ماذا وراء نقل التفاوض من هرمز إلى النووي؟
في كل نظام سياسي، ثمة فرق جوهري بين ما يحدث وما يُقال إنه يحدث. هذا الفرق ليس عرضاً ولا خطأً في التغطية، بل وظيفة أساسية من وظائف الإعلام في المجتمعات التي تُدار فيها السياسة الخارجية بوصفها شأناً نخبوياً، لا شأناً عاماً. فوسائل الإعلام الكبرى، وهي مؤسسات اقتصادية وسياسية قبل أن تكون منصات للأخبار، لا تنقل الوقائع كما هي، بل تنتقيها وترتبها وتؤطرها وفق مصالح من يملكون القرار. وقد وثّقت أدبيات نقد الإعلام هذا الأمر منذ عقود، لكنه لا يتجلّى بأوضح صوره إلا حين يقترب استحقاق انتخابي، لأن الانتخابات هي اللحظة التي تصبح فيها الرواية الرسمية ضرورة سياسية أكثر منها وصفاً للواقع.
في هذه اللحظة بالضبط، يبرز مضيق هرمز كنموذج يستحق التأمل. فقبل أشهر، كانت واشنطن تتحدث عن المضيق بوصفه ورقة إيرانية خطيرة، وعن ضرورة فتحه شرطاً لأي تفاوض. ثم تغيّر الخطاب فجأة: المضيق مفتوح بالكامل، وواشنطن تسيطر عليه، وملايين البراميل تعبره يومياً. هذا التحول لم يقترن بتغيّر في الوقائع الميدانية بالقدر الذي اقترن بتغيّر في الحاجة السياسية. فالسردية الجديدة تخدم غرضاً انتخابياً واضحاً: أن يقول الرئيس إنه انتصر، وأن الحرب حققت أهدافها، وأن الاقتصاد في أمان.
لكن أسواق النفط لا تصوّت. وهي لا تقرأ البيانات الرسمية، بل تقرأ المخاطر. وحين يرتفع خام دبي إلى نحو 116 دولاراً، وبرنت الفوري إلى 124 دولاراً، وحين تصل أسعار الديزل بالجملة إلى 200 دولار للبرميل في أسواق رئيسية، فإن السوق يقول شيئاً مختلفاً تماماً عما يقوله البيت الأبيض. هذا التناقض ليس مصادفة، بل هو السمة البنيوية لنظام إعلامي ينتج الرواية التي تخدم السلطة، ويترك السوق يكشف ما تخفيه.
وهنا يصبح السؤال المركزي ليس ما إذا كان مضيق هرمز قد فقد أهميته، فهذه صياغة مضللة تخدم السردية الرسمية. السؤال الحقيقي هو: من يتحكم في رواية المضيق، ولماذا أُعيد البرنامج النووي الإيراني إلى صدارة التفاوض بدلاً منه؟ الإجابة لا تكمن في الوقائع العسكرية، بل في منطق السلطة الذي يحدد ما يُقال، ومتى يُقال، ولمصلحة من.
هرمز بين رواية السيطرة وواقع السوق
مؤسسات تتبع الملاحة الدولية تقدّر أعداد السفن العابرة للمضيق عادة بين 6 و10 سفن يومياً، نزولاً من 120 إلى 140 سفينة قبل الحرب. هذه الأرقام تقرأها طهران بوصفها مصداقاً لروايتها، بينما تقلل واشنطن من شأنها بذريعة أن هذه المؤسسات لا تستطيع رصد السفن التي تعطل أجهزتها، وتقودها سفن حربية أميركية من ممرات جنوبية آمنة تحت جنح الظلام. والحقيقة أن الأرقام الدقيقة باتت ضحية أخرى من ضحايا حرب السرديات، سيما حين ينطق بها دونالد ترامب، الرجل الذي اشتهر بعدم احترام الأرقام التي لا تخدم مصالحه.
لكن جولة على أسعار النفط تشي بأن الحال في المضيق ليس على ما يرام. خام دبي، الأقرب في مواصفاته للنفط الإيراني، ارتفع إلى نحو 116 دولاراً للبرميل، فيما تنافس الصين المشترين الأوروبيين على خامات شبيهة بخامات بحر الشمال، ما يضغط صعوداً أيضاً على برنت. وبرنت الفوري وصل إلى نحو 124 دولاراً للبرميل، بينما تبقى العقود الآجلة فوق 100 دولار. والفارق الواسع بصورة غير معتادة بين السعر الفوري والآجل يشير إلى ضغط حاد في السوق الفورية، لا إلى مضيق “مفتوح بالكامل” كما تقول السردية الأميركية.
وأثقل من ذلك، أن الديزل يضيف طبقة أخرى من الأزمة. الأسعار بالجملة قاربت 200 دولار للبرميل في أسواق رئيسية، بينما وصلت أسعار المضخات الأميركية إلى نحو 6.50 دولارات للغالون، وهو رقم قياسي يغضب الشاحنين والمزارعين قبل أسابيع من الانتخابات النصفية. هذا الرقم ليس تفصيلاً هامشياً، بل هو مؤشر انتخابي بامتياز في حسابات ترامب.
مبادرة الشروط السبعة
المبادرة التي تقدمت بها طهران، والتي عُرفت بمبادرة الأيام السبعة والشروط السبعة، أرادت بها طهران تقديم “غواية” فتح المضيق سريعاً لترامب. لكنها لم تنجح، ولم تؤتِ أُكُلَها بعد. وتستند الخطة إلى مذكرة تفاهم إسلام آباد المؤلفة من 14 بنداً، لكنها تعيد ترتيب تنفيذ تلك الالتزامات وتضعها في جدول زمني مدته أسبوع واحد. وتتضمن الشروط وقفاً شاملاً للعمليات العسكرية في سبعة أيام بما في ذلك جنوب لبنان واليمن، ورفع العقوبات عن النفط الإيراني، والإفراج عن أصول مجمدة بقيمة 12 مليار دولار، واشتراط الحصول على إذن إيراني للعبور، واستئناف المفاوضات مع واشنطن.
وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن مهلة الأيام السبعة تبدأ لحظة قبول الولايات المتحدة الخطة، بحيث يُفتح مضيق هرمز في اليوم السادس، وتدخل الولايات المتحدة في اليوم السابع من أجل الاتفاق النهائي. والجديد في المقترح استعداد إيران لبدء التفاوض على ملفها النووي خلال سبعة أيام، بدلاً من الستين يوماً الواردة في مذكرة التفاهم.
لكن ترامب رفض المقترح علناً. وقال للصحفيين خارج البيت الأبيض إنهم “يريدون إبرام اتفاق لفتح مضيق هرمز على الفور لأنهم يتكبدون خسائر فادحة”. وتكشف المصادر عن الرد الأميركي الرسمي الذي تسلّمه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، والذي يتضمن خريطة طريق تطالب إيران بوقف عرقلة الملاحة في مضيق هرمز، وتجميد تخصيب اليورانيوم، والسماح للمفتشين الدوليين بدخول منشآتها النووية طوال فترة التفاوض على اتفاق شامل. وفي المقابل، تلتزم واشنطن برفع الحصار عن الموانئ الإيرانية وتعليق جزء من العقوبات، على أن يبقى استمرار هذا التعليق مرتبطاً بسلوك طهران.
لماذا عاد النووي إلى الصدارة؟
السؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا أخرجت واشنطن أزمة مضيق هرمز من دائرة البحث والتفاوض، وصدّرت البرنامج النووي الإيراني رأس أولوياتها التفاوضية، باعتباره شرطاً مسبقاً لأي اتفاق، وهي التي كانت قبلت في مذكرة إسلام آباد بإرجائه إلى مرحلة لاحقة؟
ثمة تفسيران يتصارعان في قراءة هذا التحول. الأول يقول إن “إحساس ترامب بأن إيران ترزح تحت وطأة العقوبات والحصار، قد أنهكت أو هي بصدد أن تنهك، وأن قدرتها على الصمود بات مشكوكاً بها، فبدأ يتشدد ويرفع في سقف مطالبه”. وهذا التفسير يجد سنداً في ما يقول مسؤولون ووسطاء عرب من أن إيران لم تقدم أي تنازلات منذ أن رفض ترامب عرض وقف إطلاق النار الأخير. لكن في المقابل، تقول مصادر أخرى إن طهران تعتقد أن ترامب والحزب الجمهوري سيخسران انتخابات التجديد النصفي، وهو ما قد يزيد من استعداده لاستخدام القوة.
التفسير الثاني يقول إن “ترامب ما زال متلهفاً لإغلاق حسابه مع إيران، وأن شروطها السبعة لفتح المضيق صعبة للغاية وغير قابلة للبلع والهضم، ما لم تضاف إليها جرعة نووية تحسن شروط الصفقة أمام جمهوره”. فترامب في الأساس لا يرغب بالعودة إلى ساحات حرب مفتوحة مع إيران وحلفائها، ومن هنا جاء الزج بالبرنامج النووي، ليصبح الاتفاق بشأنه شرطاً مسبقاً لأي تقدم للدبلوماسية. وكشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” أن الوسطاء يضغطون على طهران لتقديم تنازلات واضحة بشأن برنامجها النووي، مقابل إحياء محادثات السلام، وأن ترامب سعى إلى إعادة صياغة الصراع ليركز على هدفه الحربي الأصلي: منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وتحويل مسار المحادثات بعيداً عن قضية تحرير مضيق هرمز من قبضة إيران.
في النهاية، المضيق ليس فقط ممر مائي. إنه مرآة تظهر هشاشة السرديات، وتكشف أن ما يُقدَّم كـ”سيطرة” ليس سوى إدارة للأزمة. والنووي ليس ملفاً بديلاً، بل غطاءً ضرورياً للحفاظ على ماء الوجه في لعبة تفاوضية لا أحد فيها يريد الاعتراف بأن الكرة ما زالت في ملعب الطرف الآخر.
المصدر الأصلي: alkhanadeq.com




