عاجل عاجل | دمشق تحتضن والدة أصالة بعد 14 عاماً.. وغياب الفنانة يشعل التساؤلات - أخبار السعودية
اخبار لبنان

عاجل | السلطة تخسر شرعيتها قبل صلاحياتها: حين تسقط الشراكة يسقط النظام

🚨 عاجل
📌 ملخص الخبر:
عاجل | السلطة تخسر شرعيتها قبل صلاحياتها: حين تسقط الشراكة يسقط النظام
في خطاب القَسَم، شخّص رئيس الجمهورية جوزيف عون معضلة البلاد باعتبارها «أزمة حكم وحكّام، وعدم تطبيق الأنظمة أو سوء تطبيقها وتفسيرها»، وتعهد بـ«الحفاظ على الميثاق ووثيقة الوفاق الوطني»، وبأن تعمل الدولة على «إزالة الاحتلال الإسرائيلي وردّ عدوانه عن كامل الأراضي اللبنانية». هذا التعهّد ليس ترفاً سياسياً، بل التزاماً دستورياً قاطعاً. ومن يخرج عن نصّ قسمه، يخرج عن شرعيته قبل أن يُسائل على صلاحيته. فشرعية السلطة في لبنان مرهونة بالتزامها بالميثاق الوطني ومقتضيات العيش المشترك، وأي تطبيق انتقائي لاتفاق الطائف أو تفسير مغلوط للدستور يفقدها مشروعيتها الميثاقية. الصلاحية تنبع من موقع السلطة، أما الشرعية فتنبع من الميثاق الوطني. وعندما تتكاملان تقوم الدولة؛ أما حين تنفصلان، فتدخل البلاد في ما يمكن وصفه بـ«انفصال السلطة عن مصدرها». وهذا التمييز بين الصلاحية والشرعية كرّسه فقهاء القانون الدستوري الفرنسي، أمثال موريس هوريو وجورج بوردو، ضمن مفهوم «الشرعية الدستورية» (Légitimité constitutionnelle)، حيث لا تستمد السلطة مشروعيتها من كونها منتخبة فحسب، بل من ممارستها للسلطة وفق روح الدستور. ويستند هذا «الانفصال» إلى ثلاثة مبادئ: أولها «السلطة التأسيسية» (إيمانويل جوزيف سيييس) التي تعتبر الشعب مصدر الإرادة الأصلية، وأن كل سلطة لاحقة ليست سوى هيئة مفوّضة؛ وثانيها «انحراف السلطة» (Détournement de pouvoir)، الذي يُبطل استخدام الصلاحية في غير الغاية التي مُنحت لأجلها؛ وثالثها «فقدان الشرعية الدستورية» عندما تنفصل الممارسة السياسية عن روح الدستور. وفي مختلف المدارس الدستورية، يشكّل هذا الانفصال بداية أزمة بنيوية تفتح الباب أمام الانهيار. الفقرة (ي) ليست بلاغة قليلون يدركون قوة الفقرة (ي) من مقدمة الدستور التي تنص على أنه: «لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك». هذه قاعدة دستورية كرّسها المجلس الدستوري في قراره 2/2001 كنص ملزم. وفي الفقه الدستوري الفرنسي ترتقي إلى مستوى «النظام العام الدستوري» (Ordre public constitutionnel)، أي المبادئ التي لا تمسّ حتى من السلطة المخوّلة تعديل الدستور نفسه. والسؤال: من يفعّل فقدان الشرعية الميثاقية؟ ليست جهة واحدة، بل منظومة متكاملة: مجلس شورى الدولة عبر الطعون الإدارية، والمجلس الدستوري اللبناني عبر الرقابة الدستورية, والكتل النيابية عبر سحب الثقة أو المحاكمة (المادتان 60 و70)، وأخيراً المكوّن المُقصى حين ينسحب من التسوية. والتاريخ اللبناني يؤكد أن الانهيارات تبدأ من سقوط الشراكة لا من سقوط النصوص. في صيف 1958 حاول كميل شمعون تعديل الدستور، فواجه انتفاضة قادها معروف سعد وصائب سلام ورشيد كرامي وكمال جنبلاط. ورغم الإنزال الأميركي في 15 تموز، سقط المشروع لأن التوازن الميثاقي كان قد انهار قبل الدستور. لكن المحطة الأخطر كانت داخل المؤسسة العسكرية نفسها. فقد طلب شمعون من قائد الجيش، اللواء فؤاد شهاب، قمع الانتفاضة، فرفض شهاب خشية على المؤسسة من الانقسام الطائفي. وقد أهّله هذا الموقف الحيادي لاحقاً ليكون مرشح التسوية الوحيد لرئاسة الجمهورية. يومها بقيت الصلاحية الدستورية بيد شمعون حتى نهاية ولايته، لكن الغلبة كانت للميثاق. المشهد نفسه تكرّر، بزخم أعنف، في الثمانينيات. ففي 17 أيار 1983، وقّعت الحكومة اللبنانية اتفاقاً مع العدو الإسرائيلي، بتغطية برلمانية أمّنها رئيس المجلس كامل الأسعد، فيما تولّى رئيس الحكومة شفيق الوزان توفير الغطاء الحكومي والسياسي السنّي، بدعم من صائب سلام قبل أن يتراجع لاحقاً. في المقابل، تشكّلت جبهة الخلاص الوطني في تموز 1983، (ضمّت رشيد كرامي ووليد جنبلاط عن الدروز والرئيس سليمان فرنجية ونبيه بري). وفي الوقت نفسه، كانت القوات المتعددة الجنسيات، التي دخلت بيروت بطلب من الحكومة لحماية الاتفاق، تتلقى ضربات موجعة من فصائل مقاوِمة مجهولة، بلغت ذروتها في عملية 23 تشرين الأول 1983 التي دمّرت ثكنتي المارينز الأميركيين والمظليين الفرنسيين، ما أدى إلى انسحاب القوات الأجنبية تباعاً بين شباط وآذار 1984. في 6 شباط 1984 بلغت الانتفاضة ذروتها. ووقع الخطأ الذي تفاداه شهاب: إذ طلب الرئيس أمين الجميل من قائد الجيش العماد إبراهيم طنّوس التدخل لقمع الانتفاضة، فانقسم الجيش طائفياً، وانشقت ألوية بكاملها. اضطر الجميّل إلى التوجه نحو دمشق، فأُلغي اتفاق 17 أيار في 5 آذار 1984، وأُرغم طنّوس على الاستأوضحة. الدرس واحد: إدخال الجيش في الانقسام يفككه، وحياده يحفظ الوطن. وهو درسٌ راهن لا تاريخيّ فحسب: فقائد الجيش اليوم، إذ يصمد في وجه ضغوطٍ هائلة لتحميل المؤسسة مهامّ قد تشقّها، إنّما يخطو خطى شهاب لأنّ الجيش لا يكون درعاً للبنان إلّا بإجماعٍ وطنيّ. وهي قاعدةٌ كونية: في الدول التوافقية، الإجماع سابقٌ على الأكثرية، وكسرُه - كما في يوغوسلافيا - مقدّمةُ تفتّت.

المادة 95

الفقرة (ي) من مقدمة الدستور تؤسس للمبدأ، فيما تكرّسه المادة 95 التي تنص على أن «الطوائف تتمثَّل بصورة عادلة في تشكيل مجلس الوزراء». وعليه، تصبح الميثاقية في جوهرها تعبيراً عن المناصفة وتمثيل المكوّنات الطائفية، وأي قرار مصيري يتجاوز هذا التوازن يُعدّ خرقاً للمسار الدستوري. في اللحظة الراهنة، يُسجَّل إقصاء مزدوج: الأول ذو طابع طائفي، إذ يُستبعد المكوّن الشيعي بمختلف تمثيلاته من القرار المصيري، سواء بري بوصفه الموقع الدستوري الأول للطائفة، أو المقاومة التي تصدّ العدوان ممثلةً بحزب الله، إلى جانب الكتلتين النيابيتين الشيعيتين الأوسع تمثيلاً والمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى. وهذا الإقصاء، وفق منطق الفقيه رينيه كابيتان، يمسّ طبيعة لبنان بوصفه «نظاماً تعاقدياً» (Régime pactiste): الدستور عقد بين المكوّنات تَفقد السلطة شرعيتها التعاقدية حين تُقصي مؤسّساً عنه. الثاني وطني عابر للطوائف، إذ إن قسماً وازناً من اللبنانيين من خارج الطائفة الشيعية (تيارات سنّية ومكونات درزية وشرائح مسيحية وشخصيات وطنية مستقلة)، يتحفظ على خيار التفاوض المباشر مع العدو. بذلك تبدو السلطة في موقع تمثيلي محدود يتجاوز إجماعاً وطنياً أوسع، ما يجعل الإقصاء أخطر، ويجمع بين خرق الفقرة (ي)، وتجاوز المادة 95، وتهميش الإجماع الفعلي. ويُتجاوز بذلك حالُ الحرب المعلنة منذ 1948 ولم تُلغَ، كأنّها شأنٌ إداريّ.

حين يشهد الحالف على حنثه

ما كان تحليلاً نظرياً، باتت تمليه الوقائع على لسان صاحب القسم نفسه. ففي الخامس من حزيران 2026، أطلّ رئيس الجمهورية عبر شبكة أميركية ووصف ما يجري بأنه «حرب بين إسرائيل وحزب الله» - أي نزاع طرفٍ لبنانيّ لا حرب دولةٍ مع محتل - ورأى في المفاوضة «فرصة عظيمة»، وصرّح أن «حالة العداء يجب أن تنتهي إلى الأبد»، وخاطب الأمين العام لحزب الله بأن «الشعب اللبناني ليس شعبك». قابِل هذا بنصّ اليمين: قسمٌ على «إزالة الاحتلال وردّ عدوانه». فحين يحلّ «إنهاء العداء إلى الأبد» محلّ «ردّ العدوان»، لا يكون ذلك اجتهاداً في تطبيق القسم بل نقضاً له بنصّه. أما توصيفه الحرب «بين إسرائيل وحزب الله»، مقروناً بعبارة «الشعب ليس شعبك»، فيكمل الإقصاء الذي حذّرت منه الفقرة (ي): لا شرعية لسلطةٍ تُقصي مكوّناً، ولو نطقت باسم «الشعب» كلّه.

نسف الطائف بالتجاهل

السلطة في لبنان لا تستمد شرعيتها من صناديق الاقتراع وحدها، بل من مدى تطابقها مع الميثاق الوطني. فإذا انحرفت عنه، تبقى لها صلاحيات القانون، لكنها تفقد الاعتراف الوطني، وهو ما يميز بين «المشروعية القانونية» (Légalité) و«الشرعية الدستورية» (Légitimité): الأولى تمنحها النصوص، والثانية يمنحها التوافق الوطني وروح الدستور. وما لم تجتمعا، تبقى الدولة قائمة بإجراءاتها، لكنها مهزوزة في جوهرها. وهنا بيت القصيد: تُقاس السلطة بمدى التزامها بنصوصها، لا بنصوص الآخرين. ومن يخرج عن نصوصه الدستورية، يفقد شرعيته قبل أن يخرجه الناس. فالامتناع عن تطبيق الدستور ليس حياداً، لأن الدولة مدينةٌ بالفعل الذي يعطي النصوص معناها، لا بمجرد الامتناع عن خرقها. والمفارقة أن المقاومة - التي يُصوّرها خصومها أنها خارج إطار الدولة - تجمع المشروعيتين معاً: مشروعية قانونية تستند إلى الميثاق العربي لحقوق الإنسان (المادتان 2/3 و2/4 الخاصتان بإزالة الاحتلال وحق تقرير المصير)، وقراري الجمعية العامة 2625 و3314، والبروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف (1/4). وهي ذاتها المشروعية التي كرّسها اتفاق الطائف حين نصّ على «اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لتحرير جميع الأراضي اللبنانية من الاحتلال الإسرائيلي»، فأبقى الباب مفتوحاً أمام خيار المقاومة كوسيلة تحرير إلى جانب العمل السياسي. وشرعية ميثاقية تستند إلى دفاعها عن الأرض وإجماع وطني عابر للطوائف. فيما السلطة التي تحتكر «المشروعية القانونية» تفرغها من مضمونها حين تنحرف في التطبيق. ومن هنا، فإن أي محاولة لتجاوز إرادة مكوّنٍ تأسيسي في المعادلة اللبنانية، عبر قرار أو إقصاء أو تسوية منفردة، تعني عملياً المساس بجوهر الطائف نفسه. فالاتفاق لم يُصغَ ليُدار بمنطق أكثرية على حساب أقلية، بل ليحكم التوازن بين المكونات. والعقد التوافقي، إذا انكسر، لا يُرمم بالخطابات بل بإعادة إنتاج التوافق أو بالدخول في أزمة مفتوحة. وقد نبّه عدد من فقهاء الدستور اللبناني إلى هذا المعنى، وفي مقدمتهم الراحل محمد المجذوب، الذي شدّد على أن الشرعية الخارجية للبنان تبقى مرهونة بشرعيته الداخلية، وأن أي اهتزاز في الميثاق ينعكس تلقائياً على موقع الدولة كله. وفي المحصلة، من يريد لبنان دولةً مستقرة، فعليه أن يعيد الميثاق إلى مركز القرار، وكل الطوائف إلى موقعها التأسيسي. فلبنان دولة توافقية، حين تُدار بمنطق الغلبة، لا يخسر طرف واحد، بل يفقد الجميع سقف الدولة نفسه. كرسي شمعون يشهد على صيف 1958، وكرسي الجميّل على 17 أيار. الكراسي تبقى. والذين جلسوا عليها بلا ميثاق، يكتب التاريخ أسماءهم في الهامش. الكاتب: مجتبى الحسيني 9 حزيران 2026 المصدر: الاخبار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى