صحافة

الحكومة تحت نار المساءلة: بين ترجيح بقائها ومعادلة الاشتباك المؤسسي

تدخل الحكومة اللبنانية جلسة مساءلة نيابية في ظل تباين واضح في مواقف الكتل والقوى السياسية، فيما يفتح حجم الاعتراض عليها باب التساؤل حول ما إذا كانت الجلسة ستبقى في إطار المساءلة والضغط السياسي، أم يمكن أن تتطور إلى اختبار مباشر للثقة بالحكومة ومصيرها.

ويكتسب هذا السؤال أهمية خاصة في ضوء البيان المشترك لحركتي «أمل» و«حزب الله»، الذي شدد على أن «السلم الأهلي خط أحمر»، وعلى أولوية إعادة الإعمار، ودعا إلى الحوار والتفاهم والاحتكام إلى المؤسسات، مع مطالبة الدولة بتحمل مسؤولياتها في الملفات الاقتصادية والاجتماعية وإعادة الإعمار.

لكن قراءة هذا الموقف تحتاج أولًا إلى الفصل بين الموقف من الحكومة، والموقف التصويتي منها، والنتيجة الدستورية والسياسية المترتبة على التصويت.

قبل الترجيح: ضبط المصطلحات

لأغراض هذا التحليل، يُقصد بـطرح الثقة الإجراء البرلماني الذي تُطرح بموجبه الثقة بالحكومة للتصويت؛ ويعني التصويت لمصلحتها منحها ثقة إيجابية، فيما يعني الامتناع عدم منحها الثقة من دون التصويت ضدها، ويعني حجب الثقة التصويت صراحةً ضدها. أما سحب الثقة فهو الأثر الدستوري الذي قد يترتب على حجبها وفق الشروط الدستورية، فيما يمثل إسقاط الحكومة الأثر السياسي لذلك، بينما يعني بقاء الحكومة استمرارها، ولا يستلزم بالضرورة حصولها على ثقة إيجابية.

وبذلك، لا يجوز مساواة الامتناع بالحجب، ولا مساواة الحجب بإسقاط الحكومة؛ فالتصويت شيء، والنتيجة الدستورية والسياسية المترتبة عليه شيء آخر.

الثنائي الشيعي: ترجيح السلوك التصويتي

لا توحي المعطيات المتاحة بأن حجب الثقة بما يؤدي إلى سحبها من الحكومة يمثل الخيار الأرجح لدى «أمل» و«حزب الله». فالكلفة السياسية لفتح مسار إسقاط الحكومة تبدو مرتفعة في ظرف يحتاج فيه لبنان إلى حكومة قادرة على إدارة ملفات إعادة الإعمار والتفاوض مع الجهات الخارجية كالبنك الدولي وصندوق النقد وغيرهما ومواكبة التطورات الأمنية والسياسية.

لكن ترجيح عدم إسقاط الحكومة لا يعني بالضرورة أن الثنائي سيمنحها ثقة إيجابية. فثمة فارق بين أن يصوّت النائب لمصلحة الحكومة، وأن يمتنع عن التصويت، وأن يحجب الثقة عنها.

ومن هذه الزاوية، قد يكون المجال مفتوحًا أمام موقف يجمع بين الاعتراض السياسي القوي، والمساءلة البرلمانية، ورفع سقف الضغط، مع إبقاء الحكومة قائمة.

خريطة الكتل: تباين في السلوك التصويتي

تميل مواقف «التيار الوطني الحر» إلى معارضة الحكومة، وهو ما يجعل حجب الثقة احتمالًا واردًا في سلوكه التصويتي، وإن كان حجم هذا التصويت وتأثيره النهائي يتوقفان على صيغة الجلسة ومجرياتها.

أما «القوات اللبنانية»، فيمكن أن تستخدم الجلسة لرفع مستوى الضغط السياسي على الحكومة في الملفات والمواقف التي ترددها دائما، من دون أن يعني ذلك مسبقًا أن موقفها النهائي سيكون حجب الثقة بالصيغة التي تؤدي إلى سحبها.

