صحافة

جماعات الضغط الإسرائيلية في الصين: اختراق هادئ من بوابة الجامعات

لا تقتصر المعركة على فلسطين في ميادين القتال وحدها، بل تمتد إلى العواصم التي تُصاغ فيها موازين القوى الدولية. وفي الوقت الذي ينظر فيه العرب إلى الصين بوصفها قوة صاعدة أقرب إلى مطالبهم من الغرب، يعمل الكيان الإسرائيلي بهدوء ودأب على اختراق هذه البيئة من بوابات غير تقليدية: الجامعات، ومراكز الأبحاث، والنخب الأكاديمية، والجيل الشاب المرشح لقيادة البلاد. فهو يدرك أن الموقف الصيني ليس ثابتاً بالضرورة، وأن ما يُزرع اليوم في قاعات الدرس قد يُحصد غداً في دوائر القرار.

في هذا السياق، تتناول الدراسة، الصادرة عن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات في تشرين الأول/ أكتوبر 2026 للدكتور وليد عبد الحي، ظاهرة جماعات الضغط الإسرائيلية في الصين، وتنطلق من تمييز مفاهيمي بين جماعة المصالح وجماعة الضغط واللوبي، لتخلص إلى اعتماد مفهوم “جماعات الضغط” في توصيف التنظيمات الإسرائيلية–اليهودية–الصهيونية التي تسعى إلى التأثير في السياسة الصينية تجاه الصراع العربي الصهيوني عبر فتح قنوات مع السلطة والنخب والمجتمع.

وتعرض الدراسة الخلفية التاريخية للعلاقة، فتبيّن أن الترابط بين الصين والصهيونية سابق على قيام الكيان الإسرائيلي وعلى قيام جمهورية الصين الشعبية، مستشهدةً برسالة صن يات صن سنة 1920 إلى مؤسس جمعية شنغهاي الصهيونية. وتوضح أن هذه الصورة الملتبسة عن الصهيونية استمرت حتى بدايات عهد ماوتسي تونغ، قبل أن ينقلب الموقف الصيني جذرياً بعد مؤتمر عدم الانحياز سنة 1955 واللقاء بعبد الناصر، ثم يعود إلى البراجماتية بعد 1976، وصولاً إلى إقامة العلاقات الديبلوماسية سنة 1992. وتشير كذلك إلى أن الجالية اليهودية في الصين تراجعت إلى نحو 2,500 شخص فقط، بما يعني أن النفوذ لا يستند إلى وزن ديموغرافي بل إلى عمل مؤسسي منظم.

وتركّز الدراسة على مجموعة “سيجنال” (SIGNAL) بوصفها الأداة الأبرز، فتبيّن أنها تأسست سنة 2011 ونظّمت أكثر من ألف فعالية، وأنها تعمل على إدخال برامج الدراسات الإسرائيلية إلى الجامعات الصينية، وتأهيل أكثر من 75 محاضراً صينياً لتدريس مساقات عن “إسرائيل”، حتى بات أكثر من ألفي طالب صيني يلتحقون سنوياً بهذه المساقات. وتضيف أن المجموعة تعقد مؤتمرات سنوية منذ 2016، وأطلقت برنامج زمالة جودمان سنة 2023 لتأهيل موظفين إسرائيليين معنيين بالملف الصيني، وتطرح “مبادرة إسرائيل العالمية” لتوسيع الحضور الإسرائيلي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

وتتوقف الدراسة عند مسار ثانٍ هو التغلغل عبر المنشورات والمعاهد الأكاديمية، فترصد ترويج ظاهرة “الإعجاب بالنموذج اليهودي” في الأدبيات الصينية، القائمة على سردية الذكاء اليهودي والتفوق التكنولوجي، بهدف إخراج صورة “إسرائيل” من إطار الصراع إلى إطار النموذج الجاذب. وتسمّي في هذا السياق مراكز في جامعات نانجينج وشاندونج وخنان، وأكاديميين صينيين مثل تشو تشين وفو يودة وهوانج رينوي، إضافة إلى الشراكات الجامعية كفرع التخنيون في جوانجدونج. وتشير أيضاً إلى منظمات أخرى مثل “قف معنا” والمركز الإسرائيلي الآسيوي واللجنة اليهودية الأمريكية، التي تستهدف خصوصاً الشباب والجامعات.

وتلفت الدراسة إلى أن هذا النشاط ليس دعاية من طرف واحد، إذ تلتقي معه مصلحة صينية في التقنية الإسرائيلية وفي تنويع العلاقات الإقليمية ضمن مشروع طريق الحرير البحري.

وتبحث الدراسة أثر طوفان الأقصى على هذه المؤسسات، فتبيّن أن رفض بكين إدانة المقاومة الفلسطينية أحدث فتوراً ديبلوماسياً مع تل أبيب، ودفع “سيجنال” إلى تحويل تركيزها نحو قوى أخرى في المحيطين الهندي والهادئ كالهند، وإلى تحويل مؤتمراتها من الاحتفاء بالتبادل الثنائي إلى تحليل تقارب الصين مع إيران وروسيا، مع الإبقاء على قنوات التواصل غير الرسمية.

وتخلص الدراسة إلى أن الديبلوماسية الإسرائيلية لم تنصرف عن البيئة الصينية رغم بُعد المسافة السياسية، بل تعمل على التسلل الهادئ إليها. وتدعو في المقابل الديبلوماسية العربية والفلسطينية إلى تفعيل آلياتها عبر ثلاثة مداخل: التواصل مع القطاع الأكبر في السلطة الصينية الأقرب إلى المطالب الفلسطينية، والاستعانة بمسلمي الإيجور جسراً للتواصل مع الحذر من التدخل في الشأن الداخلي الصيني، وتعزيز البيئة الشعبية الصينية الداعمة لفلسطين عبر هيئات منظمة ودائمة.

لتحميل الدراسة من هنا


المصدر الأصلي: alkhanadeq.com

wakalanews.com — متابعة الخبر
المصدر:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى