عاجل عاجل | ليس للفلسطيني إلا الأرض والوثائق
العرب والعالم

عاجل | ترامب بين مطرقة إيران وسندان الدولة العميقة

🚨 عاجل
📌 ملخص الخبر:
عاجل | ترامب بين مطرقة إيران وسندان الدولة العميقة
لأول مرة في التاريخ المعاصر يبلغ الانقسام العمودي والأفقي حدّه الأقصى في الكيان الأميركي مند حرب الاتحاد (1865). ولأول مرة في تاريخ الكيان الأميركي، ومنذ الحملة الماكارثية في خمسينيات القرن الماضي، تبرز تكتّلات شعبية تخرج في تظاهرات وتجمّعات إلى الشارع تصل إلى حدّ التصادم وترفع شعار مواجهة الدول العميقة الأميركية. ولأول مرة أيضاً، السياسة الخارجية الأميركية، التي جوهرها الحروب والهيمنة، تحدّدها مآلات هذا الانقسام الداخلي الحادّ بين الفريقين: من جهة الاحتياطي الفدرالي الأميركي والكارتال الصناعي العسكري، اللذين شكّلا بعد الحرب العالمية الثانية «الدولة العميقة». ومن جهة أخرى، الشركات المُنتِجة والشركات النفطية التي عانت الأمرّين في ظلّ انتأوضح قطاعات صناعية واسعة، إن لم نقل مجموعة الشركات الكبرى بمجملها، إلى بلدان أخرى في آسيا وأميركا اللاتينية، وما رافق ذلك من تخلّف في البنية التحتية وتراجع فرص العمل للأميركيين. هذه العملية التي بدأت في أواخر السبعينيات منذ القرن العشرين، جعلت من الولايات المتحدة عملاقاً بلا قدمين، هما الصناعة. وفي الآن نفسه، جعلت الدول، حيث انتقلت الشركات الأميركية، منافساً اقتصادياً قوياً يهدّد فعلياً السيطرة والريادة الأميركيتين في العالم، وفي مقدّمها الصين التي ظهرت كعملاق اقتصادي يهدّد التفوّق الأميركي. إنّ هذا الانقسام في البنية السياسية الاجتماعية الأميركية بدأت ملامحه تبرز في ثمانينيات القرن الماضي، ولكن بلغ ذروته مع الأزمة المالية عام 2008 التي أصابت الطبقة الوسطى بمقتل ودفعت بملايين الأميركيين إلى الشارع بعد فقدان مساكنهم. وبدأ يتوضح للمواطن الأميركي مدى خطر الدولة العميقة العولمية وسلطة الاحتياطي الفدرالي ومدى تهديدهما للوطن الأميركي ودورهما في تبديد الحلم الأميركي. هذا الانقسام انسحب أيضاً على التعاطي مع الخطر الاقتصادي الصيني الآتي، والذي شكّل هاجساً للإدارات الأميركية المتعاقبة، حيث وضعت لمواجهته استراتيجيات: استراتيجية بريجينسكي التي وَضعت كأولوية ضربَ روسيا والسيطرة عليها لمحاصرة الصين وحرمانها من أي إمكانية لصياغة أي حلف معها. والاستراتيجية التي وضعها كيسنجر التي تبدأ بسياسة احتواء روسيا وإقامة شراكة معها لتحسين الشروط الأميركية في مواجهة الصين دون إمكانية أن يكون لها حليف نووي كبير كروسيا، وبالحد الأدنى تحييدها. هذا ما تبنّاه ترامب واستطاع جرّ الجمهوريين إلى سياسته هذه. إنّ هذا الصراع بين الحزبين تجلّى بشكل واضح في الحرب الأوكرانية كما في الملفات الدولية الأخرى وتحديداً الملف الإيراني. وليس صدفة أن هذين العنوانين أضحيا شعارات الحملات الانتخابية وفي الخطط العملية في ميادين الصراع كما في طبيعة الخطاب الفظّ والقاسي. فمع الرئيس أوباما (2009) الديمقراطي بدأ التحضير للحرب الأوكرانية ضد روسيا، وفي آن أُنجز الاتفاق النووي مع طهران 2015 الذي سرعان ما ألغي في ولاية ترامب (2017) وكذلك كان مجيء ترامب قد أجّل لأربع سنوات الحرب الأوكرانية. وهكذا، ما إن جاء بايدن الديمقراطي، وبعد انقضاء عام على تسلّمه مهامّه الرئاسية في البيت الأبيض، حتى أطلق الحرب بالوكالة في أوكرانيا، والتي كان هدفها إخضاع أوروبا وإسقاط روسيا والسيطرة على ثرواتها لتحسين موقعها على المستوى العالمي ومدّ القنوات لتنظيم العلاقة مع الصين، في طموح استراتيجي لمشروعها العولمي الذي كان قد بدأ يعاني من تعثّرات في أميركا ذاتها نتيجة للانكشاف الكبير للاحتياطي الفدرالي الذي سبّبته أزمة 2008 المالية وبداية سقوط «الحلم الأميركي». إنّ هذه الأزمة تميّزت عن غيرها في أنها تركت ندوباً كثيرة في المجتمع الأميركي وآثارها لم تقوَ الإدارات المتعاقبة على محوها، حيث بقيت البنوك مستوية على عرشها، وحمل المجتمع الأميركي والطبقة الوسطى بشكل خاص كل تداعياتها. هنا بدأ المواطن الأميركي يستأفاد قول الرئيس السابق للولايات المتحدة جاكسون: «أعتقد أن مؤسسة المصارف هي أكثر خطورة من الجيش المسلّح، وإذا سُمح للمصارف الخاصة في إصدار النقد فسيأتي اليوم الذي يخسر فيه الناس جميع ممتلكاتهم وسيستيقظون يوماً ما ليجدوا أنفسهم بلا مأوى». فالمصارف، وبعد هذه الأزمة، راحت تبحث عن مخارج، وجدتها في الانفتاح على الصين، المارد الاقتصادي الصاعد، علّها تصبح قاعدة جديدة في مسارها لإدارة العولمة، بغضّ النظر عن اختلاف البنى السياسية للدولة الصينية وتركيبة السلطة السياسية فيها (قيادة الحزب الشيوعي) فيبقى الرهان لديها على البنية الاقتصادية الهجينة (اقتصاد السوق) وهي فعلياً رأسمالية في جوهرها كسلطة الرساميل والاستثمارات الموازية التي تديرها 999 عائلة صينية. كذلك حصل بين الحربين العالميتين (مع تراجع بريطانيا الاقتصادي والمالي) حين انتقل المركز المالي من لندن إلى نيويورك وحلول الدولار مكان الجنيه الإسترليني عبر مسار طويل ومضننٍ، منذ إعطاء رخصة لأول بنك فيدرالي بتوقيع ودرو ولسون الرئيس الذي أتت به البنوك إلى الرئاسة في عام 1913، مروراً بمؤتمر بريتون وودز الذي دعا إليه الرئيس روزفلت تحت دوي مدافع الحرب في أوروبا 1944، وتأسيس صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للتنمية الذي ثبّت الدولار كعملة للتجارة الدولية، وتُوّجت هذه الفترة بمرسوم الرئيس نيكسون عام 1971 بتحرير الدولار من التغطية الذهبية. خلال أربع سنوات ونيف من الحرب الأوكرانية، تبيّن أن توقّعات الإدارة الأميركية (الديمقراطية) كانت متفائلة جداً في أن روسيا ستغرق في المستنقع الأوكراني ولم تصمد. وسرعان ما بدأت النتائج السلبية تنعكس بشكل دراماتيكي على أوروبا، وعلى واقع الإدارة الديمقراطية في الداخل الأميركي، مضافاً إليها حرب الكيان الصهيوني على غزة والمجازر التي ارتُكبت بتأييد أميركي وأوروبي سافر. كل ذلك جعل من شعارات ترامب في دورته الانتخابية الثانية (إيقاف الحروب في العالم؛ في أوكرانيا كما في غزة) تلاقي استجابة لدى الناخبين الأميركيين، كما شعاره في مواجهة الدولة العميقة الأميركية، حيث لأول مرة يرفع هذا الشعار منذ انتخابات الرئيس الأميركي السابع جاكسون (1829- 1837) الذي خاض معركته الرئاسية لدورتين وكسبها تحت شعار «ضد البنوك» وهو الذي ألغى، بعد تسلّمه الرئاسة، البنك الوطني الثاني وفي آن أطلق «الديمقراطية الجاكسونية». لقد انتخبه الشعب الأميركي بولايتين بالرغم من تدخل البنوك السافر ضده وتعرّضه لمحاولتي اغتيال. دونالد ترامب، ومنذ اللحظة الأولى لتسلّم مهامّه كرئيس، اندفع في مشروعه لإنهاء الحرب الأوكرانية، وكذلك محاولاً إنهاء الحرب في غزة، دون أن ينتبه إلى حجم قوة وتأثير الدولة العميقة وما أسّسته خلال العقود الخمسة الماضية، إذ أطلقت يدها من خلال سياسة الحقائب المالية فكانت محاولات ترامب المتكررة لوقف الحرب في أوكرانيا تواجه من الأوربيين بعناد. وأوروبا ما كانت لتجرؤ على مواجهة ترامب لولا دعم الدولة العميقة التي كانت قد أحكمت قبضتها على الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي. وكذلك ما كان لزيلينسكي أن يتجرّأ على قول «لا» بدون هذا الدعم. ويمرّ العام من ولاية ترامب دون نتائج ملموسة، فما زالت الملفات مفتوحة من أوكرانيا إلى غزة ولبنان واليمن، وبالتأكيد في إيران. فما كان يمكن أن يأخذه من بوتين قبل الحرب التي شنّها الديمقراطيون لم يعد بالإمكان الحصول عليه بعد الحرب على روسيا التي حقّقت، وعلى مدار هذه السنوات من صمودها، نجاحات كبيرة على المستوى العسكري كما الاقتصادي والسياسي. كذلك في غزة؛ التطهير العرقي استمر والمجازر لم تتوقف وبدل أن يوقفها ترامب أصبح شريكاً فيها وفي نتائجها حيث حاولت تحويل المأساة الفلسطينية إلى صفقة عقارية وأضحى متحالفاً مع مجرم حرب. إنّ عدم قدرة ترامب على إحراز اختراقات في أوروبا لتنفيذ خططه لوقف الحرب، وعناد نتنياهو، كل ذلك دفعه إلى بدأ سياسة «خبط عشواء»: فرض الضرائب الجمركية أو زيادتها على السلع الأوروبية كما الصينية. وتارة يطالب بضم كندا لتصبح ولاية أميركية غير آبه بسيادتها كدولة. والتلويح بغزو عسكري لغرينلاند الدنماركية. وتوّج ذلك بانسحابه العلني من الصراع الأوكراني وامتناعه عن الدعم المالي وعن تسليح الجيش الأوكراني، ورمى وزر هذه الحرب على أوروبا الغارقة في مشاكلها الاقتصادية، متوّجاً ذلك بقمة ألاسكا مع الرئيس الروسي بوتين، والتي لم تعلن نتائجها ولكنها ظهرت في طبيعة السياسة المتبادلة عبر الرسائل العملية. وإذا كان إنهاء الحرب الأوكرانية مدخلاً للانفتاح على روسيا، كتوطئة للحوار مع الصين، فإنّ الفشل في ذلك دفعه نحو خطة بديلة وهي السيطرة على مصادر الطاقة التي تغذّي الصناعة الصينية في فنزويلا وإيران. وبين اللوبي الصهيوني في أميركا وابتزاز نتنياهو في ملف إبستين، فقدَ ترامب التوازن في أدائه السياسي، وساد خطابه المتناقض لتغطية قراراته. وخلال شهور، سقطت كل شعاراته لوقف الحروب وفرض السلام، وأصبح شريكاً لجزّار غزة في جرائمه، وهو ذاته ارتكب جرائم قتل الأطفال في افتتاحية حربه المباشرة على إيران. نجح ترامب من خلال عملية أمنيّة خاطفة في فنزويلا باختطاف رئيس الدولة وزوجته، ما أعطاه فرصة الاحتفال بنصر ادّعاه لتغطية كل عجزه في النصف الأوّل لولايته الرئاسية، وأثار شهيته وجشعه و غطرسته الاستعمارية، وعزّز لديه الاندفاع بتبنّي الخطة الإسرائيلية في الحرب على إيران. ولئن كانت الحرب التي أطلقها بالوكالة عبر الكيان الصهيوني قد مهّد لها في حزيران 2025 بخديعة المفاوضات غير المباشرة عبر الوسيط العماني، فقد أفشلها صمود إيران الأسطوري من خلال استعادتها للمبادرة في القرار السياسي كما في ميدان القتال وفي استهداف العمق الإسرائيلي وتل أبيب بضربات مؤلمة، ما اضطر الاحتلال إلى طلب وقف إطلاق النار، فإن الحرب المباشرة التي شنّتها الولايات المتحدة (شباط 2026) في ظل مفاوضات استجداها ترامب بوساطة عمانية أيضاً وفي ظل التقدّم في مسار هذه المفاوضات، كان ترامب فيها كمن يتقدّم إلى حتفه بقدميه. خلافاً لكل توقعات ترامب، صمدت إيران مرة جديدة. ولأول مرة بعد الحرب العالمية الثانية 1945 تُقصف وتُدمّر قواعد عسكرية أميركية دون تمكّن أميركا من الدفاع عنها. هذه القواعد، وبدل أن تحمي دول الخليج، شكّلت في مسار الحرب تهديداً لأمن هذه الدول. إنّ دخول المقاومة الإسلامية في لبنان المعركة (بعد عام ونصف عام من استباحة الكيان الصهيوني لأجواء لبنان وسيادته واستمرار عمليات القصف والاغتيال في ظل تواطؤ السلطة السياسية) شكّل رادعاً للكيان. وعبر تطوّر عملياتها على الجبهة، حاصرته على الحافة المحتلة ولجمت أي فكرة لديه للتقدّم في الميدان. وعليه، هذه الحرب أظهرت إدارة ترامب وحيدة بلا ظهير أوروبي ولا أطلسي. وخصوم ترامب في الداخل الأميركي ينتظرون استكمال خطواته الفاشلة نتيجة الفخّ الذي أوقع نفسه فيه؛ إذ بدل أن يحاصر إيران حاصرته هي في مضيق هرمز... كل هذا وضع ترامب أمام خيارين: إمّا تجديد الحرب على إيران، وهذا واضح الآن أنه سيؤدي إلى إسقاطه وإسقاط مشروعه في الولايات المتحدة قبل أن يسقط خارجها. وإمّا إنجاز اتفاق مع إيران بشروط واقعية يعطيه فرصة جديدة لاستعادة بعض مما فقده على مستوى الرأي العام الدولي. * الباحث حسين صفي الدين 26 ايار 2026 المصدر: الاخبار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى