ترامب يصل إلى نبراسكا في ذروة اليأس والانفلات

ترامب يصل
يرى تيد ويدمر، كاتب خطابات سابق في البيت الأبيض، في مقال له نشرته صحيفة الغارديان وترجمه موقع الخنادق الإلكتروني؛ أن حديث ترامب عن احتمال تدمير إيران للوس أنجلوس أو سان دييغو يكشف خطاباً سياسياً منفصلاً عن الحقائق وغير مسؤول في التعامل مع التهديد النووي.
ويشير إلى أن إيران لا تمتلك سلاحاً نووياً حالياً، ما يجعل هذا السيناريو غير واقعي.
ويعتبر أن لجوء ترامب إلى التهديدات والمبالغة بشأن إيران يعكس، انتقال اليأس السياسي الداخلي إلى خطاب خارجي أكثر تهوراً. ويقول الكاتب أيضا، لقد سمعنا مراراً أن البرنامج النووي الإيراني «دُمّر بالكامل». لكن إذا كان الأمر كذلك، فلماذا ما زلنا في حالة حرب؟
النص المترجم:
كان دونالد ترامب في ولاية نبراسكا يوم الاثنين، وفيما حمل خطابه الطويل في تجمع انتخابي الكثير من عناصر الاستعراض، فإنه لم يكن مجرد عرض سياسي. فقدّم الرئيس مجدداً تأملاً قاتماً في عالم يتجه نحو الفوضى، حيث أصبح تدمير المدن الأميركية احتمالاً متزايداً، ما لم يثق الأميركيون به وباستخدامه السلطات الهائلة التي يمنحها منصب الرئاسة للقضاء على خصومه.
أثار الرئيس غضباً عندما أشار إلى أن إيران قد تشن هجوماً نووياً و«تُخرج لوس أنجلوس أو سان دييغو من الخدمة». وردّ قادة كاليفورنيا بسخرية على ما وصفوه بتهويل ترامب.
ووصف حاكم كاليفورنيا غافين نيوسوم ترامب بأنه «مضطرب وخطير»، فيما اعترضت رئيسة بلدية لوس أنجلوس كارين باس ورئيس بلدية سان دييغو تود غلوريا بشدة على تعريض مدينتيهما للخطر، حتى لو كان ذلك في خيال ترامب المضطرب.
ربما لم تكن المشكلة الأسوأ في خطاب ترامب، رغم كل ما تضمنه، أنه تخيّل بصورة صريحة سيناريو كارثياً على ساحل المحيط الهادئ، وإنما أن حديثه كان منفصلاً إلى درجة كبيرة عن الحقائق.
من الخطير بطبيعته أن يعجز زعيم دولة عن الإدلاء بتصريحات دقيقة يمكن الوثوق بها، ويصبح الأمر أكثر إثارة للقلق عندما تكون الدولة المعنية هي الولايات المتحدة، التي تولت منذ عام 1945 دور المدافع عن النظام الدولي القائم على القواعد.
أولاً، الادعاء نفسه. عند قراءة كلام ترامب في سياقه الكامل، يصعب فهم ما كان يقصده. بدا الأمر وكأنه انتقال عشوائي من فكرة إلى أخرى، وهو الأسلوب الذي يطلق عليه ترامب «النسج»، أي الانتقال بين أفكار غير مكتملة كما لو كان مهرجاً في حلبة روديو يحاول الحفاظ على توازنه فوق حصان هائج.
قال ترامب: «كامالا سرقت الكثير من الأشياء التي لم تنجح بشكل جيد. لكنني أريد، أريد أن أرى، أريد أن أرى انتصاراً هائلاً. أنتم تريدون رؤية انتصار هائل، لأن ذلك يؤكد كل الأشياء التي فعلناها. ومرة أخرى، تذكروا، مع الكلمة، إنها اصطناعية فقط، إنها مرتفعة قليلاً. إنها ثمن صغير ندفعه للحفاظ على سلامة العالم، والحفاظ على سلامة بلدنا.
