إلغاء الامتحانات لا يُنهي الجدل: أسئلة حول معايير التقييم وتكافؤ الفرص
اعتراضات على إلغاء الامتحانات الرسمية، مع اعتماد الإفادات المشروطة والدورة الاستثنائية الاختيارية، وأسئلة حول العدالة التربوية وتكافؤ الفرص وتفاوت معايير التقييم بين القطاعين الرسمي والخاص
لم يُغلِق إلغاء مجلس الوزراء الامتحانات الرسمية للثانوية العامة واعتماد الإفادات المشروطة بالعلامات المدرسية بدلاً عنها، مع فتح دورةٍ استثنائية اختيارية لبعض الفئات من الطلاب، باب الجدل. فالقرار، بالنسبة إلى معارضين له، ميّز بين طلاب يحصلون على إفادة مشروطة وآخرين يتقدّمون إلى امتحانات اختيارية للحصول على شهادة رسمية. ويعتبر هؤلاء أنه لا يمكن اعتماد صيغتين لنفس الاستحقاق، «فإمّا أن يكون الامتحان للكل أو الإفادة للكل»، لضمان العدالة وتكافؤ الفرص.
وفقاً للقرار، تُمنح إفادات النجاح للطلاب المُسجّلين في المنهج اللبناني في الثانوية العامة بفروعها كافة، شرط تحقيق مُعدّل لا يقل عن 9.5 على أساس العلامات المدرسية، فيما تُفتح دورة استثنائية اختيارية لمرشحي الطلبات الحرة والمرشحين الراسبين في ثانوياتهم ومعاهدهم الرسمية أو الخاصة حتى الأول من آذار، إضافةً إلى الطلاب الناجحين الذين لديهم حاجة مُلحّة إلى الحصول على الشهادة الرسمية. وهو ما يؤسّس لأكثر من مسار، ضمن الشهادة الواحدة، بدل اعتماد معيار مُوحَّد للنجاح.
على الفور، ارتفعت أصوات تربوية ونقابية ضدّ قرار الحكومة. فأكّدت أن الصيغة المُعتمدة تطرح إشكاليات تتعلق بضرب معايير التقييم وغياب العدالة التعليمية وتكافؤ الفرص، خصوصاً في ظل اعتماد العلامات المدرسية كمرجع أساسي للتقييم، وما قد يرافق ذلك من تفاوت بين المدارس الرسمية والخاصة. وفي هذا السياق، يشير عدد من التربويين إلى أن وزارة التربية طلبت العلامات النهائية لصف الثانوية العامة من المدارس الرسمية، في حين لم تُسلِّم المدارس الخاصة علامات الفصل الأول حتى الآن.
ويؤدّي هذا التفاوت، بحسب بعض المراقبين، إلى تعويم التعليم الخاص على حساب التعليم الرسمي، ويزيد الفجوة بين القطاعين بدل تقليصها، بحيث يُقيَّم طلاب «الرسمي» على مُعطيات مكتملة، في حين قد تُحتسب لطلاب في التعليم الخاص نتائج غير مُكتملة أو مختلفة.
كما يرى المعترضون أن المتضرّر الأكبر سيكون طلاب الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت وسائر المناطق المتضررة، الذين واجهوا نزوحاً وانقطاعاً قسرياً عن التعليم وأوضاعاً صعبة أثّرت بشكل مباشر على تحصيلهم الدراسي واستقرارهم التعليمي.
تباين سياسي وتربوي
إلى ذلك، عكست المواقف التربوية والسياسية تبايناً واضحاً يتخطّى النقاش التقني، بين من يرى في القرار خطوة اضطرارية فرضتها الظروف الاستثنائية لحماية العام الدراسي، ومن يعتبره مسّاً بتكافؤ الفرص وتأسيساً لتمييز ضمن الشهادة الواحدة.
وفي هذا الإطار، رأى الأمين العام للمدارس الكاثوليكية، يوسف نصر، أن القرار يحمل نقاطاً إيجابية، لجهة الجمع بين الإفادة والامتحان الاختياري للطلبات الحرة والراسبين والراغبين بتحسين وضعهم، مع انتظار الآلية التنفيذية التي ستضعها وزارة التربية لتنظيم التطبيق. كذلك، اعتبرت رئيسة اتحاد لجان الأهل وأولياء الأمور في المدارس الخاصة، لمى الطويل، أن القرار يشكّل خطوة تهدف إلى حماية المسار التربوي مع ضرورة معالجة الهواجس المرتبطة بتكافؤ الفرص.
في المقابل، اعتبر النائب إدغار طرابلسي أن قرار الحكومة يحتاج إلى تعديل يضمن العدالة، مقترحاً السماح للناجحين بالتقدّم إلى امتحان معياري لاحق، ومحذّراً من أن الاعتماد على العلامات المدرسية وحدها قد يخلّ بتكافؤ الفرص.
في المقابل، رأى النائب إيهاب حمادة أن القرار «زاد الطين بلّة» وخالف مبدأ تكافؤ الفرص، سائلاً: كيف سيغطّي مجلس النواب معادلة الإفادة للشهادة الرسمية؟ وأوضح أن القرار يخلق تمايزاً بين من سيحمل شهادة رسمية ومن سيحصل على إفادة، وستكون له تداعيات خطيرة بدأ التحضير لها منذ الآن. ورأى أن الإبقاء على الامتحانات الموحّدة كان خياراً أكثر وضوحاً وعدالة من القرار المُتّخذ.
وفي سياق النقاش حول معايير التقييم ومبدأ العدالة التربوية، أشار رئيس رابطة أساتذة التعليم الثانوي، جمال العمر، إلى أن القرار «فتح معركة مع التعليم الرسمي»، معترضاً على الدورة الاستثنائية التي رأى أنها تكرّس تمييزاً بين طلاب «الرسمي» و«الخاص». ولفت إلى أن بعض المدارس الخاصة لم ترفع علاماتها بعد، في حين يُدفع عدد من طلاب الرسمي نحو الدورة الاستثنائية، معلناً مقاطعة هذه الدورة والدعوة إلى إلغاء الامتحانات للجميع، لأنه «ليس منطقياً أن يحصل الراسب على شهادة، فيما ينال الناجح إفادة».
أمّا نقيب المعلمين نعمه محفوض، فاعتبر أن النقاش حول الامتحانات لم يكن تربوياً، مشيراً إلى أنه كان يمكن إجراء امتحانات موحّدة للجميع في منتصف تموز المقبل. وتساءل عن الأسباب التي تحول دون ذلك، في وقت تُؤمِّن فيه القوى الأمنية سلامة فعّاليات كبرى واحتفالات جماهيرية واسعة. كما أكّدت نقابة المعلمين، في بيان، أن مشاهد الاحتفال بإلغاء الامتحانات تمسّ بصورة التربية اللبنانية وتشكّل تراجعاً في قيمة الاستحقاق العلمي، داعيةً إلى إعادة الاعتبار للامتحانات الرسمية كمعيار موحّد للجميع.
في الخلاصة، لم يعد الجدل محصوراً بين الإفادة والامتحان، بل بات يمسّ جوهر العدالة التربوية نفسها، في ظل واقع يضع الشهادة الرسمية أمام اختبار صعب بين الحفاظ على معيار موحّد، أو ترسيخ مسارات متعدّدة داخل الاستحقاق الواحد.
وأزمة الامتحانات الرسمية لم تكشف الانقسام حول الإفادات أو الامتحانات فحسب، بل كشفت أيضاً حدود القرار التربوي داخل الدولة، حين يصبح الحسم النهائي رهينة التوازنات السياسية والضغوط في الشارع.
الكاتبة: فاتن الحاج
26 حزيران 2026
المصدر: الاخبار



