
إن محاولة اختزال موقف فصائل المقاومة العراقية في معادلة “الهوية الوطنية مقابل المرجعية العقائدية”، وتصويرها باعتبارها قوة قد تجرّ العراق إلى مواجهة إقليمية خلافاً لمصالحه الوطنية، تقوم على فرضية تستحق المعالجة، لكنها تتجاهل سؤالاً أكثر إلحاحاً وأهميةً: كيف يمكن الحديث عن حماية المصالح الوطنية العراقية فيما تتعرض سيادة البلاد لانتهاكات عسكرية، وتُستباح أجواؤها لتسهيل استهداف دولة جارة لطالما وقفت إلى جانب العراق في مواجهة الاحتلال الأميركي والإرهاب؟
فالإشكالية الحقيقية لا تبدأ من افتراض أن فصائل المقاومة العراقية قد تتحرك إذا ما تجدد العدوان الصهيوأميركي على الجمهورية الإسلامية في إيران، بل من محاولة التعامل مع الانتهاكات الأمريكية والإسرائيلية التي تطال السيادة العراقية وكأنها تفصيل ثانوي، بينما يجري تضخيم احتمال تحرك المقاومة وتحويله إلى تهديد أساسي للدولة العراقية ومصالحها. فقبل مطالبة هذه الفصائل بتقديم ضمانات بشأن مواقفها في أي مواجهة إقليمية مقبلة، ينبغي الإجابة عن سؤال جوهري: من يتحمل مسؤولية استباحة الأجواء العراقية، وتحويلها إلى ممر لتنفيذ عمليات عسكرية ضد إيران (الدولة الوحيدة التي وقفت الى جانب العراق شعباً ودولةً بكل مكوناته). فهل نسي البعض موقف الجمهورية الإسلامية الرسمي الرافض للعدوان والاحتلال الأمريكي (بينما قامت العديد من الدول “العربية” بإقامة مختلف أنواع القواعد كمنطلق للعدوان)؟ وموقفها في دعم نشوء حركات المقاومة للاحتلال بمختلف توجهاتها؟ ودعمها الكبير لصد غزو تنظيم داعش الوهابي الإرهابي وتحرير البلاد من هذه الجماعات الإرهابية التي وضعت الدولة العراقية في خطر وجودي، بعد أن سيطر التنظيم على مساحات واسعة من العراق وهدد مؤسساته ومجتمعه بالذبح والتقسيم؟
ولا يعني استحضار هذا الدور أن العلاقات بين الدول تُبنى على الامتنان وحده، أو أن الدعم السابق يمنح أي دولة حقاً دائماً في تقرير خيارات العراق. لكنه يعني أن تقييم العلاقة العراقية الإيرانية ينبغي أن يستند إلى سجلها الفعلي، بما يتضمنه من مصالح مشتركة وتعاون وتحديات، لا أن يُختزل في فرضية أن كل تقارب بين الطرفين هو دليل على تبعية العراق أو انتقاص سيادته.
السيادة العراقية ليست شعاراً انتقائياً
لذلك فإن السيادة الوطنية ليست مفهوماً يُستدعى عندما يتعلق الأمر بمنع العراقيين من الرد على الاعتداءات، ثم يُهمَل عندما تنتهك الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل المجال الجوي العراقي لتنفيذ عمليات عسكرية. فالسيادة تعني، قبل أي شيء، حق العراق في حماية أرضه وأجوائه، ومنع استخدامهما منصةً للاعتداء على دول أخرى، وصون قراره الوطني من التدخلات الخارجية.
وعندما تُستباح الأجواء العراقية لتسهيل استهداف الجمهورية الإسلامية في إيران، كما تشير الوقائع وآخرها منذ أيام، فإن المسألة لا تعود محصورة في طبيعة العلاقة بين بغداد وطهران، ولا في هوية الفصائل العراقية أو “مرجعياتها العقائدية”، بل تصبح مرتبطة بانتهاك مباشر لحرمة المجال السيادي العراقي، وبمحاولة فرض واقع أمني وعسكري على البلاد من دون إرادتها.
ومن هنا، فإن حق التصدي لهذه الانتهاكات ينبغي أن يُناقش انطلاقاً من مبدأ رفض العدوان وحماية السيادة، لا من خلال افتراض مسبق بأن كل تحرك للمقاومة العراقية هو بالضرورة تنفيذ لأجندة خارجية أو تغليب للولاء العقائدي على المصلحة الوطنية.
والدفاع عن السيادة العراقية لا يقتضي العداء لإيران، كما أن الحفاظ على المصالح العراقية لا يفرض الحياد بين المعتدي والمعتدى عليه.
وفي الوقت نفسه، فإن الدفاع عن السيادة يقتضي أن تخضع القرارات العسكرية لتقدير مسؤول يراعي أمن العراق وشعبه، وألا تتحول البلاد إلى ساحة مفتوحة للعدوان الخارجي على دول جارة بما يهدد أمن الإقليم كلّه.
تنويه من موقع “wakalanews”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.





