صحافة

انتخابات الكنيست ومأزق الـ61: هل يصبح الصوت العربي مفتاح تشكيل الحكومة؟

قبل نحو ثلاثة أسابيع من يوم الحسم في انتخابات الكنيست السادس والعشرين، تبقى الخريطة السياسية “الإسرائيلية” عالقة في مأزق التعادل السلبي بين المعسكرين الصهيونيين: معسكر بنيامين نتنياهو، ومعسكر خصومه في كتلة التغيير. وبالتوازي مع فشل محاولات شطب القائمتين العربيتين من المنافسة، تظهر مؤشرات هذا التعادل في متوسط ثلاثة من استطلاعات الرأي الأقل تحيزًا، حيث تبقى كتلة نتنياهو مع 52 مقعدًا، وهو العدد نفسه تقريبًا الذي تحصل عليه المعارضة الصهيونية، فيما تحصد الأحزاب العربية مجتمعة نحو 13 مقعدًا. وبذلك لا يبلغ أي من المعسكرين عتبة 61 من أصل 120 مقعدًا، هي مجموع المقاعد في الكنيست.

هذا الجمود الحسابي ليس فقط رقم انتخابي هامشي، بل هو مؤشر على أزمة بنيوية أعمق في النظام السياسي “الإسرائيلي”. فمنذ عام 2019، لم تنجح المنظومة السياسية في تشكيل حكومة مستقرة إلا لفترات قصيرة، وتكررت الانتخابات أربع مرات خلال أقل من عامين. واليوم، تبدو السيناريوهات نفسها مفتوحة على مصراعيها: جمود في الكتلتين، وفشل في الحسم، ورهان متزايد على أصوات كانت إلى الأمس القريب خارج معادلة الحكم.

الصوت العربي… من الهامش إلى قلب المعادلة

لم يكن الصوت العربي في يوم من الأيام عاملًا حاسمًا في تشكيل الحكومات “الإسرائيلية”. لكن التحولات الديموغرافية والسياسية التي شهدتها السنوات الأخيرة، إلى جانب الأزمة المستمرة في معسكرات اليمين والوسط، دفعت هذا الصوت إلى قلب الحسابات. فإذا بقيت الكتلتان الصهيونيتان دون 61، فقد يصبح الصوت العربي في أراضي 48 جزءًا من معادلة تشكيل السلطة، بصرف النظر عن التصريحات الانتخابية الحالية.

لكن المفارقة تكمن في أن هذا الصعود لا يعني بالضرورة تمكينًا سياسيًا مباشرًا. فقد أعلن غادي إيزنكوت أن القائمة الموحدة “رعام” لن تكون جزءًا من حكومة يقودها، ما يجعل زيادة الوزن البرلماني للقوائم العربية مسألة مختلفة عن انتقال هذا الوزن إلى معسكره. وبالتالي، يمكن أن يؤدي ارتفاع التصويت العربي إلى تضييق قدرة نتنياهو على الوصول إلى الـواحد والستين، من دون أن يمنح إيزنكوت العدد نفسه لتشكيل حكومة بديلة.

المعركة الحقيقية… ليست في عدد المقاعد

أول ما تستطيع القوائم العربية التأثير فيه هو حجم المشاركة العربية. فالمسألة ليست فقط في زيادة عدد المقاعد العربية، وإنما في تحويل أكبر قدر ممكن من الأصوات العربية إلى تمثيل برلماني. والنظام الانتخابي “الإسرائيلي” يجعل لهذه المسألة أثرًا يتجاوز القوائم العربية. فالكنيست يضم مائة وعشرين مقعدًا، والقائمة تحتاج إلى ثلاثة وربع في المئة من الأصوات الصحيحة لتدخل في توزيع المقاعد. وبعد تحديد القوائم التي تجاوزت نسبة الحسم، تدخل أصواتها في عملية توزيع المقاعد، بينما تُستبعد أصوات القوائم التي لم تتجاوزها. ولذلك فإن تغيرات محدودة في حجم التصويت أو في عدد القوائم التي تتجاوز العتبة يمكن أن تنعكس على توزيع المقاعد بين جميع القوائم المؤهلة.

