عاجل | القطب الثالث… استحالة القطيعة مع واشنطن وعجز منافسة إيران
عاجل | القطب الثالث... استحالة القطيعة مع واشنطن وعجز منافسة إيران
لعقود، لم تكن دول كثيرة في المنطقة مضطرة إلى التفكير في شكل النظام الإقليمي الذي تستطيع بناءه بنفسها، حيث كانت متكلة على ما تؤمّنه الولايات المتحدة، وكانت العلاقة معها كافية، أو هكذا بدا الأمر. لكن الحرب على إيران أصابت هذه المعادلة في المقتل. فالدول التي راهنت على الحماية الأميركية وجدت نفسها تدفع كلفة حرب لم تخترها، واكتشفت أن وجود القواعد الأميركية والتحالف مع واشنطن لا يعني بالضرورة قدرتها على تجنب تداعيات الحروب التي تخوضها.
كان يمكن لهذا التحول أن يدفع هذه الدول نحو إيران، القوة الإقليمية التي بنت طوال عقود نموذجها خارج الهيمنة الأميركية. لكن هذا الخيار لن يناسب دول الخليج، ولا بقية الدول التي يجري الحديث عنها اليوم بالتأكيد. فالاقتراب من إيران له تبعات ليست مستعدة لتحملها، إذ يعني الاقتراب من مشروع له عقيدته والتزاماته وقضيته، ومن تجربة دفعت ثمن استقلالها عقوبات وحصاراً وحروباً. وهذه كلفة لا تريد السعودية وتركيا وقطر ومصر وباكستان تحملها.
لكن هذه الدول لا تريد في الوقت نفسه الانفصال عن الولايات المتحدة. فهي تريد الاحتفاظ بعلاقاتها الأمنية والاقتصادية معها، مع الحصول على مساحة أوسع لحماية مصالحها عندما تختلف أولوياتها عن أولويات واشنطن. كما أنها لا تستطيع أن تقدم نموذجاً موازياً للنموذج الإيراني، حتى لو امتلكت مجتمعة أموالاً وجيوشاً وعلاقات.
من هذا المنطلق بدأت ملامح القطب الثالث تتشكل. لكن تشكيله شيء والقدرة على رسم المنطقة شيء آخر. وهنا السؤال حول ما إذا كانت هذه الدول تملك فعلاً مشروعاً يجمعها، أم أن ما يجمعها حتى الآن هو حاجتها إلى مكان تقف فيه بين قطبين لا تستطيع الارتهان بالكامل للأول ولا تحمل تبعات الانضمام إلى الثاني.
ما يجري اليوم يقدم أول اختبار لهذا السؤال. فبحسب معلومات نشرتها صحيفة "الأخبار" اللبنانية، تبلورت خلال الأسابيع الماضية فكرة تركية - قطرية لمشروع إقليمي واسع، قبل أن يحملها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب. تقوم الفكرة على توفير الاستقرار السياسي والأمني في المنطقة بما يسمح بإطلاق مشاريع اقتصادية كبرى، مع تركيز خاص على العراق وسوريا ولبنان، انطلاقاً من أن استمرار الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية يشكل عائقاً أمام أي استقرار يمكن البناء عليه.
وهذا يعطي انطباعاً أوضح حول طبيعة القطب الجديد. فتركيا وقطر، رغم بحثهما عن مساحة إقليمية أوسع، لم تتوجها إلى بناء مشروع خارج المظلة الأميركية، بل طلبتا من الولايات المتحدة نفسها أن ترعاه. وحتى في مواجهة السلوك الإسرائيلي الذي تعتبره أنقرة سبباً رئيسياً لعدم الاستقرار، يبقى الرهان على أن تضغط واشنطن على حليفتها وتدفعها إلى الانسحاب من الأراضي التي تحتلها في لبنان وسوريا.
فهذا القطب يحاول معالجة نتائج السياسات الأميركية والإسرائيلية من دون الدخول في مواجهة مع واشنطن، ويريد الحد من التهديد الإسرائيلي من دون أن يتحمل كلفة مواجهته، كما يريد احتواء قوى المقاومة بقيادة إيران من دون أن يمتلك حتى الآن بديلاً يؤدي الدور الذي جعل هذه القوى جزءاً أساسياً من معادلة المنطقة.
وتظهر هذه المشكلة بوضوح في لبنان. فالمشروع يفترض أن الانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات يمكن أن يفتحا الطريق أمام ترتيبات جديدة "تعالج ملف حزب الله"، فيما تصر "إسرائيل" على ربط انسحابها بالسلاح والترتيبات الأمنية. وهكذا يعود المشروع إلى نقطة البداية حيث يحتاج نجاحه إلى قدرة أميركية على إلزام "إسرائيل" بما لم تستطع واشنطن، أو لم ترد، فرضه عليها حتى الآن.
