أميركا تدفع فاتورة حربها: الديزل والمزارعون والانتخابات في مواجهة ترامب
أميركا
في مشهد يجمع بين التناقض الصارخ والحقيقة المرة، تخرج إيران من شهور الحرب المتقطعة بثقة متزايدة وفهم أدق لقدراتها العسكرية، بينما يغرق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مستنقع من الأزمات الاقتصادية والسياسية التي تهدد باجتياح الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي. هذه ليست قراءة عاطفية للمشهد، بل هي خلاصة تقارير استخباراتية أمريكية صريحة، نقلتها صحيفة “نيويورك تايمز”، تؤكد أن طهران باتت تملك من القوة والإرادة ما يجعلها قادرة على لعب لعبة طويلة الأمد، في الوقت الذي يجد فيه ترامب نفسه محاصراً بفاتورة حرب باهظة يدفع ثمنها المواطن الأمريكي في مضخات الوقود وأسواق الغذاء ومزارعه.
قنبلة الديزل الموقوتة تنفجر في قلب الاقتصاد
لم تكن تحذيرات المحللين مجرد ترهات، بل كانت نبوءات تتحقق بأسرع مما توقعوا. ففي مقال لاذع للكاتب مايك آدامز، وصف فيه أزمة الديزل بأنها “قنبلة موقوتة” بدأت تنفجر بالفعل، حيث تجاوز سعر الغالون في سان فرانسيسكو حاجز الثمانية دولارات، بينما تقترب بقية كاليفورنيا من نفس المستوى. وهذا ليس ارتفاعاً هامشياً، بل هو انهيار هيكلي في نظام التكرير الأمريكي، إذ أغلقت مصافٍ رئيسية في كاليفورنيا وحدها أكثر من 20% من طاقتها الإنتاجية، مما أدى إلى سحب 429 ألف برميل يومياً من السوق في وقت تشتد فيه الحاجة إلى كل قطرة.
والأكثر إثارة للقلق، كما يشير آدامز، هو أن الاقتصاد لا يعتمد على النفط الخام، بل على الديزل. فالنفط الخام مادة أولية غير صالحة للاستخدام المباشر، بينما الديزل هو وقود الحياة اليومية: الشاحنات التي تنقل الطعام، الجرارات التي تزرع وتحصد، القطارات التي تنقل المواد الخام، ومعدات البناء التي تشيد المنازل والمستشفيات. وعندما تتضاعف أسعار الديزل، تتضاعف تكلفة كل هذه الأنشطة، لتتحول الأزمة إلى تضخم شامل يطاول كل سلعة وخدمة.
هذا الانهيار لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة لخيارات سياسية متعمدة وأخطاء جيوسياسية تضافرت في أسوأ توقيت. فإغلاق المصافي المحلية، واستمرار الحرب في الشرق الأوسط، وتعطيل مضيق هرمز، وضرب قدرات التكرير الروسية بطائرات بدون طيار، كلها عوامل أدت إلى تنافس عالمي محموم على مورد غير متوفر أصلاً. المخزونات الأمريكية من الديزل لم تعد تكفي سوى 25 يوماً، وهو أدنى مستوى لها في هذا الوقت من العام منذ عام 1951.
المزارعون يدفعون الثمن الأكبر
في ولايات الغرب الأوسط الأمريكي، حيث يعتمد الاقتصاد بأكمله على الزراعة، تحولت أزمة الديزل إلى كارثة إنسانية واقتصادية. فالمزارعون، الذين دعموا ترامب بنسبة 78% في انتخابات 2024، أصبحوا اليوم يواجهون أسوأ أزمة لهم منذ أربعة عقود. فقد قدرت خسائر هذا العام بـ31 مليار دولار، ومن المتوقع أن ترتفع العام المقبل. فالارتفاع الجنوني في أسعار الديزل جعل تشغيل الجرارات مكلفاً لدرجة أن المزارعين بدأوا يتخلون عن مواسم الزراعة بأكملها، لأن تكلفة مرور جرار واحد على الحقول باتت تفوق أرباحهم المحتملة.