وهنا تظهر أهمية حجم التصويت العربي. فإذا ذهبت الزيادة في الأصوات إلى قوائم عربية تتجاوز نسبة الحسم، فإن هذه الأصوات تدخل في قاعدة توزيع المقاعد. وفي المقابل، فإن ارتفاع مجموع الأصوات الصحيحة يرفع العدد المطلق المطلوب لعبور نسبة الثلاثة وربع في المئة. وهذا قد يضيّق هامش الأمان أمام القوائم الصغيرة التي تتحرك قرب نسبة الحسم، من دون أن يعني ذلك أن كل زيادة في التصويت العربي ستؤدي تلقائيًا إلى خسارة قائمة أخرى لمقعد.

حين يقرر العربي مصير مقاعد اليمين

إذا أخفقت قائمة صغيرة في تجاوز نسبة الحسم، فإن أصواتها لا تدخل في توزيع المقاعد. وبالتالي يمكن لفارق محدود في نسبة الأصوات أن يعيد توزيع المقاعد بين القوائم التي نجحت في العبور. وهذا مهم بصورة خاصة بالنسبة إلى القوائم اليمينية الصغيرة. فقد حذّر نتنياهو ناخبي معسكره من التصويت لأحزاب صغيرة قد تفشل في تجاوز العتبة، محذرًا من أن تشتت أصوات اليمين قد يضر بحسابات معسكره.

وبالتالي، فإن ارتفاع المشاركة العربية، إذا انعكس في زيادة الأصوات التي تدخل في توزيع المقاعد، فيمكن أن يضيّق هامش الأمان أمام بعض هذه القوائم. وإذا أخفقت إحداها في العبور، فإن معسكر نتنياهو قد يخسر مقاعد كان يمكن أن تدخل في حساب ائتلافه. وهنا تظهر مفارقة سياسية بالغة الدلالة: الصوت العربي قد لا يكون جزءًا من الحكومة، لكنه قد يكون العامل الذي يحدد إن كان بالإمكان تشكيلها أصلًا.

ثلاثة سيناريوهات… ولا طريق رابع

إذا انتهت الانتخابات من دون امتلاك أي معسكر العدد الكافي لتشكيل حكومة، فستظهر ثلاثة مسارات رئيسية. الأول: أن يحاول نتنياهو إعادة بناء ائتلاف يميني، وهو ما يصبح أكثر صعوبة إذا خسرت بعض القوائم الصغيرة مقاعدها بسبب عدم تجاوز نسبة الحسم. الثاني: الذهاب إلى حكومة وحدة بين أحزاب صهيونية من المعسكرين. وهذا خيار وارد، لكنه يصطدم بخلافات عميقة حول ملفات مثل قانون التجنيد، ولجنة التحقيق في إخفاقات السابع من أكتوبر، والإصلاح القضائي، فضلًا عن أزمة الثقة بين الأطراف. أما الثالث، فهو الدخول في دوامة انتخابات متكررة من دون القدرة على تشكيل حكومة، كما حدث بين عامي 2019 و2021.

وفي حال تكرار هذا المأزق، قد يبدأ النقاش داخل المنظومة السياسية حول تغيير قواعد اللعبة نفسها، بما في ذلك إعادة النظر في النظام الانتخابي أو القواعد التي تحدد قدرة القوائم العربية على التأثير في تشكيل الحكومات.

الإقصاء الذي يلد التمكين

ليست الانتخابات فقط منافسة على الأصوات، بل صراعًا أيضًا على القواعد التي تحدد أي الأصوات تتحول إلى قوة سياسية. ومن هذه الزاوية، كان رفع نسبة الحسم في “إسرائيل” عام 2014 من 2% إلى 3.25% أكثر من تعديل إجرائي؛ فقد رفع كلفة التمثيل أمام القوائم الصغيرة، ومنها العربية، ودفعها إلى إعادة تنظيم نفسها. وكانت النتيجة تشكيل “القائمة المشتركة” من أربعة مكونات، التي حصلت في انتخابات 2015 على 13 مقعدًا. أي إن القاعدة التي هدفت إلى تضييق مجال التمثيل أسهمت، في ظروف معينة، في تركيزه.

