عين على العدو
عاجل | قراءات غربية في استراتيجية الهجوم: كيف ترى إيران الجديدة نفسها؟
خلصت إيران إلى أن تحقيق أهداف الولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة يتطلّب جعل الجمهورية الإسلامية «مكسورة وضعيفة». ولعلّ هذه القناعة هي التي دفعتها إلى إعادة تشكيل استراتيجيتها تجاه حلفائها وتجاه الداخل أيضاً، وفق ما يقرأه مراقبون غربيون في سلوكها الأخير.
🚨 عاجل
📌 ملخص الخبر:
عاجل | قراءات غربية في استراتيجية الهجوم: كيف ترى إيران الجديدة نفسها؟
على الرغم من محاولات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الإيحاء بعدم «التململ» من المفاوضات مع إيران، فإن ردود فعله تكشف، في كلّ مرة تثبت فيها الأخيرة أن لبنان «لن يُترك لمصيره»، ولو أدّى ذلك إلى انهيار المفاوضات مع الولايات المتحدة، أن ساكن البيت غير مستعدّ للتفريط في المسار الدبلوماسي، ما يدفعه، مراراً، إلى اللجوء إلى محاولة «وأد التصعيد» ودعوة طهران إلى العودة إلى المفاوضات. ويكشف الهجوم الإيراني الأخير على الأراضي المحتلّة، ردّاً على استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، طبقاً لمراقبين غربيين، عن تحوّل واضح في مقاربة الجمهورية الإسلامية، قيادةً وشعباً، للصراع مع إسرائيل والولايات المتّحدة، إذ يعتقد هؤلاء المراقبون أن إيران ستدير، في المستقبل القريب، شبكة حلفائها الإقليميين بانضباط استراتيجي أكبر «ورومانسية أيديولوجية أقلّ»، على أن يتمّ «التعامل مع هذه التحالفات كجزء من استراتيجية إقليمية متماسكة تهدف إلى الحفاظ على العمق الاستراتيجي لإيران في مواجهة الضغوط الأميركية والإسرائيلية المستمرّة». وبحسب تقرير نشرته مجلة «فورين أفيرز»، بدأ القادة الإيرانيون يُظهِرون تعاملاً مختلفاً مع شبكتهم الإقليمية، ليس من منطلق الرغبة الأيديولوجية في إظهار السلطة فحسب، ولكن بناءً على الحسابات التي تقول إن إيران لا يمكن أن تتمتّع بالسيادة الكاملة ما دامت تواجه تهديدات عسكرية وخنقاً اقتصادياً من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل.
ومن هنا، فإن إصرار طهران على أن المفاوضات مع واشنطن مشروطة بوقف إطلاق النار في لبنان، وأن الاتفاق النهائي يجب أن ينهي الحرب على الجبهات كافة، ويعكس المكاسب الاستراتيجية التي حقّقتها إيران في الحرب الأخيرة، يكشف أن صنّاع السياسة الإيرانيين أصبحوا يرون أن الهدف الأخير للسياسة الأميركية والإسرائيلية يتمثّل في فرض هيمنة إسرائيل على مختلف أنحاء الشرق الأوسط، وهو ما يتطلّب، في النهاية، بقاء إيران «ضعيفة ومكسورة». وعلى الصعيد الشعبي، يلفت أصحاب الرأي المتقدّم إلى أن دعم محور المقاومة، الذي كان يعتبره العديد من الإيرانيين في السابق بمثابة «صدقة خدمةً لقضية أيديولوجية»، أصبح الآن يُنظر إليه من قبل شريحة أكبر منهم كـ«أداة للدفاع الوطني».