ولم تقتصر الأزمة على الوقود، بل امتدت إلى الأسمدة التي تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة، واضطراب إمداداتها بسبب الحرب والعقوبات. هذا الوضع جعل قطاع الحبوب يمر بأسوأ أزمة منذ عقود، مع ارتفاع تكاليف المدخلات الزراعية بشكل حاد، مما يهدد بتعثر سداد القروض ويجبر المزارعين على تقليص مساحة الأراضي المزروعة. ومع اقتراب موسم تجهيز الأراضي لفصل الشتاء، يزداد الضغط المالي على المزارعين البريطانيين أيضاً، حيث اقترب خام برنت من 97 دولاراً للبرميل، وارتفعت أسعار الوقود بنحو 10% خلال أيام قليلة.
المساعدات التي قدمها ترامب بقيمة 11 مليار دولار كانت مجرد “رقعة” لا تغطي حجم النزيف، إذ رأت منظمات المزارعين أنها غير كافية على الإطلاق، فالخسائر الحقيقية أعلى بكثير. وهذا يعني أن الولاء التاريخي للمزارعين للحزب الجمهوري بات مهدداً، خاصة مع تعثر مفاوضات ترامب مع كندا، السوق المهمة للمنتجات الزراعية الأمريكية. إنها خسارة سياسية في طور التكوين، قد تكون أكثر إيلاماً من أي خسارة عسكرية.
الحرب على إيران ترتد على الداخل الأمريكي
ما يجعل المشهد أكثر تعقيداً هو أن هذه الأزمة الاقتصادية ليست نتيجة كوارث طبيعية أو تقلبات سوقية، بل هي نتيجة مباشرة للحرب التي شنها ترامب على إيران. فبحسب ما نشرته صحيفة “واشنطن بوست”، فإن متوسط سعر الديزل في الولايات المتحدة سجل مستوى قياسياً بلغ 5.85 دولار للغالون بزيادة 60% على أساس سنوي، وهو ارتفاع مباشر مرتبط باستمرار الحرب وتعطيل إمدادات الطاقة من الخليج.
وفيما يبدو ترامب مقتنعاً بأن الحرب تُضعف إيران، تشير التقارير الاستخبارية إلى العكس تماماً. فالاستخبارات الأمريكية تؤكد أنه لا توجد مؤشرات على استعداد إيران لعقد أي اتفاق، وأن طهران تكتفي بتفاقم مشاكل ترامب السياسية والاقتصادية. بل إن إيران، التي يبدو أنها خرجت من الحرب بثقة أكبر، تواصل ضرب القواعد الأمريكية في الخليج وتنفذ هجمات سيبرانية مؤثرة على البنية التحتية الأمريكية، وهي هجمات أقر بها نائب الرئيس جيه دي فانس نفسه.
والأكثر إيلاماً للإدارة الأمريكية هو أن النواب الديمقراطيين بدأوا يعترفون علناً بقوة الموقف الإيراني. فالنائب جيسون كرو يعترف بأن “الإيرانيين يشعرون بثقة كبيرة في موقفهم، ويدركون أنهم قادرون على تحمل الخسائر، وهم يلعبون لعبة طويلة الأمد”. أما زميله جوش غوتهايمر فيعتقد أن “الإيرانيين يمتلكون أقصى قدر من النفوذ، فلماذا لا يستمرون في الضغط على الرئيس؟”.
وفي تناقض صارخ، بينما يعيش المواطن الإيراني على وقود لا يتجاوز سعر العشرين لتراً منه دولاراً واحداً، يعاني المواطن الأمريكي من ارتفاع جنوني في الأسعار. هذا ليس فقط تفوق اقتصادي، بل هو دليل على أن الحرب التي كان يراهن عليها ترامب لإضعاف إيران، قد تحولت إلى سلاح ذو حدين، يجرح صانعه قبل خصمه.
الانتخابات النصفية: مأزق ترامب الوجودي
مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، يتحول كل هذا إلى عبء انتخابي ثقيل على ترامب والحزب الجمهوري. فالنائب الديمقراطي رو خانا دعا صراحة إلى إنهاء الحرب، معتبراً أن ارتفاع أسعار الغذاء والوقود يعكس تكلفتها، ومؤكداً أن الشعب الأمريكي يطالب بإنهائها. وأضاف: “إذا لم تنتهِ الحرب الأمريكية الآن، فلن يكون هناك الضغط الأمريكي نفسه لإنهائها”.
هذا الدعوات لم تأتِ من المعارضة فقط، بل بدأت تظهر أصوات قلق داخل الحزب الجمهوري نفسه. فالعديد من الموالين الذين كانوا يرفعون صوت ترامب، أصبحوا يطالبون بإنهاء الحرب، بعد أن أدركوا أن استمرارها يعني هزيمة تاريخية للحزب في الانتخابات. والسؤال الذي يتردد في أروقة الكونغرس هو: “ماذا بعد هزيمة الجمهوريين في مجلس الشيوخ ومجلس النواب؟ وهل سينتهي الكونغرس الجديد في يناير القادم إلى خطوات عزل ترامب وربما سجنه؟”.
هذا السؤال لم يعد نظرياً، فما حدث للولايات المتحدة من انهيار اقتصادي وارتباك عسكري لم يحدث لأي رئيس أمريكي من قبل. فضاعت القوة الأمريكية على المستوى العسكري والسياسي والاقتصادي، وتآكلت ثقة الناخب في المؤسسات السياسية. وحتى فضيحة إخضاع خمسين شخصاً من هيئة الأركان المشتركة لاختبارات كشف الكذب، في تحقيق غير مسبوق حول تراجع مخزونات الذخيرة، تفضح حجم التآكل في المؤسسة العسكرية.
الاعتماد على الذات أم الاستمرار في المستنقع؟
في خضم هذه الأزمة، يقدم مايك آدامز رؤية بديلة، إذ يعلن أنه باع شاحنته التي تعمل بالديزل واتجه نحو الطاقة الشمسية والمركبات الكهربائية، مشيراً إلى أن الشمس هي المصدر الوحيد للطاقة الذي لا يستطيع أي سياسي أو شركة نفط فرض ضرائب باهظة عليه. ورغم أن لهذا التحول تحدياته، إلا أنه يعكس حالة من الإحباط العميق من النظام القائم، ويدعو إلى اللامركزية والاعتماد على الذات.
لكن السؤال الأكبر الذي يطرحه آدامز: هل يمكن لأميركا أن تخرج من هذا المستنقع بسرعة؟ يبدو أن الإجابة هي “لا”، فمع توقف طاقة المصافي بشكل دائم، واستمرار الحرب في الشرق الأوسط، وانقطاع إمدادات الأسمدة، لن تنتهي هذه الأزمة في غضون عام أو عامين. وبدلاً من البحث عن حلول حقيقية، تنشغل الإدارة الأمريكية بالتهديد بشن حرب اقتصادية على دول أجنبية، بينما يُفلس المزارع الأمريكي وسائق الشاحنة في الداخل.
فاتورة الحرب باهظة.. والجمهوري يدفع الثمن
ما نراه اليوم في الولايات المتحدة ليس فقط أزمة وقود هامشية، بل هو مظهر من مظاهر انهيار استراتيجي شامل، تسبب فيه غرور القيادة السياسية وقراراتها الخاطئة. فالحرب على إيران، التي كان من المفترض أن تضعف طهران، زادتها قوة وثقة، بينما أوقعت الاقتصاد الأمريكي في أزمة وجودية. والمزارعون، الذين كانوا العمود الفقري لدعم ترامب، أصبحوا اليوم ضحيته الأولى.
وفي انتخابات التجديد النصفي، قد يدفع الحزب الجمهوري ثمناً باهظاً لهذه المغامرة، ليس فقط بخسارة المقاعد، بل بفقدان الثقة الشعبية إلى الأبد. أما إيران، فقد أثبتت أن من يمتلك الإرادة والقدرة على تحمل الخسائر، يخرج من أي حرب أقوى مما دخلها، بينما تبقى أميركا ترتعش تحت وطأة قنبلة الديزل الموقوتة التي لم تنفجر فقط، بل دمرت كل ما حولها.
تنويه من موقع “wakalanews“:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews“، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.





