اخبار لبنان
عاجل | خطاب الكراهية يواكب العدوان: اللبنانيون في مواجهة مزدوجة

🚨 عاجل
📌 ملخص الخبر:
عاجل | خطاب الكراهية يواكب العدوان: اللبنانيون في مواجهة مزدوجة
منذ بداية هذه الجولة من العدوان الإسرائيلي على لبنان التي شهدت استشهاد الآلاف وتدمير عشرات القرى والبلدات الجنوبية واستهداف العاصمة بيروت وضاحيتها الجنوبية ومناطق واسعة من البقاع، برزت ظاهرة قديمة جديدة لا تقلّ خطورة عن الدمار الذي يخلفه العدوان. فبدلاً من أن يؤدي هذا العدوان إلى تعزيز التضامن الوطني في مواجهة الخطر الخارجي كما كان يحصل خلال الجولات السابقة، لوحظ ارتفاع واضح في مستويات التوتر الطائفي والمذهبي. وهو ما يظهر بحدّة كلما طُرح موضوع مقاومة العدو الإسرائيلي الذي يحتل أجزاء من جنوب لبنان.
ففي كل نقاش يتعلق بالمقاومة ودورها ومستقبلها، تتكرر اتهامات تختزلها في إطار طائفي فئوي ضيق، وتصوّرها على أنها تعبّر عن مذهب محدد، أو تعمل حصراً لخدمة دولة أجنبية هي إيران، متجاهلةً تعقيدات الواقع اللبناني وتاريخ الصراع مع إسرائيل وأبعاد قضية الاحتلال والاعتداءات المتواصلة على لبنان.
ومع مرور الوقت، لم يبقَ هذا التوتر في إطار السجالات السياسية والإعلامية، بل تُرجم في بعض الأوساط سلوكاً تمييزياً وعنصرياً تجاه النازحين من قراهم وبلداتهم الجنوبية ومن الضاحية الجنوبية والبقاع، وتصاعدت خطابات الكراهية والاستفزاز والإهانات الطائفية على وسائل التواصل الاجتماعي وفي بعض المنابر الإعلامية والسياسية.
والأخطر أن بعض الأصوات لم تكتفِ بتحميل شريحة واسعة من اللبنانيين مسؤولية ما يجري، بل عبّرت علناً عن رغبتها في استمرار الهجمات الإسرائيلية على الجنوب والضاحية الجنوبية أملاً في «التخلص» من الشيعة أو إضعاف وجودهم السياسي والاجتماعي. ووصل الأمر بأحد النواب إلى إعلان تمنيه تهجيرهم إلى العراق، فيما صدرت مواقف عن مسؤولين وسياسيين اعتبرت أن «المشكلة» في لبنان تكمن في البيئة الشيعية المؤيدة لحزب الله، وأن الحل يكون بتخليها عنه.
بغضّ النظر عن المواقف السياسية المتباينة من حزب الله أو من خيارات المقاومة، فإن تحويل الخلاف السياسي إلى عداء طائفي مذهبي ضد مئات آلاف المواطنين اللبنانيين يشكل انزلاقاً خطيراً يهدد أسس العيش المشترك والاستقرار الوطني. فالدول لا تُبنى على شيطنة جماعة من مواطنيها، ولا يمكن معالجة الأزمات السياسية عبر تحميل مذهب محدد مسؤولية الانقسامات والصراعات القائمة.
ويبدو أن المسؤولية عن تصاعد التوتر الطائفي لا تقع على بعض السياسيين والإعلاميين فحسب، بل تمتد أيضاً إلى مواقف مسؤولين في مؤسسات الدولة اللبنانية نفسها. فقد أسهم رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في رفع مستوى الاحتقان المذهبي عبر غياب موقف وطني جامع إلى جانب جميع ضحايا العدوان الإسرائيلي، ولا سيما أبناء القرى والبلدات الجنوبية والضاحية الجنوبية والبقاع الذين تعرضوا للقصف والقتل والتهجير.
والسلطة الحاكمة لم تُظهر القدر نفسه من التعاطف والتضامن مع الضحايا كما تفعل الدول عادة تجاه مواطنيها الذين يتعرضون لعدوان خارجي، ما عزز لدى شريحة واسعة من اللبنانيين شعوراً بأن هناك تمييزاً في التعامل مع الضحايا على أسس طائفية أو مذهبية.