تكشف هذه التجربة حدود القدرة على هندسة النتائج سياسيًا. يمكن تغيير قواعد المنافسة، لكن لا يمكن التحكم مسبقًا في استجابة الأحزاب والناخبين لها. وقد يتحول الضغط الذي يستهدف تفكيك قوة سياسية إلى عامل يدفعها نحو مزيد من التنسيق والتماسك. لذلك تكتسب محاولات شطب القوائم العربية في الانتخابات الحالية أهمية تتجاوز نتيجتها القانونية؛ إذ قد تنقل التصويت من منافسة على البرامج والمقاعد إلى دفاع عن حق التمثيل نفسه.

لكن تجربة 2021 تكشف مستوى آخر من المعادلة. فقد انضمت “رعام” إلى حكومة بينيت ـ لابيد، التي قامت على أغلبية ضيقة من 61 مقعدًا. لم يكن ذلك تحولًا في طبيعة النظام، بقدر ما كان تعبيرًا عن حقيقة برلمانية بسيطة: عندما تصبح الأغلبية نادرة، تكتسب كل كتلة قادرة على التأثير في تشكيلها وزنًا يتجاوز حجمها.

وهنا تكمن أهمية الانتخابات المقبلة؛ فالصوت العربي لا يُختزل فقط بعدد مقاعده، بل بموقعه من عتبة الـ61. وقد يجد نظام سعى إلى ضبط حدود تأثيره نفسه مضطرًا إلى التعامل معه عندما يعجز عن إنتاج أغلبية حكومية مستقرة من دونه.

“الحصان الأسود”… الذي لا يدخل الحكومة؛ لكنه يصنعها

إن حصر القوائم العربية في عدد المقاعد التي ستحصل عليها ليس قراءة ناقصة فحسب، بل هو أيضًا عملية أيديولوجية يكرّسها الخطاب المهيمن: تحويل جماعة سياسية إلى رقم انتخابي، وإخفاء العلاقات البنيوية التي تحدد وزنها الفعلي؛ فالوزن الحقيقي لهذه القوائم لا يقاس بعدد مقاعدها وحدها، بل بقدرتها على التدخل في توزيع المقاعد، وعلى التأثير في مصير القوائم الصغيرة التي تتحرك على حدود نسبة الحسم، وعلى تضييق هامش المناورة أمام مشاريع تشكيل الحكومة. وهنا تبرز المفارقة التي يسمونها “الحصان الأسود”: قد تبقى القوائم العربية خارج الحكومة المقبلة، لكنها قد تصبح في الوقت نفسه أحد العوامل التي تحدد إن كانت هذه الحكومة ممكنة أصلًا.

وهذا لا يعني أن النظام منحها تمثيلًا أو شرعية، بل يعني أن تناقضاته الداخلية تجعل من الصعب استبعادها تمامًا من حساباته. فالقوة هنا ليست في الدخول إلى السلطة، بل في القدرة على التأثير في شروط الوصول إليها. وعندها ينتقل النقاش من عدد المقاعد التي ستحصل عليها إلى سؤال أعمق: كيف سيتعامل النظام السياسي “الإسرائيلي” مع قوة انتخابية وازنة تصبح مؤثرة في تشكيل الحكومة؟ هل سيدفعه وزنها البرلماني إلى التعامل معها كشريك ائتلافي، أم سيصر على إبقائها خارج معادلة الحكم، ولو كان ثمن ذلك إطالة أزمة تشكيل الحكومة وإبقاء النظام السياسي أمام مأزق الاستقرار؟

في النهاية، قد لا يكون السؤال المطروح اليوم هو كم مقعدًا ستحصل عليه القوائم العربية، بل كيف سيتعامل النظام السياسي “الإسرائيلي” مع واقع جديد يفرض نفسه: صوت عربي لم يعد فقط رقم في المعادلة، بل قد يكون مفتاحًا لتشكيل الحكومة أو إغلاق بابها. وهذا هو جوهر مأزق الــ61 الذي تواجهه “إسرائيل” اليوم.


المصدر الأصلي: alkhanadeq.com

wakalanews.com — متابعة الخبر
المصدر:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى