عاجل | التفوق العسكري وعجز الاستراتيجية.. تقييم نتائج الحرب الصهيونية على إيران ولبنان
عاجل | التفوق العسكري وعجز الاستراتيجية.. تقييم نتائج الحرب الصهيونية على إيران ولبنان
مثّلت الحرب على إيران ولبنان نموذجًا صارخًا لتداخل النجاح العسكري المحدود مع الإخفاق في بلوغ الأهداف الكبرى. سعت الاستراتيجية الصهيونية-الأميركية إلى حسم سريع يُعيد تشكيل موازين القوى الإقليمية، عبر استهداف مركز الثقل الإيراني وتحييد حلفائه، وفي مقدمتهم حزب الله. غير أن مسار الحرب ونتائجها كشفا حدود هذا الرهان، إذ تحوّلت العمليات العسكرية، رغم دقّتها وكثافتها، إلى حلقة ضمن صراع أوسع وأكثر تعقيدًا، لم يُفضِ إلى الحسم المنشود.
تُقيّم هذه المأوضحة نتائج الحرب على مختلف الجبهات من خلال تحليل الفجوة بين النجاح العملياتي والفشل الاستراتيجي في الساحتين الإيرانية واللبنانية
أولًا: إيران - نجاح عملياتي بلا أثر استراتيجي
تُعدّ الحرب الصهيونية-الأميركية على إيران من أبرز النماذج التي تكشف الفجوة بين التفوق الميداني والإنجاز الاستراتيجي. فبالرغم من اغتيال قيادات عسكرية وأمنية بارزة، وضرب منشآت استراتيجية، وإلحاق أضرار بجزء من البنية الصاروخية والنووية، فإن النتائج اللاحقة أثبتت أن هذه الإنجازات لم تتحوّل إلى مكاسب استراتيجية تتناسب مع حجم الجهد المبذول.
ارتبطت الحرب بأهداف طموحة شملت إضعاف المشروع الإقليمي الإيراني، وتقويض قدرة طهران على إدارة شبكة حلفائها، ومنعها من تطوير قدراتها النووية والصاروخية. بل ذهب بعض دوائر صنع القرار إلى الرهان على إمكانية إسقاط النظام من الداخل. غير أن الحرب كشفت أن هذه الأهداف استندت إلى تقديرات مبالغ فيها حول قابلية النظام للتآكل تحت وطأة الضغوط الخارجية.
بدلًا من أن تؤدي الضربات إلى تفكّك مؤسسات الدولة، أظهرت إيران قدرة على امتصاص الصدمة وإعادة التنظيم، فيما عزّزت الحرب النزعة القومية ووسّعت الالتفاف حول الدولة. وقد رأى الباحث الإسرائيلي داني سيترينوفيتش أن الإنجازات العملياتية تحوّلت إلى عبء استراتيجي، فيما خلص راز زيمت إلى أن الأهداف الثلاثة الكبرى - تغيير النظام، وتدمير البرنامج النووي، وإلحاق ضرر حاسم بمنظومة الصواريخ - لم تتحقق أو تحققت جزئيًا فحسب.
احتفظت إيران بالمعرفة التقنية والبنية البشرية اللازمة لمواصلة مساريها الاستراتيجيين، بل دفعت الحرب بعض تياراتها نحو تعزيز القناعة بضرورة امتلاك أدوات ردع أكثر فاعلية. وفي المحصلة، نجحت الحرب عملياتيًا، لكنها أخفقت في تحويل هذا النجاح إلى إنجاز استراتيجي مستدام.
ثانيًا: لبنان - من الحسم إلى الاستنزاف
تمثّل الحرب على لبنان نموذجًا آخر للفجوة ذاتها. فمنذ البداية، لم تقتصر الأهداف على إضعاف حزب الله عسكريًا، بل ارتبطت بمشروع أوسع يرمي إلى إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية في لبنان، وتقليص النفوذ الإيراني، وفرض ترتيبات أمنية جديدة على الحدود الشمالية.
حقّق الكيان على المستوى العملياتي نجاحات ملموسة؛ وجّه ضربات واسعة للبنية العسكرية واللوجستية للحزب، واستهدف قياداته، وسيطر على بعض المواقع الحدودية. غير أن حزب الله حافظ على قدرته القتالية وأبقى تهديده المستمر على الجبهة الشمالية، مما حال دون ترجمة المكاسب التكتيكية إلى نتائج حاسمة.
مع امتداد المواجهة، تحوّلت الحرب إلى حرب استنزاف مفتوحة أفقدت مبدأ الحسم السريع فاعليته. ونجح حزب الله في التكيّف وفرض نمط قتال يقوم على استهلاك الوقت والموارد. كما أخفقت الحرب في فصل الساحة اللبنانية عن الصراع الإقليمي الأوسع؛ فبدلًا من تقليص الارتباط بين الحزب وإيران، عزّزت التطورات هذا الترابط، وأعادت دمج الملف اللبناني ضمن سياق المفاوضات الإقليمية والدولية.
على الصعيد الداخلي، أبدت الدولة اللبنانية استعدادًا لمواجهة نفوذ الحزب سياسيًا، لكن استمرار العمليات العسكرية أضعف فرص ترجمة هذه التحولات إلى مسار مستدام، ومنح الحزب فرصة لإعادة تقديم نفسه مدافعًا عن لبنان. وهكذا أسهمت القوة العسكرية، بصورة غير مقصودة، في الحدّ من إمكانية نشوء بديل سياسي منافس.
ثالثًا: اليمن - استمرار وحدة الساحات
تجلّى نمط الفجوة ذاته في الساحة اليمنية، فرغم الضربات المتكررة التي استهدفت قدرات أنصار الله، احتفظت الحركة بقدرتها على التأثير الإقليمي. وقد ظهر ذلك جليًا عقب استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، حين صرّحت الحركة وقوفها إلى جانب إيران، مع التلويح بإغلاق باب المندب.
لافتٌ أنه رغم هذا التصعيد، لم تُسجَّل ردود عسكرية أمريكية أو إسرائيلية مباشرة، ما يعكس عدم الرغبة في فتح جبهة إضافية، أو قيودًا عملياتية، أو حسابات مرتبطة بالموقف السعودي. وتكشف هذه المعطيات عن فشل هدف مركزي للحرب يتمثل في تفكيك الترابط بين ساحات المحور، إذ أثبتت الوقائع استمرار قدرة اليمن على الانخراط في المواجهة وتحدّي منطق الحسم المنفرد.
خلاصة
تكشف نتائج الحرب أن النجاح في إلحاق أضرار عسكرية واسعة لم يُفضِ إلى تحوّل جوهري في بنية التهديدات أو سلوك الأطراف المستهدفة. فجميع أطراف المحور أظهرت قدرة على التكيّف وإعادة تنظيم قدراتها، مما حدّ من الأثر الاستراتيجي بعيد المدى للعمليات العسكرية.
يعود ذلك إلى عوامل متعددة: سوء تقدير سلوك الخصم، والمبالغة في تأثير القوة العسكرية، وإغفال التعقيدات السياسية والاجتماعية التي تحكم تماسك الأنظمة وحركات المقاومة. وقد عزّزت الحرب قناعة إيران وحلفائها بضرورة تطوير منظومات الردع ورفع مستوى التكامل بين الساحات، مما يرفع كلفة أي صراع مستقبلي.
ومن ثمّ، لا تبدو ديناميات الصراع متجهة نحو حسم نهائي، بقدر ما تُرسّخ نمطًا من التنافس الاستراتيجي المفتوح، تتراجع فيه قدرة القوة العسكرية وحدها على فرض نتائج سياسية حاسمة، في مقابل تصاعد دور الصمود والتكيّف وإدارة الاستنزاف في تشكيل موازين القوى المستقبلية.
تنويه من موقع "wakalanews":
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر: alkhanadeq.com بتاريخ: . الآراء والمعلومات الواردة في هذا المأوضح لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع "wakalanews"، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.