وركز الخطاب الرسمي بصورة شبه حصرية على قضية سلاح المقاومة، في وقت كانت فيه إسرائيل تواصل عمليات القصف والاغتيال والتدمير. وهذا الإصرار على أولوية نزع سلاح المقاومة، في ظل استمرار الاعتداءات ووجود أراضٍ لبنانية محتلة، بدا وكأنه يتقدم على المطالبة بوقف العدوان أو الضغط لانسحاب العدو من الأراضي اللبنانية. ووصل التشدد الرسمي في هذا الملف إلى مستوى غير مسبوق، حيث يمكن اليوم المقارنة بين الإصرار الداخلي على نزع السلاح والإصرار الإسرائيلي على تحقيق الهدف نفسه.
وسواء اتفق اللبنانيون أو اختلفوا مع هذا التوصيف، فإن المؤكد أن أي خطاب أو ممارسة يمكن أن تُفهم على أنها تمييز بين المواطنين أو تجاهل لمعاناة فئة منهم تحمل مخاطر كبيرة على السلم الأهلي. فالدولة مطالبة بأن تكون مرجعاً للوحدة الوطنية وحامية لجميع أبنائها من دون استثناء، خصوصاً في أوقات الحروب والأزمات الكبرى، لأن أي شعور بالتمييز أو الإقصاء يفاقم الانقسامات القائمة ويضعف ثقة المواطنين بمؤسساتهم الوطنية.
السلوك التمييزي والعنصري والطائفي الذي شهدته البلاد خلال السنوات الأخيرة يمثل تحدياً وجودياً للبنان لا يقلّ خطورة عن العدوان الإسرائيلي نفسه. فالحروب تنتهي عاجلاً أم آجلاً، أما الجروح التي تتركها الكراهية الطائفية فتبقى لعقود طويلة. ولا شك أن ما تعرض له كثير من اللبنانيين الشيعة من حملات تخوين وإقصاء وشتائم واستفزازات ورفض اجتماعي وسياسي لن يُنسى بسهولة، بل قد يعزز لدى فئات واسعة منهم الشعور بأنهم مستهدفون بسبب هويتهم المذهبية لا بسبب مواقفهم.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية. فعندما تفقد أي جماعة وطنية ثقتها بشركائها في الوطن، وتشعر بأنها غير مرحب بها أو أنها موضع استهداف دائم، تتراجع فكرة الدولة الجامعة لمصلحة الانكفاء إلى الهويات الفرعية والبحث عن وسائل الحماية الذاتية. وعندها يصبح المجتمع أكثر هشاشة وأكثر عرضة للانقسامات والصراعات.
ومع ذلك، فإن اللافت أن هذا السلوك العدائي لم يدفع غالبية أبناء هذه الطائفة إلى الرد بعنف على موجات الكراهية التي استهدفتهم واستهدفت شهداءهم وجرحاهم ومناطقهم. كما أن المقاتلين الذين يخوضون المواجهات مع الجيش الإسرائيلي لم يبدوا تأثراً بحملات التحريض التي تصدر عن بعض اللبنانيين، حتى عندما تصل إلى حد الدعوة للتعاون مع إسرائيل أو اعتبارها حليفاً في مواجهة المقاومة. ويعود ذلك إلى اقتناع هؤلاء المقاتلين بأن المعركة الأساسية بالنسبة إليهم هي مواجهة الاحتلال والعدوان، لا الانخراط في صراعات داخلية مع أبناء وطنهم.
لبنان اليوم لا يحتاج فقط إلى وقف العدوان الإسرائيلي وانسحاب القوات الإسرائيلية من أراضيه، بل أيضاً إلى مواجهة خطاب الكراهية والطائفية الذي يتغلغل في الحياة السياسية والإعلامية. فالوحدة الوطنية ليست شعاراً للاستهلاك الإعلامي، بل شرطاً أساسياً لبقاء الدولة نفسها. وإذا كان الاحتلال الخارجي يهدد الحدود والسيادة، فإن الانقسام الطائفي يهدد المجتمع من الداخل ويقوض إمكان بناء وطن يشعر جميع أبنائه بأنهم متساوون في الحقوق والكرامة والانتماء.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: كيف يمكن للبنان أن يواجه الأخطار الخارجية إذا كان بعض أبنائه لا يزالون ينظرون إلى شركائهم في الوطن بوصفهم أعداء؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد إلى حد كبير مستقبل البلاد وقدرتها على تجاوز أزماتها المتلاحقة وبناء دولة تتسع لجميع اللبنانيين
الكاتب: الدكتور عمر نشابة
5 حزيران 2026
المصدر: الاخبار
عاجل | خطاب الكراهية يواكب العدوان: اللبنانيون في مواجهة مزدوجة



