من أن استئناف الضربات ضد إيران قد يؤدي إلى حرب إقليمية أوسع تتعرض خلالها القواعد الأمريكية والمنشآت الاقتصادية الخليجية لهجمات جديدة.
المسار الدبلوماسي: وساطات تحت النار
في الوقت الذي تستعد فيه الآلة العسكرية للحرب، يتحرك الوسطاء بسرعة غير مسبوقة. قائد الجيش الباكستاني عاصم منير زار طهران يوم الثلاثاء العشرين من أكتوبر، أعقبته زيارة وفد دبلوماسي قطري. الهدف: منع استئناف الحرب بعد أشهر من تعثر المفاوضات الأمريكية–الإيرانية. واشنطن تتمسك بإدراج البرنامج النووي في المفاوضات، بينما تريد طهران حصر المحادثات في إعادة فتح مضيق هرمز. الوسطاء طرحوا مقترحات للإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج مقابل تنازلات نووية، بينها السماح بعودة المفتشين الدوليين ونقل مخزون اليورانيوم الإيراني المخصب إلى روسيا.
لكن هذه الوساطات تصطدم بعقبتين: الأولى، أن القيادة الإيرانية تمسكت بموقفها المبدئي الذي يرفض ربط عودة المفتشين بأي إطار جزئي أو منفصل عن التنفيذ الكامل لمذكرة التفاهم، وأصرّت على أن أي خطوة في هذا الاتجاه يجب أن تأتي ضمن صفقة شاملة تضمن رفع العقوبات عملياً لا وعوداً، وهو ما اعتبرته واشنطن “عرقلة” في حين أنه في جوهره تمسك إيراني بالحد الأدنى من الضمانات السيادية. والثانية، أن رسالة الوسطاء التي ربطت تجنب الهجمات الأمريكية بضرورة الدخول في مفاوضات جدية أثارت غضب مسؤولين إيرانيين. والأهم من ذلك، أن إيران أبلغت الوسطاء بأن أي جولة جديدة من الحرب ستكون مكلفة، وستشمل استهداف البنية التحتية للطاقة والأصول الاقتصادية في دول الخليج، إضافة إلى القواعد العسكرية الأمريكية. هذه ليست لغة من يريد التفاوض، بل لغة من يستعد للمواجهة ويضع سقفاً عالياً لأي تسوية.
العدّ التنازلي بدأ… لكن وجهته غير محددة
المشهد برمته يقول إننا لم نعد أمام حرب نفسية فقط، بل أمام استعدادات عملية لحرب حقيقية. الحشد العسكري الأمريكي سيكتمل بحلول مطلع نوفمبر، والليل فوق إيران سيطول في ذلك الوقت، ما يوفر ظرفاً زمنياً إضافياً للضربات. “إسرائيل” تواصل تحديث بنك أهدافها. إيران توسّع أهدافها لتشمل البنية الرقمية والاقتصادية. الوسطاء يتحركون تحت النار. وترامب يتردد بين حسابات الانتخابات والحسابات الاستراتيجية.
لكن السؤال الأهم ليس متى تبدأ الحرب، بل من سيدفع ثمنها أولاً. إيران تقول إنها لن تتراجع، و”إسرائيل” تقول إنها لن تنتظر، وأمريكا تقول إنها لن تسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي. هذه الخطوط الثلاثة متوازية لا متقاطعة، والاصطدام بينها مسألة وقت لا أكثر. والعدّ التنازلي، إذا كان قد بدأ فعلاً، فلن يكون عدّاً تنازلياً نحو حرب محدودة، بل نحو مرحلة جديدة تعيد رسم خريطة القوة في المنطقة برمتها. والسؤال الذي يبقى: هل يملك المعتدون في واشنطن وتل أبيب خطة لما بعد الحرب التي يخططون لها، أم أنهم يستعدون لبدئها دون أن يستعدوا لنتائجها؟ أما طهران، فقد أعلنت صراحة أنها تستعد لكل الاحتمالات، وأنها هي من سيحدد موعد انتهاء أي مواجهة، لا من يشنّها.
تنويه من موقع “wakalanews”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.