وتبقى «الكتائب» في موقع يسمح لها باستخدام التصويت للتعبير عن اعتراضها على أداء الحكومة، فيما تبدو مواقف «اللقاء الديمقراطي» والقوى الإصلاحية والمستقلين والنواب الذين لا ينتظمون في اصطفاف واحد أكثر قابلية للتبدل وفق مسار الجلسة والملفات التي ستُطرح فيها.

وعليه، لا تبدو الخريطة السياسية مقسومة ببساطة بين كتلة تمنح الثقة وأخرى تحجبها؛ بل يُحتمل أن تتوزع المواقف بين ثقة إيجابية، وامتناع، وحجب للثقة بدرجات مختلفة.

من التصويت إلى النتيجة

حتى إذا ارتفعت أصوات حجب الثقة، لا يعني ذلك تلقائيًا أن الحكومة ستُسحب منها الثقة أو تُسقط. فالسؤال الدستوري التالي هو ما إذا كانت حصيلة التصويت تستوفي الشروط التي تجعل من الحجب سحبًا للثقة.

ثم يأتي السؤال السياسي بصورة مستقلة: ماذا يعني بقاء الحكومة إذا لم تحصل على تأييد إيجابي واسع؟ وماذا يعني سقوطها إذا توافرت أكثرية قادرة على سحب الثقة؟

لذلك، ينبغي عدم تحويل جلسة المساءلة إلى معادلة ثنائية مبسطة من نوع «إما الثقة وإما سقوط الحكومة». فثمة احتمال ثالث مهم: أن تواجه الحكومة تصويتًا معارضًا وامتناعات، من دون أن تصل النتيجة إلى سحب الثقة منها.

وقد يكون هذا السيناريو أكثر اتساقًا مع طبيعة المشهد السياسي الحالي من افتراض أن كل تصويت ضد الحكومة سيقود بالضرورة إلى إسقاطها.

الترجيح الأولي: بقاء الحكومة أم إسقاطها؟

في ضوء المعطيات المتاحة، يبدو بقاء الحكومة أرجح من إسقاطها. ويمكن وضع التقدير الأولي لبقاء الحكومة في حدود 70 إلى 75 في المئة، مقابل 25 إلى 30 في المئة لاحتمال الوصول إلى سحب الثقة بما يؤدي إلى إسقاطها.

لكن هذا الترجيح لا يعني أن الحكومة ستحصل بالضرورة على ثقة إيجابية واسعة. فالسيناريو الأكثر أهمية في القراءة هو احتمال أن تحصل على عدد من أصوات الثقة، في مقابل أصوات حجب وامتناعات، من دون أن تبلغ المعارضة مستوى يؤدي إلى سحب الثقة.

وبالتالي، ينبغي فصل سؤالين: كيف سيصوّت النواب؟ وماذا ستنتج هذه الأصوات؟

فالترجيح الأولي لا يميل إلى إسقاط الحكومة، لكنه لا يكفي للجزم بأنها ستخرج من الجلسة بثقة إيجابية واسعة. وقد تكون النتيجة السياسية حكومة باقية، ولكن تحت ضغط نيابي وسياسي أكبر.

الخلاصة

تبدو جلسة مساءلة الحكومة أقرب، وفق المعطيات المتاحة، إلى اختبار لمدى قدرتها على الصمود تحت الضغط، منها إلى مسار واضح لإسقاطها. وقد يستخدم المعترضون التصويت لتسجيل موقف سياسي قوي، فيما قد يختار آخرون الامتناع بدل منح الثقة أو حجبها.

أما «الثنائي الشيعي»، فتشير المعطيات المتاحة بناء على البيان المشترك الصادر عنهما إلى أن إسقاط الحكومة ليس الخيار الأرجح لديه، من دون أن يعني ذلك تلقائيًا منحها ثقة إيجابية.

وعليه، فإن المعادلة الأكثر ترجيحًا هي: مساءلة وضغط واعتراض داخل المؤسسات، مع بقاء الحكومة، ما لم تطرأ خلال الجلسة معطيات سياسية أو تصويتية جديدة تغيّر ميزان الاحتمالات.


المصدر الأصلي: alkhanadeq.com

wakalanews.com — متابعة الخبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى