“الوحدة 121” وشبح الاغتيالات: بين التحذير السياسي، السردية الإسرائيلية، وما تثبته الوقائع
المقال المتداول في “نداء الوطن” عن “الوحدة 121” ليس خبرًا أمنيًا رسميًا

**وكالة نيوز أجِنسي — وحدة التحقيقات الاستقصائية**
** “الوحدة 121” وشبح الاغتيالات: بين التحذير السياسي، السردية الإسرائيلية، وما تثبته الوقائع**

**تاريخ:** 23 أيار / مايو 2026، 09:00
المقال المتداول في “نداء الوطن” عن “الوحدة 121” ليس خبرًا أمنيًا رسميًا ولا كشفًا قضائيًا جديدًا، بل قراءة سياسية ـ أمنية تستند أساسًا إلى تقديرات إسرائيلية وغربية، وإلى سجل طويل من الاغتيالات السياسية في لبنان. الفكرة المركزية في المقال هي أن الضغط المتزايد على حزب الله قد يعيد طرح احتمال استخدام الاغتيالات كأداة ردع داخلية. هذه فرضية مطروحة في مصادر عبرية وغربية ولبنانية، لكنها لا ترقى وحدها إلى واقعة مثبتة أو إنذار رسمي لبناني منشور.
أولًا: أصل المضمون
نُشر مقال “الوحدة 121… هل يعود شبح الاغتيالات؟” في “نداء الوطن” بتاريخ 23 أيار / مايو 2026، الساعة 02:04 فجرًا، وكتبه زياد البيطار. المقال يربط بين تاريخ الاغتيالات السياسية في لبنان، والضغوط الراهنة على حزب الله، والتحذيرات الإسرائيلية/الغربية من احتمال عودة “الوحدة 121” إلى العمل ضد شخصيات سياسية وإعلامية معارضة. المادة نفسها أحالت إلى تقديرات منسوبة إلى مركز معلومات الاستخبارات والإرهاب الإسرائيلي/معهد مئير عميت، كما نقلت عنها “جيروزاليم بوست”.
المضمون لم يبقَ محصورًا في “نداء الوطن”. موقع “الكتائب” أعاد نشر المادة نفسها مع الإشارة إلى أن المصدر هو “نداء الوطن”، كما نشرتها MTV بصيغة مقتبسة. هذا يعني أن التداول اللبناني للمادة قائم، لكنه في جزء كبير منه إعادة نشر وتحويل سياسي وإعلامي لمضمون واحد، لا تعدد مصادر مستقلة تثبت المعطى الأمني نفسه.
ثانيًا: ماذا تقول المصادر العبرية؟
المصدر العبري/الإسرائيلي الأبرز هو “جيروزاليم بوست”، الذي نشر في 17 أيار / مايو 2026 مادة تقول إن حزب الله قد يعود إلى الاغتيالات السياسية مع تراجع قبضته داخل لبنان، نقلًا عن خبير مرتبط بمركز مئير عميت. المادة تتحدث عن ضغط سياسي وقانوني ومالي على حزب الله، وعن تقدير بأن أول ضربة، إن حصلت، قد تكون “رمزية” لترهيب الخصوم أو دفع الدولة إلى التراجع. هذا تقدير أمني ـ سياسي صادر من بيئة إسرائيلية، وليس معلومة لبنانية رسمية.
قناة “كان” وYnet أعادتا في تشرين الثاني / نوفمبر 2025 سردية الجيش الإسرائيلي عن “الوحدة 121”، مركّزتين على اتهام حزب الله باغتيال إلياس الحصروني في عين إبل عام 2023، وعلى تقديم “الوحدة 121” كذراع سرية داخلية تستهدف معارضين لبنانيين للحزب. هذه المصادر تنقل موقف المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، ولذلك يجب التعامل معها كاتهام استخباري إسرائيلي لا كحكم قضائي لبناني أو دولي.
مركز Alma الإسرائيلي نشر بدوره ملفًا عن “الوحدة 121” بعد إعلان الجيش الإسرائيلي عن قضية الحصروني، وعرّفها بأنها من أكثر الوحدات السرية في حزب الله، وأنها تعمل بأوامر مباشرة من القيادة. لكن هذا المصدر أيضًا جزء من بيئة بحثية إسرائيلية قريبة من المقاربة الأمنية الإسرائيلية، ولا يقدّم بديلًا عن التحقيق القضائي اللبناني أو الدولي.
ثالثًا: ماذا تقول المصادر الغربية والدولية؟
المرتكز القضائي الأقوى يبقى ملف المحكمة الخاصة بلبنان في اغتيال الرئيس رفيق الحريري. وكالة اسوشييد برس ذكرت أن المحكمة الدولية دانت ثلاثة أعضاء في حزب الله في قضية اغتيال الحريري، وحكمت عليهم غيابيًا بالسجن المؤبد، مع تأكيد أن حزب الله نفى تورطه ورفض التعامل مع المحكمة. في الوقت نفسه، أشارت AP إلى أن قضاة المحكمة قالوا إنه لا يوجد دليل على تورط قيادة حزب الله أو سوريا في الهجوم. هذه نقطة أساسية في أي تحقيق مهني: هناك إدانة لأفراد، لكن لا يوجد حكم قضائي يثبت مسؤولية القيادة السياسية للحزب ككيان.
في المقابل، ذهبت مصادر أميركية وتحليلية أبعد من الحكم القضائي. “واشنطن بوست” كانت قد نقلت عام 2020 عن مسؤولين سابقين أن سليم عياش كان جزءًا من فريق اغتيالات تابع لحزب الله يعرف باسم “الوحدة 121”، وأن مصادر أمنية نسبت إلى هذه الوحدة اغتيالات أخرى بين 2007 و2013. هذه معلومات منسوبة إلى مسؤولين، وليست حكمًا صادرًا عن المحكمة الخاصة بلبنان.
معهد واشنطن كرر هذه السردية في أكثر من مادة، واعتبر أن سليم عياش كان ضمن “الوحدة 121”، وأن الاغتيالات السياسية غير المحاسبة تشكل جزءًا من مشكلة الإفلات من العقاب في لبنان. لكن المعهد نفسه طرف بحثي وسياسي أميركي معروف بموقف متشدد من حزب الله، لذلك تُستخدم مواده كمصدر تحليلي، لا كمصدر قضائي محايد.
رابعًا: قضية إلياس الحصروني
قضية إلياس الحصروني هي الحلقة التي أعادت “الوحدة 121” بقوة إلى التداول العبري واللبناني. في تشرين الثاني / نوفمبر 2025، قال الجيش الإسرائيلي إن حزب الله، عبر “الوحدة 121”، يقف وراء مقتله في آب / أغسطس 2023. “لوريان توداي” نقلت الاتهام الإسرائيلي، لكنها سجّلت بوضوح أن المتحدث الإسرائيلي لم يقدّم دليلًا علنيًا على هذه الاتهامات، وأن مصدرًا في حزب الله وصفها بالكذب ودعا إلى الاعتماد على تحقيق الدولة اللبنانية. كما أوردت أن التحقيق اللبناني في القضية تعثّر ولم يصل إلى نتيجة معلنة.
“نهارنت” نقلت الرواية الإسرائيلية نفسها بصيغة “الجيش الإسرائيلي يزعم/يدّعي”، وهو توصيف مهني مهم. هنا أيضًا، لدينا اتهام إسرائيلي، وشبهات لبنانية محلية، وفيديوهات أو معطيات متداولة حول ظروف الوفاة، لكن لا توجد نتيجة قضائية لبنانية منشورة تحسم الجهة المنفذة.
خامسًا: ملف انفجار المرفأ والضحايا المرتبطون به
في كانون الأول / ديسمبر 2025، اتهم المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي “الوحدة 121” بالوقوف وراء مقتل أربع شخصيات لبنانية قال إنها كانت قد امتلكت أو أشارت إلى معلومات مرتبطة بانفجار مرفأ بيروت: جوزيف سكاف، منير أبو رجيلي، جو بجاني، ولقمان سليم. “لوريان توداي” نقلت هذه الاتهامات، لكنها شددت أيضًا على أن حزب الله ينفي التورط، وأن التحقيقات لا تزال غير مكتملة. هذه الصيغة هي الأكثر دقة: هناك اتهامات إسرائيلية وسياق شبهة، لكن لا توجد أحكام قضائية نهائية.
موقع “جنوبية” نقل البيان الإسرائيلي نفسه، ولاحظ أن الجيش الإسرائيلي نفسه أقرّ بأن حزب الله ينفي التورط وأن التحقيق لم يكتمل في أي من هذه الحالات. هذه نقطة حاسمة: حتى المصدر الناقل للرواية الإسرائيلية يعرضها كرواية اتهامية لا كحقيقة قضائية نهائية
أما “لوريان توداي” في تحقيق “The Ghosts of Hangar 12” فطرح خيطًا استقصائيًا حول سلسلة وفيات واغتيالات مرتبطة بملف مرفأ بيروت، لكنه لم يحوّل ذلك إلى حكم نهائي. قيمة هذا التحقيق أنه يجمع عناصر الشبهة ويعرض فجوات التحقيق الرسمي، لا أنه يثبت وحده وجود عملية منظمة واحدة خلف كل الحالات.
سادسًا: السياق الراهن الذي يغذي التحذيرات
تزامن عودة ملف “الوحدة 121” إلى التداول مع ضغط أميركي مباشر على حزب الله وحلفائه. في 21 أيار / مايو 2026، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على تسعة أفراد في لبنان، بينهم نواب ومسؤولون وشخصيات مرتبطة بحزب الله أو متهمة بالحفاظ على نفوذه داخل مؤسسات الدولة وعرقلة مسار نزع السلاح. Reuters نقلت أن الخزانة اعتبرت أن هؤلاء يعملون على إبقاء نفوذ حزب الله في البرلمان والقطاعات العسكرية والأمنية.
هذا الضغط لا يثبت بذاته أن اغتيالات ستقع. لكنه يفسر لماذا تستخدم مصادر إسرائيلية وغربية مقاربة “الضغط يولّد خطر العنف الداخلي”. المعادلة المطروحة في هذه المصادر هي: كلما اشتد الضغط على سلاح الحزب، تمويله، وموقعه السياسي، زادت المخاوف من عودة أدوات ترهيب داخلية. هذه قراءة احتمالية، لا واقعة مثبتة.
سابعًا: التقييم
القول إن “الوحدة 121” موجودة ومتداولة في مصادر إسرائيلية وأميركية وغربية صحيح. كما أن اسمها ارتبط علنًا بسليم عياش وقضية الحريري وبعدد من الاغتيالات السياسية في لبنان. لكن الفرق الجوهري أن ملف الحريري هو الوحيد الذي يملك أساسًا قضائيًا دوليًا واضحًا، مع إدانة أفراد محددين، بينما تبقى معظم الملفات الأخرى في مستوى الاتهام، الشبهة، التحليل، أو التحقيق غير المكتمل.
القول إن حزب الله قد يعود إلى الاغتيالات السياسية هو تقدير موجود في مصادر عبرية وغربية، خصوصًا معهد مئير عميت و”جيروزاليم بوست” ومواد لبنانية ناقلة عنها. لكنه لا يرقى إلى معلومة أمنية مثبتة ببيان رسمي لبناني أو وثيقة قضائية أو توقيفات معلنة. لذلك، الصياغة المهنية ليست: “حزب الله قرر العودة إلى الاغتيالات”، بل: “مصادر إسرائيلية وغربية تحذر من احتمال عودة الاغتيالات في ظل الضغط المتزايد على حزب الله، من دون دليل علني حاسم على قرار تنفيذي راهن”.
القول إن إلياس الحصروني أو لقمان سليم أو ضحايا ملف المرفأ قُتلوا جميعًا على يد “الوحدة 121” غير مثبت قضائيًا. الأدق: إسرائيل نسبت هذه الملفات إلى “الوحدة 121”، وبعض القوى والشخصيات اللبنانية تبنّت أو قاربت هذه الرواية، فيما حزب الله ينفي، والتحقيقات الرسمية لم تصدر نتائج حاسمة.
نحن أمام ملف مركّب لا يجوز اختزاله في اتجاه واحد. هناك تاريخ لبناني طويل من الاغتيالات السياسية، وهناك حكم دولي في قضية الحريري دان أفرادًا من حزب الله، وهناك سردية أميركية/إسرائيلية متماسكة حول “الوحدة 121”، وهناك مصادر لبنانية معارضة تتبنى هذه السردية أو توظفها سياسيًا. في المقابل، لا توجد حتى 23 أيار / مايو 2026، 09:00، وثيقة لبنانية رسمية أو حكم قضائي جديد يثبت أن “الوحدة 121” فعّلت خطة اغتيالات جديدة داخل لبنان.
**درجة التثبيت:**
وجود مقال “نداء الوطن” وتداوله لبنانيًا: مثبت.
وجود تقديرات إسرائيلية وغربية عن احتمال عودة الاغتيالات: مثبت.
إدانة أفراد من حزب الله في ملف اغتيال الحريري: مثبت قضائيًا.
إثبات مسؤولية قيادة حزب الله أو سوريا عن اغتيال الحريري: غير مثبت بحسب المحكمة الخاصة بلبنان.
نسبة اغتيال الحصروني وملفات المرفأ ولقمان سليم إلى “الوحدة 121”: اتهامات إسرائيلية وشبهات سياسية، لا أحكام قضائية نهائية.
وجود قرار حالي بالعودة إلى الاغتيالات: غير مثبت .
ملف “الوحدة 121” عاد إلى الواجهة لأنه يخدم قراءة سياسية ـ أمنية أوسع: حزب الله تحت ضغط غير مسبوق، وإسرائيل والولايات المتحدة تدفعان باتجاه نزع سلاحه، وبعض المصادر الإسرائيلية ترى أن الحزب قد يلجأ إلى التخويف الداخلي أو العنف السياسي إذا شعر بأن بنيته مهددة. هذه قراءة تستحق المتابعة، لكنها لا تكفي وحدها لإعلان عودة شبح الاغتيالات كحقيقة واقعة.