لذلك فإن الاختبار الحقيقي لهذا القطب لا يتعلق بحجم اقتصاد الدول التي يمكن أن تنضوي فيه أو بعدد الجنود الذين تملكهم. ما يحتاج إلى إثباته خصوصاً أمام واشنطن هو قدرته على تحويل "مطالب" دول مختلفة إلى مشروع سياسي مستقل. وهنا تكمن المعضلة، لأن الدول الخمس التي يجري الحديث عنها تملك عناصر متفاوتة، لكن لكل واحدة منها قيودها الخاصة التي تجعل قدرتها على تقديم نموذج يشبه النموذج الإيراني مستبعد.
السعودية تبدو من حيث الإمكانات مرشحة لقيادة القطب الناشئ. نظراً لجهة المال ولكونها "المملكة العربية" التي هي أولى بشؤون المسلمين وقضاياهم وعلى رأسها فلسطين. كما بنت على مدى عقود شبكة واسعة من العلاقات والنفوذ داخل عدد من دول المنطقة. وفي لبنان تحديدًا، شكل الحضور السعودي مظلة سياسية تقليدية لقوى وشخصيات، ولا يزال هذا النفوذ حاضرًا داخل مؤسسات الدولة.
لكن السعودية اليوم تقدم نموذجًا مختلفًا تمامًا عن النموذج الذي بنت عليه إيران موقعها الإقليمي.
حيث أعادت ترتيب أولوياتها الداخلية والخارجية حول التنمية الاقتصادية والانفتاح والاستقرار، وتراجعت مكانة الدين في مشروعها السياسي، فيما بقيت علاقتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة ركيزة أساسية في أمنها. ويضاف إلى ذلك مسار التقارب والتطبيع المحتمل مع "إسرائيل" الذي كان قائماً بقوة قبل 7 أكتوبر، ما يشكل معرقلا أمام قدرتها على تقديم نفسها مركزًا لمشروع عربي وإسلامي قادر على مواجهة الهيمنة الإسرائيلية في المنطقة. على عكس نموذج الجمهورية الإسلامية الذي قام على دعم القضية الفلسطينية واعتبارها مركز الأمة، والعداء المطلق للكيان الإسرائيلي وأميركا.
تركيا، في المقابل، تبدو أكثر اندفاعًا لمحاولة توسيع حضورها في ساحات معينة، ولبنان واحد منها. فالتحركات التركية الأخيرة لا تنفصل عن مشروع أوسع تسعى من خلاله أنقرة إلى تثبيت موقعها كقوة إقليمية مؤثرة، مستفيدة من علاقتها بالنظام السوري الجديد ومن شبكة علاقات تعمل على توسيعها داخل لبنان. وفي مقابل المظلة السعودية التقليدية، تظهر محاولات لبناء مظلة تركية ذات خلفية سياسية مختلفة، وهو مسار يثير حذر شريحة واسعة من القوى اللبنانية التي لا تنظر بإيجابية إلى دخول تركيا على الخط.
فالمشروع التركي لم يكن يوماً مسالماً أو بدون أهداف كبرى. لأن أنقرة التي تسعى لتحدي التوسع الإسرائيلي تريد أيضاً تحدي إيران التي تعتبر أنها كانت حاصلة على النفوذ في سوريا ولبنان. ولذلك فإن تقديم تركيا بوصفها بديلًا إقليميًا لن يقدم للمنطقة نموذجاً مستقل، بقدر رغبته في احتكار الدول المحيطة.
صحيح أن تركيا تملك جيشًا وصناعة عسكرية وطموحًا يتجاوز حدودها، لكن هذه القوة لا تجعل نموذجها شبيهًا بالنموذج الإيراني. فهي عضو في حلف شمال الأطلسي، وترتبط مصالحها الاقتصادية بالغرب، وتتعامل مع الولايات المتحدة باعتبارها شريكًا تحتاج إليه في تثبيت ترتيبات المنطقة، حتى عندما تختلف معها في بعض الملفات.
وتكشف المبادرة التركية–القطرية الأخيرة هذا التناقض بوضوح. فأردوغان يرى في الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية في سوريا ولبنان عائقًا أمام المشروع الذي يريد بناءه، لكنه يلجأ إلى الولايات المتحدة نفسها لرعايته والضغط على "إسرائيل". وفي الوقت نفسه، يقوم جانب من هذا التصور على احتواء القوى الحليفة لإيران والمساعدة في "حل حزب الله". أي أن أنقرة تريد كبح التمدد الإسرائيلي، لكنها تريد أيضًا أن تكون هي المستفيد من المساحة إذا تراجع فيها نفوذ محور المقاومة.
وهذا يحدد طبيعة النموذج التركي. فأنقرة لا تطرح مشروعًا يقوم على الخروج من النظام الذي تقوده واشنطن، كما فعلت إيران، وإنما تسعى إلى انتزاع موقع أكبر لنفسها داخله وإعادة توزيع النفوذ الإقليمي بما يخدم مصالحها. ولذلك فإن تقدم الدور التركي في لبنان أو سوريا لا يمكن التعامل معه باعتباره عفوياً، بل هو مشروع خطير يجب التنبه منه.
وتظهر المشكلة نفسها، وإن بأشكال مختلفة، لدى بقية الدول المرشحة للانضمام إلى هذا القطب. فمصر تملك ثقلًا عربيًا يجعلها من أكثر دول المنطقة قدرة على التأثير، لكن السنوات الثلاث الأخيرة قدمت لها اختبارًا لم تتجاوزه. فعلى حدودها مباشرة تعرض قطاع غزة لحرب إبادة، من دون أن تتمكن مصر من تحويل موقعها وثقلها إلى قدرة توقف الحرب أو تفرض مسارًا مختلفًا على "إسرائيل". وإذا كانت القضية الفلسطينية وهي المركزية لم تدفعها إلى تجاوز القيود التي تحكم سياستها، يصبح من الصعب تصورها في موقع قيادة مشروع إقليمي يتطلب استقلالًا أكبر في القرار والاستعداد لمواجهة الضغوط الأميركية والإسرائيلية.
أما قطر، فقد بنت قوتها بطريقة مختلفة. فهي دولة صغيرة جغرافيًا، لكنها استطاعت أن تصنع لنفسها نفوذًا كبيرًا من خلال المال والإعلام، وقدرتها على إبقاء قنواتها مفتوحة مع مختلف الأطراف. وهذه تحديدًا نقطة قوتها ونقطة ضعفها في مشروع القطب الثالث. فالدوحة تريد الحفاظ على موقعها كدولة مفتوحة على الجميع، تستطيع التحدث مع إيران وواشنطن وحركات المقاومة وحتى "إسرائيل"، والتدخل كوسيط. وهذا الدور يفقد جزءًا كبيرًا من قيمته إذا انحازت قطر إلى مشروع ذي عقيدة سياسية حادة. لذلك تستطيع الدوحة أن تكون لاعبًا مؤثرًا داخل أي قطب ناشئ، وأن توفر له المال والعلاقات، لكن طبيعة النفوذ الذي اختارت بناءه تجعل من الصعب عليها أن تكون مركز المشروع.
وتبقى باكستان القوة العسكرية الأبرز بين هذه الدول، خصوصًا مع امتلاكها السلاح النووي. لكنها بدورها لم تبنِ مشروعها الاستراتيجي حول قضايا المنطقة، إذ بقيت أولوياتها مرتبطة بصورة أساسية بالهند وأمنها الداخلي ومحيطها المباشر. كما أن شبكة علاقاتها مع الصين ودول الخليج والغرب تجعل سياستها قائمة على موازنة المصالح.
وهكذا يبدو أن الدول الخمس لا تريد الانشقاق الكلي عن محور أميركا "إسرائيل"، ولها مصالح مختلفة مع العدو تمنعها من تقليد النموذج الإيراني الذي عرف منذ البداية المشروع الذي يريد بناءه، وحدد موقعهه بوضوح من الولايات المتحدة و"إسرائيل"، وربط شرعية نفوذه بقضية مركزية، ثم تحمل على مدى عقود الكلفة السياسية والاقتصادية والعسكرية المترتبة على ذلك.
لذلك قد يكون القطب الثالث أقرب حتى الآن، إلى تجمع لعدد من الدول التي أدركت أن الاعتماد الكامل على واشنطن لم يعد كافيًا، لكنها لا تزال تحتاج إليها ولا تريد الانفصال عنها، ولا تقبل في ذات الوقت السير في الطريق الإيراني ولا تستطيع إنتاج نموذج خاص بها يوازيه.
تنويه من موقع "wakalanews":
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر: alkhanadeq.com بتاريخ: . الآراء والمعلومات الواردة في هذا المأوضح لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع "wakalanews"، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.




