إسرائيل لا تعترف بحدودٍ نهائية: من سيناء إلى لبنان… الجغرافيا مؤجَّلة حتى تحين ساعة القوّة ..

إسرائيل لا تعترف بحدودٍ نهائية: من سيناء إلى لبنان… الجغرافيا مؤجَّلة حتى تحين ساعة القوّة ..
قراءة التهديد الإسرائيلي الأخير لمصر بمعزل عن المسار التاريخي للصراع في المنطقة قد تجعله يبدو تصريحًا متطرفًا عابرًا، لكن وضعه إلى جانب التحولات الجارية على امتداد غزة والضفة وسوريا ولبنان يكشف مسألة أكثر أهمية:
في قطاعات مؤثرة من اليمين الإسرائيلي، لا تُعامل الحدود القائمة باعتبارها حقائق سياسية نهائية، بل باعتبارها ترتيبات قابلة للمراجعة متى تبدّل ميزان القوة.
تصريح وزير المالية بتسلئيل سموتريتش بأن مصر إذا هاجمت إسرائيل «فلن تكون هناك سيناء» يكتسب دلالة خاصة لأن سيناء ليست أرضًا في دولة عدوة لإسرائيل، بل جزء من دولة ترتبط معها بمعاهدة سلام منذ عام 1979، استعادت بموجبها مصر شبه الجزيرة التي احتلتها إسرائيل عام 1967. لذلك فإن خطورة العبارة ليست في سيناريو الحرب الافتراضي وحده، بل في إعادة إدخال الأرض المصرية نفسها إلى قاموس الردع الإسرائيلي بعد قرابة نصف قرن من السلام.
والتاريخ يمنح هذه القراءة مادة صلبة.
إسرائيل احتلت سيناء والجولان والضفة الغربية والقدس الشرقية وغزة في حرب 1967؛ أعادت سيناء في سياق معاهدة السلام مع مصر، لكنها أبقت الجولان تحت سيطرتها وفرضت عليه قوانينها عام 1981 في خطوة لم تحظ باعتراف دولي واسع.
وفي لبنان دخل الجيش الإسرائيلي الجنوب عام 1978، ثم اجتاح البلاد مجددًا عام 1982، وبقي وجوده في أجزاء من الجنوب حتى الانسحاب الذي أكدته الأمم المتحدة عام 2000.اي أن استخدام السيطرة العسكرية على الأرض، ثم تحويل الأمر الواقع إلى منطقة أمنية أو ورقة تفاوض أو واقع طويل الأمد، ليس افتراضًا نظريًا؛ له سوابق واضحة في التاريخ الإقليمي.
الأكثر دلالة أن هذه الذهنية لم تبقَ حبيسة التاريخ.
بعد انهيار نظام الأسد في أواخر 2024 تحركت القوات الإسرائيلية إلى المنطقة العازلة على الجانب السوري من خط الفصل، فيما قالت إسرائيل إن الخطوة مرتبطة باعتبارات أمنية. وفي الضفة الغربية يتقدم مسار مختلف في الشكل لكنه شديد الأهمية في الجوهر: توسيع المستوطنات وصناعة وقائع يصعب عكسها سياسيًا؛ وقد مضت حكومة نتنياهو في مشروع E1 الذي من شأنه تقطيع التواصل بين أجزاء من الضفة والقدس الشرقية، فيما أعلن نتنياهو في أيلول 2025 رفضه قيام دولة فلسطينية.
هنا لا نتحدث عن اجتياح عسكري كلاسيكي فحسب، بل عن هندسة الجغرافيا تدريجيًا: أرض تُحتل بالحرب، وأرض تُضم سياسيًا، وأخرى يعاد تشكيلها بالاستيطان، ومناطق تتحول إلى أحزمة أمنية.
ولهذا تكتسب تصريحات «إسرائيل الكبرى» وزنًا سياسيًا يتجاوز السجال الإعلامي. ففي مقابلة عام 2025 قال نتنياهو إنه يشعر بارتباط قوي بهذه الرؤية وبـ«المهمة التاريخية والروحية»، وهو تصريح أثار إدانات عربية وإسلامية واسعة. لا يعني ذلك أن هناك خطة حكومية إسرائيلية معلنة ومحددة المراحل لاحتلال كل الأراضي التي تنسبها بعض الخرائط إلى مفهوم «إسرائيل الكبرى»؛ هو وجود تيار سياسي إسرائيلي نافذ ينظر إلى الجغرافيا بمنطق تاريخي–أيديولوجي يتجاوز حدود إسرائيل الحالية، بالتوازي مع سياسات ميدانية توسعية موثقة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
ومن هنا تحديدًا تصبح الحالة المصرية شديدة الأهمية.