على أن الاستراتيجية المُشار إليها لم تولد في فراغ، بل في ظلّ تحمّل وطأة العدوان ومحاولات «التأقلم» داخلياً وخارجياً مع تداعياته، وصولاً إلى تثبيت معادلة جديدة في مواجهته، من المُرجّح، إلى حدّ كبير، أن تغيّر شكل المنطقة. وهكذا، وبدلاً من أن تؤدّي الحرب إلى كسر الإيرانيين، أدّت إلى تغيير بلادهم بـ«طرق غير متوقَّعة»، ولا سيما أنه لكي يتمكّن نظامهم من البقاء وإرساء مزايا استراتيجية جديدة، كان عليه أن يتكيّف ويبتكر، وأن يغيّر طريقة خوض المواجهة، وإدارة الدولة والمجتمع، وكلّ ذلك بسرعة غير مسبوقة. وبحسب «فورين أفيرز»، فإن طهران الآن واثقة مما حقّقته، ومُصمِّمة على تعزيز تلك المكاسب في الداخل والخارج.
وبعيداً من قادة الصفوف الأمامية الجدد الذين يكثر الحديث عنهم، يبقى الأهمّ هو «التحوّل في الرتب التي تقلّ عنهم»: جيل جديد من قادة «الحرس الثوري» ومسؤولي الأمن المدنيين الذين بلغوا سنّ الرشد بعد ثورة 1979، ويشغلون حالياً مناصب رئيسَة في صنع القرار، وتتركّز نظرتهم القومية عن الحكم والأمن على إعادة تعريف الجمهورية الإسلامية. ويتبنّى أعضاء هذه الفئة من الضباط، إلى جانب المؤسسات الأمنية التابعة لهم، ثقافة تكنوقراطية منظّمة ونظرة استراتيجية مبنيّة حول الدفاع الوطني، لا الأيديولوجيا الثورية. وهم يحكمون بثقة الزعماء الذين يعتقدون أنهم نجحوا في الدفاع عن إيران في حربَين ضدّ قوى متفوّقة عسكرياً، محقّقين، في الوقت عينه، هدفاً واحداً وعدت به الثورة، أي الإضعاف الحقيقي للقوة الأميركية في الشرق الأوسط.
وعلى ما يبدو، يفصل الجيل الجديد الثورة عن فنّ الحكم. وإذ لا يدعو أبناؤه إلى النشاط الثوري، فهم قوميون عمليون متشدّدون يعملون بتقييم واضح لقدرات إيران ونقاط ضعفها. وعلى عكس أسلافهم، فإنهم قادرون على ممارسة الصبر الاستراتيجي والتصرّف بشكل حاسم، وينظرون إلى نقاط ضعف إيران بشكل متكرّر وعلني، ويعاملونها باعتبارها مشاكل تحتاج إلى حلّ، وهو الأمر الذي كان الجيل المؤسّس «لا يشعر بالأمان الكافي» للقيام به، بحسب المصدر نفسه. وهذه النزعة بالذات، هي التي دفعت طهران إلى إجراء «تغييرات» في ما بين الحربَين، تتجلّى نتائجها حالياً، بما في ذلك على الجبهة اللبنانية.
هكذا، وعلى عكس القيادة السابقة، توقّعت القيادة الجديدة لـ«الحرس الثوري» انهيار وقف إطلاق النار الذي أُرسي في حزيران والحرب التي ستليه. وعليه، بدأت الجامعات والمؤسسات البحثية ومراكز الفكر والهيئات الحكومية الإيرانية باستضافة مناقشات حول الدروس المُستفادة والتغييرات المطلوبة. وكانت النتيجة حدوث «تغيير مؤسّسي أكبر في تلك الأشهر الثمانية، مقارنة بالسنوات العشر السابقة مجتمعة».
ويتطرّق بعض المراقبين إلى الطريقة التي اغتيل بها آية الله الراحل، علي خامنئي، في منزله، باعتبارها حدثاً ذا أهمية كبيرة؛ إذ إنه وبدلاً من إحباط النظام، أعطى اغتياله الجيل الجديد من القادة «هدفاً»، فيما تمثّلت أوّل ردة فعل لهم بـ«تعبئة صفوف الجمهورية الإسلامية حول وفاته»، في رسالة جذبت أيضاً شريحة أكبر من المجتمع الإيراني للالتفاف حول العلَم.
وفي وقت لاحق، وعقب إغلاق مضيق هرمز، وتحوّل الحرب الجوية إلى حصار بحري، وجدت الولايات المتحدة نفسها تعترف بأن إيران غيّرت ساحة المعركة. وبعد ثلاثة أشهر، ترى طهران أن سياسة الاحتواء التي انتُهجت ضدّها عقوداً قد انتهى مفعولها، وأن النظام الإقليمي الجديد لن تحدّده الأولوية الأميركية بقدر ما سيتحدّد بالتعدّدية القطبية، ولا سيما أن الصين أصبحت لاعباً مركزياً على نحو متزايد، وإيران لاعباً متكاملاً، لا هامشياً.
وعليه، تعتزم طهران تثبيت هذه المكاسب في أيّ اتفاق ينهي الحرب، فيما يعكس إصرارها على السيطرة على مضيق هرمز وجمع الرسوم من السفن المارّة منه، جنباً إلى جنب شروطها المُسبقة للمحادثات، أي وقف إطلاق النار في لبنان وإنهاء الحصار البحري الأميركي، اعتقاد قيادتها بأن الحرب غيّرت ميزان القوى لصالحها، وأن التفاوض يجب أن يتمّ وفقاً لذلك.
وفي السياق، تنقل «فورين أفيرز» عن أحد المحلّلين الإيرانيين قوله إن «تخفيف العقوبات لم يعُد مهمّاً بالنسبة إلينا بعد الآن لأننا نعلم أنه لن يأتي، وحتى لو جاء فلن يدوم طويلاً». ويضيف المحلّل: «نحن لا نرتكب الأخطاء السابقة نفسها. حالياً، أصبحت إدارة هرمز هي المفتاح»، في إشارة إلى إعادة توجيه الاستراتيجية الاقتصادية الإيرانية، بعيداً عن السعي إلى الاندماج في النظام المالي الغربي - والذي يعتبره الجيل الجديد بعيد المنال -، ونحو الاستفادة من سيطرة إيران على الجغرافيا الحيوية.
وللداخل الإيراني دروسه أيضاً، والتي تتلقّفها القيادة الجديدة بفعّالية، إذ خلص صنّاع السياسة الإيرانيون، على ضوء الاحتجاجات الأخيرة على مستوى البلاد، إلى أن المظالم الاقتصادية تعمل كقوة مضاعِفة للمعارضة. ولذا، ما إن تمّ الإعلان عن وقف إطلاق النار في نيسان، حتى مضت الحكومة قُدماً في حزمة الإصلاحات الاقتصادية، والتي برّرتها باعتبارها ضرورية لإدارة التداعيات الاقتصادية للحرب. وبحسب «فورين أفيرز»، فإن الإسراع في الإعلان عن مشاريع إعادة بناء البنية التحتية، من مثل الجسور والسكك الحديدية والمستشفيات، يشير إلى أن الحكومة تتحرّك نحو «عقد اجتماعي جديد»، يعتمد على الكفاءة المُثبتة، لا على الأيديولوجيا.
ولعلّ مما يسهّل تلك المهمة أن الهجمات العسكرية والخطابية الأميركية - الإسرائيلية أثارت ردّ فعل قويماً «تجاوز الانقسامات السياسية»، إذ بات الإيرانيون يقارنون «النضال الوطني ضدّ العدو الأجنبي» بنظيره في مواجهة إسكندر الأكبر الذي غزا الإمبراطورية الفارسية في القرن الرابع قبل الميلاد، والجيوش العربية التي غزتها في القرن السابع الميلادي، والمغول الذين جاؤوا بعد ذلك بستة قرون. أمّا ما تعرضه الدولة من جهتها، فهو صفقة تعتمد بموجبها شرعيتها على القدرة الواضحة على الدفاع عن البلاد وإعادة بنائها، وتخُطّها المصطلحات الوطنية، وليس بالضرورة «الإسلامية»، بحسب ما يرى هؤلاء المراقبون
الكاتب: ريم هاني
9 حزيران 2026
المصدر: الاخبار
عاجل | قراءات غربية في استراتيجية الهجوم: كيف ترى إيران الجديدة نفسها؟