يمكنهم تدمير مدينة. دعوهم يدمرون لوس أنجلوس. دعوهم يدمرون سان دييغو. هذا ثمن صغير جداً، وسينتهي الأمر قريباً جداً. لقد انتهى الأمر تقريباً».
إذا كان ترامب يتحدث عن الحرب عندما قال إنها «تكاد تنتهي»، فهو مخطئ بالتأكيد، إذ تدخل الحرب شهرها الثامن من دون أي مؤشر إلى نهايتها. أما إذا كان يقصد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، فهو محق في أنها ستنتهي قريباً، لكن ليس لمصلحته.
فعلياً، اضطر ترامب إلى الذهاب إلى الجزء الأكثر محافظة من ولاية شديدة المحافظة للحفاظ على شعبيته المتراجعة. وأُقيم تجمع الاثنين ليلاً في أرض المعارض بولاية نبراسكا، في مقاطعة هول التي بلغ عدد سكانها 62,895 نسمة عام 2020. وحتى المزارعون باتوا يشعرون بالقلق من هذه الحرب التي رفعت أسعار الأسمدة والديزل.
كانت لغة ترامب بشأن لوس أنجلوس وسان دييغو غامضة إلى حد ما، للإنصاف. ويبدو أنه كان قلقاً من احتمال أن يتمكن البرنامج النووي الإيراني من استهداف لوس أنجلوس أو سان دييغو. لكن استخدامه عبارة «دعوهم…» بدا تقريباً وكأنه يشجعهم على فعل ذلك، على غرار ما قاله الرئيس الأميركي جون كينيدي في برلين عندما قدّم المدينة نموذجاً للشجاعة وقال: «دعوهم يأتون إلى برلين»، بالإنكليزية والألمانية.
وفوق ذلك، فإن مجرد الحديث عن تهديد بهذه الخطورة التي لا يمكن تصورها يمثل ذروة اللامسؤولية. يدرك جميع القادة الأجانب أن أي هجوم نووي على الولايات المتحدة سيؤدي إلى رد أميركي ساحق. وهذا هو مفهوم الردع.
وقد ساهمت هذه المعرفة، إلى جانب الطريقة الحذرة التي تحدث بها الرؤساء الأميركيون السابقون عن الأسلحة النووية، في الحفاظ على السلام طوال كل هذه السنوات. لكن يبدو أننا ندخل الآن مرحلة جديدة، تقود فيها اليأس السياسي الداخلي إلى تهديدات خارجية تزداد انفلاتاً.
وكان باقي الخطاب فوضوياً أيضاً. فقد شن ترامب هجمات متكررة على الشيوعية، رغم أن الحرب الباردة انتهت عام 1991. وأطلق، كعادته الإهانات، هذه المرة ضد المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن تكساس جيمس تالاريكو، الذي وصفه بأنه «ألفريد إي نيومان»، وضد السيناتور الديمقراطي عن جورجيا جون أوسوف، قائلاً إنه يشبه بالنسبة إليه شخصية «بي-وي هيرمان».
كما واصل إثارة المخاوف من دون أساس واقعي. وفي كثير من الأحيان، كانت ادعاءاته تناقض بعضها بعضاً. فقد قال ترامب في الوقت نفسه إن إيران أصبحت بلا أنياب وإن الولايات المتحدة «تسحق إيران»، ثم تحدث عنها باعتبارها تهديداً قاتلاً قادراً على تدمير ثاني وثامن أكبر مدينتين أميركيتين.
فأي الروايتين صحيحة؟
لقد سمعنا مراراً أن البرنامج النووي الإيراني «دُمّر بالكامل». لكن إذا كان الأمر كذلك، فلماذا ما زلنا في حالة حرب؟
وكان باقي الخطاب مزيجاً من التحريفات والأكاذيب، كما يتضح حتى من أبسط عمليات التحقق من الحقائق. وقال ترامب في إحدى اللحظات، في تناقض لافت: «نريد الصدق».
نعم، نريد الصدق.
لكن يبقى السؤال: هل سنحصل عليه؟
المصدر الأصلي: alkhanadeq.com