السلام المصري–الإسرائيلي هو أقدم معاهدات إسرائيل مع دولة عربية كبرى، وصمد منذ 1979 رغم الحروب والأزمات الإقليمية. بل إن مصر بقيت عنصرًا أساسيًا في ترتيبات الأمن الإقليمي طوال عقود. فإذا أصبح ممثل بارز في الحكومة الإسرائيلية يستخدم فقدان سيناء كصيغة ردع في مخاطبة مصر، فالمغزى الاستراتيجي يتجاوز السؤال: هل ستقع حرب مصرية–إسرائيلية؟ السؤال الأعمق هو: ما قيمة الحدود والمعاهدات في العقيدة السياسية لتيارات إسرائيلية ترى أن القوة تستطيع، عند الضرورة، إعادة كتابة الخرائط؟
أما الحديث المتزامن عن رفع الجاهزية الإسرائيلية لسيناريوهات متعددة، فيأتي ضمن تحول معلن داخل الجيش بعد مراجعات إخفاقات 7 تشرين الأول؛ فقد تحدث رئيس الأركان إيال زامير عن الاستعداد لمفاجآت على أكثر من جبهة وعن بناء الجاهزية وفق قدرات الخصم لا وفق تقدير نواياه فقط. وهذا لا يثبت وحده صحة كل ما نُسب إلى «معاريف» عن عملية وشيكة في ساحة بعينها، لكنه يوضح البيئة العسكرية التي تجعل المنطقة الممتدة من غزة والضفة إلى سوريا ولبنان والبحر الأحمر تُقرأ إسرائيليًا كمسرح أمني مترابط، لا كملفات منفصلة.
وهنا تكمن الخلاصة الأشد أهمية: الخطر التوسعي لا يشترط دائمًا وجود حرب، كما أن السلام لا يلغيه بالضرورة.
التجربة التاريخية تقول إن شكل التوسع يتغير وفق البيئة والقدرة والكلفة: احتلال مباشر حين تسمح الحرب، منطقة عازلة عندما تتيح الفوضى ذلك، استيطان وضم تدريجي عندما تكون السيطرة قائمة، أو تهديد بإعادة رسم الحدود عندما يراد تحويل التفوق العسكري إلى أداة ردع سياسي. لذلك فإن اختزال المسألة بعلاقة إسرائيل الحالية مع هذه الدولة أو تلك قد يحجب الصورة الأكبر؛ فالمتغير هو مستوى القوة والفرصة والقيود الدولية، أما النزعة إلى توسيع المجال الأمني والجغرافي لدى التيارات القومية المتشددة في إسرائيل فبقيت حاضرة بأشكال متفاوتة عبر مراحل مختلفة.
ومن سيناء التي احتُلّت ثم عادت إلى مصر، إلى الجولان المحتل، ومن جنوب لبنان إلى الضفة وغزة والمنطقة العازلة في سوريا، تظهر قاعدة استراتيجية تستحق أن تُقرأ بعيدًا عن الشعارات:
الحدود في الشرق الأوسط ليست، لدى جميع القوى والتيارات الإسرائيلية، خطوطًا مقدسة لا تمس؛ وبعضها ينظر إليها بوصفها نتيجةً مؤقتة لموازين القوى. ولذلك فإن السؤال الأخطر ليس أين ستقاتل إسرائيل غدًا، بل أين يمكن أن تعتبر أن ميزان القوة يسمح لها بعد غد بتحويل الأمن إلى جغرافيا، والجغرافيا إلى أمر واقع، والأمر الواقع إلى حدود جديدة.
عباس المعلم – كاتب سياسي
https://www.facebook.com/wakalanewsPage
https://www.facebook.com/groups/WakalanewsGroup/
https://x.com/wakalanews_
https://t.me/wakalanewsOfficial
https://www.instagram.com/wakalanews?stkn=MTh1cWwyN2ZhOHAxcA==




